● الانقلابات في إفريقيا هي ظاهرة تتجدد باستمرار شهدتها القارة على مر العقود الماضية ووصل تعداد محاولاتها المعروفة إلى ما يزبد عن المئاتي محاولة فاشلة وناجحة، وتعد الانقلابات من أكبر التحديات التي تواجه تقدم الديمقراطية والاستقرار في المنطقة، ويمكن تبيان بعض العوامل المسببة لشغف الدكتاتوريين بالسلطة وبالتالي في حدوث الانقلابات في إفريقيا على النحو التالي:
1. لقد مثل الاستعمار والهيمنة الاقتصادية أكبر عوامل الانهيار السياسي والاحتجاج الشعبي، وتأثرت الكثير من دول إفريقيا بالاستعمار طوال عقود من الزمن، لأن الاستعمار خلف آثارًا سلبية على السبيكة القومية ومزق الهوية الوطنية وضيع الموروث الثقافي اطرادا عكسيا مع إزدهار ونمو وتطور البنية الاقتصادية لتلك الدول المستعمرة، إذ ساهمت هيمنة اللغة والثقافة الأجنبية، في ازدراء موروث تلك الشعوب القيمي وتراثها، وهذا أدى إلى تفاقم العداء والتوترات السياسية والاجتماعية، مما زاد من احتمالية حدوث الانقلابات وهيأ بعض الشعوب لتفضيل الدكتاتورية على الاستعمار.
2. وشكل الفساد وسوء الإدارة وضعف الحوكمة أكبر ممهدات الانقضاض على السلطة، ويُعد الفساد الافريقي وسوء الإدارة مضرب المثل في العالم، وشكل ثراء الحكام الأفارقة عنوانا بارزا في دوريات الاقتصاد والشفافية المالية، لتتذيل كثير من اادول الترتيب ليكون ذلك من العوامل الرئيسية التي تسهم في ظهور الانقلابات في إفريقيا، إذ يدمر الفساد البنية الاقتصادية والاجتماعية للدول ويجعل شعوبها في صدر تقارير المجاعات والاحتياج الإنساني، وهو الأمر الذي يدفع المعارضة والشعب إلى اللجوء إلى وسائل غير ديمقراطية للتغيير، كالتلاعب باستطلاعات الرأي، وشراء الأصوات بالمال الملوث، وتزوير الانتخابات وهو ما يقود لغياب التعددية السياسية التي بدورها أيضًا تثير الاستياء وتشجع الانقلابات.
3. مثل تمويل الإرهاب وغسل الأموال والجريمة المنظمة ونقص الموارد، واحدة من أركان الانظمة الدكتاتورية قبل وبعد انقضاضها للسلطة وبعد فقدانها، بذلك تدور حلقة الانقلابات لأكثر من مرة في البلاد الواحدة، وهو ما جعل العديد من الدول الإفريقية تعاني من نقص الموارد والفقر، مما أثر على بنية البنية التحتية وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين فانتشر للعوز والأوبئة والتخلف، وهو ما تسبب في زيادة الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي وخطابات المظلومية والتهميش وانتشار الحركات التحررية، وقد استغلت بعض الجماعات المتطرفة وصولها للسلطة في تمويل الإرهاب وغسل الأموال وتنشئة التنظيمات الاجرامية، او تخليق ما عرف بإجرام الأنظمة ومافيا الدول المتسلطة، وهذه الظروف هيأت النخب السياسية والعسكرية للزج بالدول في حالة من الفوضى والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية والأمنية، مما يزيد من احتمالية نجاح الانقلابات.
4. نزغ الاحتفاظ بالسلطة والرغبة في التسلط والاستبداد، للدرجة التي لم يغادر فيها كثير من الزعماء كراسي السلطة إلا بفعل الموت، ويعتبر الانحباس المستمر في السلطة والتمسك بالحكم من قبل الزعماء والقادة السياسيين عاملاً آخر ممهدا لحدوث الانقلابات، إذ لا يمكن للأنظمة الحاكمة تجاهل تطلعات الشعوب ورفض التغيير السياسي الذي ترنو إليه كل أمة، وهو ما يدفع بالمعارضة والجماعات المسلحة إلى اللجوء إلى العنف والاستيلاء على السلطة عن طريق الانقلابات.
5. من أهم العوامل الخارجية التي جعلت إفريقيا مهدا للانقلابات، هو الدور الذي تلعبه السياسات الخارجية لبعض الدول القوية فهي تبذل جهدا في حفظ مصالحها وتلعب في كثير من الأحيان دورًا في تأجيج الصراعات وحدوث الانقلابات في إفريقيا إما بدهم الدكتاتوريين أو الإطاحة بهم في حال لم ينفذوا أجندتها، نعم! قد تكون أهداف السياسة الخارجية لتلك الدول غير متوافقة مع مصالح الشعب المحلي، وقد تدعم الدول الأخرى نظامًا قمعيًا أو تتدخل في شؤون دولة معينة بطرق تهديد الاستقرار وتشويه العملية الديمقراطية، ولكن لا أحد يأبه للأمر إن تداعت تلك الديمقراطيات الوليدة أو وئدت.
