الأحد، 9 يوليو 2023

خطر تمكين المتطرفين من السودان

خطر تمكين المتطرفين من السودان


● مقدمة: ظل ثالوث السياسات الخاطئة، والأيدولوجيات الواهمة، والحروب الأهلية يمثل أخطر عوامل تفريخ الجماعات المتطرفة وأقصر طرق وصولها إلى البلدان المضطربة، وحينما تختل الموازين السياسية والأمنية والثقافية والاجتماعية وتعلو أصوات الدعاية الأيدولوجية أو الدكتاتورية أو الحربية أو الإعلام الحزبي الطبال، حينها ستخبو أضواء الجماعات القومية والثقافية المتزنة التي تجمع الأمة وتتقسم حينها الولاءات لصالح الانتماءات الأولية الضيقة الإثنية والقبلية والجهوية والعصبية، مما يسهل تغلغل خطابات النعرات إلى ذهن المتلقي في ظل ذلك الانحسار القومي.

● أولا: تظل الفوضى السياسية والأمنية والمواجهات العسكرية أقصر طرق انتشار الفوضى واستشراء التسلح غير المنضبط وتزايد حملة السلاح خارج الأطر القانونية وحينها تعجز الحكومة عن احتكار أدوات العنف، وتسعل حينئذ عملية تسليح الجماعات الإجرامية والمتطرفة ولنا في التجارب المحلية والإقليمية والعالمية ما يؤكد ذلك فغالبًا تتم عمليات التسليح لتلك الجماعات عبر عدة طرق، منها:

1. انخراط أطراف الصراعات المسلحة في تجارة غير شرعية بالأسلحة، والسودان يعج بالمجتميع المسلحة داخل وخارج الصراع، وهو ما يزيد من عمليات التكسب لمافيا التسلح التي تنشط في جرائم عابرة تشمل تهريب الأسلحة والثروات والآثار والذخائر والموارد والبشر عبر الحدود بطرق غير قانونية، وتمثل حدود السودان المفتوحة أكبر محفز لتلك الجماعات الداخلية والدخيلة والخارجية للتسلل والنشاط التجاري والاجرامي عبر الحدود الممتدة والمتاخمة لعدة دول مضطربة تنتشر فيها فوضى التسلح وبعضها يحتضن جماعات متطرفة ومهابط طيران لشركات أمنية أجنبية تدير أعمال قذرة في تلك الدول.

2. تزايد عمليات التمويل الخارجي الرسمي وغير الرسمي للدول التي لها صلة بمشاريع أيدولوجية وارتباطات فكربة وأخرى براغماتية، وهو ما ستلجأ إليه الجماعات المتطرفة للحصول على تمويل من الجهات الأخرى لشراء الأسلحة وتسليح أعضائها، وفي سبيل ذلك ستتبع كافة شبكات التمويل المتاحة عبر غسل الأموال والاتجار في المخدرات والممنوعات، ويمكن أن يتم تصميم منظومة مالية خاصة أو الاعتداء على مصارف الدولة الرسمية ومنظومتها المالية وهو ما سيدخل البلاد مجددا في قوائم الحظر المالي وتمويل الإرهاب وسلسلة القرارات الدولية من مجلس الأمن.

3. تنامي الاعتداء على المقار العسكرية والأمنية لسرقة الأسلحة والذخائر ما لم يتم حراستها بصورة محكمة وبقوات قادرة، فستتم سرقة الأسلحة من المخازن العسكرية ومقار القوات الأمنية الأخرى، وحينئذ سيتم استخدامها من قبل الجماعات المتطرفة، للبحث عن المزيد من ترسانات الأسلحة، وفي ذلك ينشط تجار المعلومة من بعض عناصر النظام البائد في تسهيل وصول قادة تلك المجموعات للأماكن الخفية والترسانات السرية، وقد شهدنا سرقة عدة مخازن للأسلحة في السابق وحريقها صوريا بعدها انتشر السلاح الحكومي في السوق.

4. وأخطر ما في الأمر هو استيراد الأسلحة والمواد المتفجرة عبر شركات التعدين والتنقيب عن المعادن في المناجم، وتسهيل دخول مواد تدخل في تصنيع المتفجرات، ويجدر الذكر أن أحد العسكريين من عناصر التنظيم المحلول حاول في بث مباشر تحريض المواطنين للعمل والبدء في التسلح بتقنيات التصنيع المنزلية، وهو منهج بائس يكرس للخطط التي تعتمد عليها في الأساس الجماعات المتطرفة، وتدرب عناصرها على تصنيع الأسلحة بأنفسهم باستخدام موارد محدودة وتقنيات بسيطة، وفي السودان تنتشر تلك المواد بكثافة في عدد من المنشئات والمرافق التي خرج بعضها عن سيطرة الحكومة الرسمية.