6. جماعات وعصابات التمويل والإجرام الدولية وشركات الأنظمة الدولية العابرة للحدود، فرغم أن دول كتشاد ومالي والنيجر والغابون وغيرها، له علاقة بالقوى الخارجية ، بصورة محدودة في مجالات كالتدريب، والتعاون والاشراف على القوات، إلا أن شركات خاصة (كفاجنر) استغلت موارد تلك البلدان لإثراء النظام الروسي وتقديم ما يكفيه من موارد (كذهب السودان) لخوض حربه ضد أوكرانيا، ما جعل أقصر طريق لنهب ثروات تلك الشعوب دعم الدكتاتوريات أو تأييد الانقلابات.
7. مع تفشي جائحة كوفيد-19 ومن قبله وباء إيبولا وكثير من الأمراض المستفحلة والمستوطنة في القارة، تزداد التحديات التي تواجهها إفريقيا مع زيادة الفقر والقصور في البنية التحتية والخدمات الصحية والأنظمة البيئية، التي لم تحصن إفريقيا من دفن نفايات مشعة أو ملوثة، وفي هذه الظروف المعيشية الصعبة تزيد باستمرار احتمالية حدوث الانقلابات في المستقبل، وخاصة حينما يشعر الشعب بعجز الحكومات عن تلبية احتياجاتهم الأساسية حتى وإن كانت تلك الحكومات منتخبة أو أتت عبر ثورة شعبية، حينها لن يأبه الشعب بانقلاب أي دكتاتوري على سلطته.
8. تقاعس الدور الدولي للمؤسسات الأمينة على الديمقراطية والحارسة لحقوق الإنسان، كالامم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، والإتحاد الافريقي، وهيئات إفريقية ( إيقاد، إكواس، إيفاد، إيساف.. الخ)، جميع هؤلاء بالإضافة للمؤسسات الإسلامية الكبيرة التي تنضوي تحت لوائها بعض الدول الإفريقية( كرابطة العالم الاسلامي، والإتحاد العالمي للعلماء المسلمين، ومنظمة التعاون الاسلامي،..الخ) جميع هؤلاء يرون الأثر التدميري للانقلابات ولا يتجاوز رد فعلهم الرادع خطوات أو إجراءات أكثر من تجميد العضوية، التي في الغالب يصحبها تمجيد وتبجيل الطغاة الجدد.
● ختاما:
• على الرغم من عدم وجود سبب واحد دقيق يمكن أن يفسر حدوث الانقلابات في إفريقيا، إلا أن هذه العوامل المذكورة عاليه، تسهم جميعها في زيادة احتمالية حدوث الانقلابات، وفي نفس الوقت لا يمكن بها تبرير حدوث الانقلاب بحجة تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والتنمية المستدامة.
• إذ أن أفريقيا بطولها وعرضها لم تحقق دكتاتورية واحدة أو انقلاب نموا وازدهارا لشعبها ما عدا دكتاتورية بول كيغامي التي مارست الشفافية الاقتصادية وحارب الفساد إلا انها أهدرت الحريات.
• ومن التحديات الرئيسية التي ينبغي التركيز عليها للحد من حدوث الانقلابات في المستقبل وتعزيز الديمقراطية في إفريقيا حث الشعوب التي تريد شراكات عادلة مع إفريقيا كالصين وروسيا والهند وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها، بأن تطلب ذلك بالتي هي أحسن وليس التي هي أخشن، لأن ذلك من شأنه إثارة شعوب المنطقة ولو بعد حين، حتى وإن حافظت تلك الدول على بقاء دكتاتورية لنصف قرن ستذهب أدراج الرياح.
• وليس أمام الديمقراطيات الأفريقية على قلتها لتحصين نفسها من تأثير الدومينو الانقلابي الذي يجتاح إفريقيا سوى تأسيس مؤسسات حكم رشيدة تلتزم بالحوكمة النزيهة والديمقراطية وتفعل آليات القانون الرادعة لمحاربة الفساد والاستبداد وتؤسس لسلام مستدام يحفظه نظام ديمقراطي يسهل تغييره ومساءلته بالوسائل السلمية والدبمقراطية، وإلا فنحن سنرى انهيار الدول الإفريقية كالدومينو، فإنهيار الغابون يعني تداعي كل من كوديفوار والسنغال، وبنين وسراليون وإفريقيا الوسطى، وتداعي السوداني سيحدث هزة في كل من مصر وتشاد وجنوب السودان وارتريا واثيوبيا.
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig @ fb, X, thr, Skype,
الجمعة: ١٥. صفر ١٤٤٥ه.
الموافق: ٣١. أغسطس ٢٠٢٣م.