● ثانيا: إن الاستهانة بهذا الأمر، وزيادة فرص وصول السلاح لعناصر لا سجل جنائي لهم بطرف الدولة، ومع هروب عشرات الآلاف من السجون من بينهم عتاة المجرمين والمتطرفين، هؤلاء لهم جماعات منظمة داخل وخارج السجون سيجدون ضالتهم في عمليات التسليح والتجييش ولن يكون مستقبلهم سوى جماعات أيدولوجية متطرفة أو مافيا إجرامية متفلتة، وحينها ستتعذر عملية جمع السلاح بعد أي اتفاق سلام، وسيظل الجميع ممسكا بسلاحه، فإن لم يتمرد وقتها على الدولة حتما سيخرج للجوار مرتزقا أو بقي يعكر صفو البلاد ويهدد سلمها وأمنها واستقرارها، ولا أحد ينكر استشراء هذه الظاهرة في عدد من الدول حولنا:

1. ففي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تشهد المنطقة انتشارا وتفاعلل مع الجماعات الجهادوية، مثل جماعة أنصار الشريعة في درنة الليبية، والقاعدة وداعش في سوريا والعراق، وجماعات إخوانية في سيناء.

2. وفي جنوب شرق آسيا تواجه دول مثل الفلبين وإندونيسيا تهديدًا من المجموعات الجهادوية المحلية والعناصر المتطرفة، التي مثلت تهديدا كبيرا لتلك الدول.

3. أما أوروبا فقد شهدت تهديدات لبعض الدول الأوروبية وهجمات إرهابية، من أفراد كحوادث فرنسا في شارلي إبدو، وكذلك من والجماعات المتطرفة في السنوات الأخيرة.

4. أما في العالم العربي ومنطقة القرن الأفريقي وغرب إفريقيا لم تنج من الأمر منطقة، وقد ازدادت في الآونة الأخيرة عمليات تطرف وجريمة هددت حتى الملاحة البحرية وتنقل الناقلات النفطية والتجارية في عدد من تلك المناطق.


● ثالثا: معلوم بداهة أن تكلفة نزع الأسلحة ومخلفات الحرب التدميرية تفوق في كثر من الأحيان تكلفة الحرب نفسها، ورغم تعذر تقديم أرقام تقريبية بدقة عن تكاليف حروب كثيرة في البلاد وخارجها نظرًا لتعقيد القضية والعوامل المتعددة المتداخلة كسرية حرب دارفور التي كانت تكلف السودان يوميا مائة مليون دولار لعقدين تقريبا، لكني أستطيع التأكيد أن تكلفة نزع الأسلحة في السودان ومخلفات الحرب ستختلف بشكل كبير عن التجارب السابقة التي تمت في الجنوب أو دارفور، ولن تستطيع الدولة دفع تعويض مقابل السلاح، لأن عمليات التوريد لن تتوقف لتسلح مجموعات جديدة تقتات من فوهات البنادق، وهذا الأمر سيظل متصاعدا اعتمادًا على قدرة الدولة أو ضعفها ونوع الجماعة المتطرفة وحجم الأسلحة المبذولة ومدى حالة استقرار دول الجوار.


● رابعا: قدم العالم تجارب مماثلة في نزع الأسلحة والألغام ومحاربة الجريمة وعلى صعيد تجارب الحرب على الإرهاب، ولم يقدوموا أرقام تقريبية دقيقة عن تلك المحاولات، بسبب التحديات الأمنية والغموض المحيط ببعض الأعمال العسكرية، وسرية عمل تلك الأجهزة الإقليمية والدولية التي ولغ بعض جنودها وضباطها في تهريب الأسلحة والموارد والثروات من البلدان التي ابتعثوا إليها عبر قرارات أممية أو تحالفات دولية أو إجراءات آحادية من بعض الدول، ويمكن الاستدلال بالآتي:


1. الحرب في أفغانستان مثلت وقتها أزهى تجليات الحرب على الإرهاب بحسب القائمين عليها، والتي تقدر الأمم المتحدة أن تكلفتها لعقد من الزمان قد بلغت أكثر من 2 تريليون دولار، وتشمل تكاليف الجوانب المالية والبشرية والاقتصادية، ولكن لم تفصح الأمم المتحدة في تقاريرها أو أي من الدول التي غزت أفغانستان عن تقارير نزع الأسلحة وإزالة آثار الحرب، ولم تفصح التقارير عن الثروات التي تم نقلها عبر أساطيل البحرية والأسراب الجوية لتلك الدول، إلا أن هربوا جميعا ليتركوها تحت رحمة طالبان.

2. أما الحرب في العراق ووفقًا لتقارير مختلفة، فإن تكلفة الحرب التي خاضها الغرب في العراق بين عامي 2003م و2011م، كانت تتراوح بين 1.7 تريليون دولار إلى 2.1 تريليون دولار، قيل أنها شمل تكاليف العمليات العسكرية وإعادة البناء والتعافي الاقتصادي، ولكن اقتصاديات الحرب ظلت خفية ومحجوبة التفاصيل إلى يومنا هذا والحديث عنها يظل (تابوه) يمنع البحث أو التنقيب عنه، فهنالك حوالي 400 ألف عنصر أمني وعسكري دخلوا العراق وخرج بعضهم يحمل في حقيبته آثار قيمتها ملايين الدولارات وغير ذلك من موارد البلاد التي نقلتها بوارج وسفن وناقلات ومقاتلات، وتركت العراق تكابد الفشل والفساد المؤسسي.

3. أما في العقد الأخير فقد شهدنا القتال ضد داعش في سوريا والعراق وتم تقدير تكلفة الجهود العسكرية للقضاء على تنظيم داعش في سوريا والعراق بمئات المليارات من الدولارات دون تحديد قطعي لأن الأمر لا زال مستمرا من الجانب الغربي في اتجاه وروسيا شرقا من اتجاه، وهذه التقديرات قيل أنها تشمل تكاليف الدعم العسكري والتدريب وإعادة الإعمار، ولكننا نشهد كيف تسربت تلك الأموال والآليات والتقنيات لتقع في يد التنظيم ليستطيع استقطاب عناصر من كافة أنحاء العالم بدفع أموال طائلة لهم، واستخدم التنظيم بعض تلك الموارد في تدريب عناصره وتأهيليها لتنتقل وتعبر الدول وصولا إلى أعماق الغرب وإفريقيا وأمريكا وأوروبا.



● خامسا: في تقديري المتواضع علينا الأخذ في الاعتبار أن هذه الأرقام هي التقديرات التقريبية لمكافحة الإرهاب وتمويل عمليات نزع الأسلحة ومخلفات الحرب ودعم مشاريع الإعمار، هي أرقام متواضعة وغير حقيقية أو صادقة رغم ضخامتها، واجبنها قراءة ذلك مع التجربة السودانية التي عشناها لمدة تناهز الأربعة أشهر خلفت دمارا مدنيا وعسكريا بجانب الانتهاكات الإنسانية والفظاعات التي تتزايد مع استمرار الحرب، ومقدار ما تم نهبه من المقلر الرسمية والمنازل والمتاجر، فالتكاليف الحقيقية قد تكون أكبر بكثير مما هو مرصود تقريبيا بحوالي 10 مليارات من الدولارات في الشهر، وذلك بسبب العوامل غير المحسوبة واللامرئية والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية اللاحقة على المدي الطويل المترتبة على دمار البني التحتية وضياع أجهزة تكنولوجية وطبية وتقنية وضياع المشاريع الزراعية والاقتصادية والتجارية والانتاجية، بل حتى الترسانة الصناعية الدفاعية.


● سادسا: لذلك سيمثل انتشار التسليح مدخلا لتسليح الجماعات المتطرفة وسيشكل تهديدًا خطيرًا للسلم في البلاد وعلى الأمن والاستقرار العالميين وتبديدا لموارد البلاد، وهو ما سيجلب إلى السودان ومحيطة الإقليمي والدولي تراكم كارثي لن تستطيع المنطقة دفع تكاليفه المادية والبشرية والنفسية، وهو ما يعني الآتي:

1. زيادة في رقعة العنف واتساع دائرة الإرهاب، ومن المؤكد سنتجه للحد الذي سيستخدم المسلحون الأسلحة لتنفيذ هجمات إرهابية وأعمال عنف مميتة داخليا وخارجيا، تزيد من التوتر وحالة الفوضى التي فاقمتها حرب إبريل على السودان وجواره الإقليمي والدولي.

2. تنامي الأنشطة الإجرامية والعمليات غير القانونية ماليا تجاريا اقتصاديا، بل حتى السلع الحياتية اليومية ستدخل دائرة التجارة السوداء بقوة السلاح، وسيستغل المسلحون الأسلحة في القيام بأنشطة إجرامية مثل السرقة والسلب والنهب والاتجار بالمخدرات، وقطع الطرقات وفرض الاتاوات لتمويل أنشطتهم.

3. وسيمثل انتشار السلاح التهديد الأول للسلم العام، والخطر الأكبر أمام أي أنشطة مدنية أو ممارسة حياتية ثقافية رياضية اقتصادية أو سياسية في البلاد، فتسليح الجماعات المتطرفة يزيد من توترات الأمن ويعرض الشعوب المختلفة والأقليات المختلفة لخطر الحروب والنزاعات المسلحة، وربما قاد للصراعات الأهلية وتنامي النعرات والثأرات.

● سابعا: واجب جميع الفاعلين سياسيا وعسكريا في البلاد الاستماع لكل الأصوات التي تحذر من خطر الحروب وتداعياتها، والترتيب خلال عملياتهم التفاوضية لوضع رؤى فاعلة وعاجلة لنزع سلاح هذه الجماعات وتفكيك خلاياها وجماعاتها الجهادوية ومحاربة مناهجها التكفيرية، واتخاذ كافة التدابير التي من شأنها منع حصول أي جهة سودانية الحصول على السلاح خارج الأطر المعروفة، وهناك عدة إجراءات وتدابير يمكن اتخاذها استباقيا:

1. فتح أبواب التعاون الدولي في هذا المجال، وذلك بدراسة كافة التجارب السابقة وكيفية انتهاج النماذج الفضلى، وينبغي على الدول التعاون معًا لمشاركة المعلومات الاستخباراتية وتبادل الخبرات في مجال نزع الأسلحة والألغام ومخلفات الحرب، ومكافحة الإرهاب لمواجهة هذه الجماعات التي تغلغلت في جهاز الدولة ودولاب الحكومة التنفيذية وأجهزة إنفاذ القانون.

2. الانتباه الشديد للتحركات الحدودية وتحسين الأمن الحدودي، بتقوية الرقابة الحدودية رسميا وشعبيا للتصدي لتهريب الأسلحة والمقاتلين الأجانب والتشوين والتموين والتمويل والتهريب وتغذية الصراع وتهريب الثروات ومنع الذين ينضمون إلى الجماعات المتطرفة من التسرب للبلاد.

3. الإسراع باستعادة منظومة الدولة لزيادة الجهود الأمنية الداخلية (جهاز الشرطة والأمن)، فما لم يتم تعزيز أجهزتنا الأمنية وتطوير قوات الشرطة والاستخبارات لكشف ومكافحة الجريمة، وأخطار انتشار السلاح وتتبع الجماعات المتطرفة، حتما ستكون أي جهود لإنهاء الحرب صفرية وستندلع الحروب والجريمة والعنف في كل مدن البلاد.

4. يتعين على بيوت الفكر والقوى السياسية والمدنية والمجموعات الثقافية والمجامع الفقهية التحالف ضد الجريمة والإرهاب والإعلان عن ذلك بمواثيق التسامح والاعتدال، وبث خطابات وخطب وإعلانات رسمية وشعبية ومنبرية تمثل الترياق السوداني الشامل للقضاء على النعرات وخطابات الكراهية والدسائس الإيديولوجية، وهو ما يوجب العمل على مناهج تربوية وروحية ودينية وتعليمية تعزز التعايش السلمي والقدرة على التسامح والوسطية ونبذ العنف والتطرف تحرم وتجرم خطابات الاستعلاءات القبلية والعرقية والثقافية والدينية.

● ختاما: واجب العقلاء افتداء البلاد، وعدم الكف ولو لهنيهة عن التوجه الفوري والتوجيه اليومي للمتقاتلين وحضهم للمضي نحو الحوار والتلاقي لوضع حد لهذه الحرب الجهولة الظلومة، التي تفتح أبواب الجحيم على البلاد والعباد يوما بعد يوم، وتمضى انتهاكاتها في التزايد، وجرائمها في الانتشار، وواجبنا قطع علاقة السودان كوطن بكل ما هو عنيف، وفتح الباب نحو مستقبل ينعم فيه أبناؤنا بنوم هانيء يحلمون فيه بوطن يستحقهم ولا يسحقهم، فيه أعدل وأفضل وأجمل وأعظم نظام حكم.

عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com