● مقدمة: ستنتهي الحرب في السودان طال الزمن أم قصر، وسينجلي دخانها لتنصع الحقائق، ويتبين للجميع أن خسائرها أكبر من الذي أصدرته التقارير والدوريات، وأن بشاعتها وانتهاكاتها أنكى مما صورته كاميرات المتقاتلين، وأن أضرارها ستظل عبئا إنسانيا وأخلاقيا ودينيا وسياسيا واقتصاديا يثقل كواهل السودانيات والسودانيين، وستتحمل بلادنا وزر ذلك الجرم الشنيع كما تم تحميل ألمانيا تركة النظام النازي وإرغامها على دفع التعويضات إلى ضحاياه والمُتَضَرِّرين، في أوروبا الشرقية وشعوب المنطقة، ورغم إنهاك الإجراء التعويضي للاقتصاد الألماني في ظل ضعف الفرنك إلا أن ذلك الإجراء ظل مطلبا رئيسا وقتئذ في كل خطوات تعاطي الدول المعنية مع ألمانيا، وقد بينت تلك التجربة أن جبر الضرر وتعويض الضحايا في النزاعات والصراعات المسلحة موضوع مهم وفي نفس الوقت غاية في التعقيد، ويتطلب تعاونا بين الجهات المحلية والإقليمية والدولية، واحتراما لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ومطالب الضحايا والمُتَضَرِّرين في الانصاف، ولا يوجد نموذج واحد أو موحد لجبر الضرر وتعويض الضحايا حتى إذا أخذنا النموذج الألماني لا يمكن نمذجته على الحالة السودانية، لأن ذلك يختلف باختلاف طبيعة ومدى وآثار النزاع أو الصراع.
● ومع ذلك أمضي بتواضع شديد لوضع بعض ملامح مشروع جبر الضرر السوداني لتلافي آثار الحرب التدميرية وتعويض ضحاياها وتحقيق العدالة والإنصاف المرجو للمُتَضَرِّرين تمهيدا لمشوع المصالحة الشاملة، وذلك بتحديد بعض الوسائل والآليات الشائعة والمجربة التي استخدمت في هذا الصدد، مثل:
● أولا: الهياكل والتصورات التي من شأنها وضع نموذج سوداني للانصاف والعدالة وجبر الضرر، تشكل جوانب مؤسسية وتشريعية وبرامجية وفنية، كالآتي:
1- إنشاء هيئات مؤسسات مفوضيات للحقيقة والمصالحة والإنصاف، تهدف إلى كشف الحقائق وتوثيق الانتهاكات وتسهيل عملية الإنصاف وجبر الضرر ثم المصالحة بين الأطراف المتنازعة.
2- إنشاء برامج تعويضات وتخطيط نماذج لجبر ضرر الأفراد والمجتمعات والمؤسسات، تهدف إلى تقديم مبالغ مالية أو مزايا تعويضية أخرى للضحايا أو ذويهم، اعترافا بالضرر الذي لحق بهم وبمجتمعاتهم ومؤسساتهم.
3- إنشاء صناديق محلية وإقليمية ودولية تضامنية أو تبرعات دولية، تضم أطراف فاعلة ومؤثرة من أصدقاء السودان، تهدف تلك الصناديق إلى دعم المجتمعات المتضررة من الحرب وانتهاكاتها، وتمكينها من إعادة بناء بنيتها التحتية وخدماتها الأساسية.
4- إجراء إصلاحات قانونية أو دستورية أو تشريعية تهدف إلى منع تكرار الانتهاكات وضمان احترام سيادة القانون والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، وتؤسس لنموذج حقوقي للعدالة والانصاف من حيث التشريع.
5- إصلاح أجهزة إنفاذ القانون لإجراء مسائلة جنائية أو مدنية تهدف إلى محاسبة المسؤولين عن ارتكاب الانتهاكات، وإنزال عقوبات مناسبة عليهم، وإلزامهم قاتونا بجبر الضرر للضحايا، تشمل تلك الإصلاحات الشرطة والتحقيقات والقضاء والنيابة العامة، وتأسيس أجهزة خاصة من تلك المؤسسات ومحاكم خاصة لتنفيذ المشروع.
6- تأهيل وإعادة بناء مؤسسات التعافي الاجتماعي والنفسي والصحي والأكاديمي، لتضطلع بإجراء مبادرات نفسية أو اجتماعية أو صحية، تهدف إلى تقديم المساعدة والدعم للضحايا، وتخفيف آثار الصدمة والإصابة على صحتهم وعافيتهم، وخاصة تلك المختصة بالأمومة والطفولة وقضايا النساء والشباب والطلاب.
7- تفعيل وتكوين هياكل ومؤسسات منصوص عليها في مواثيق ومعاهدات واتفاقات سابقة، لجبر الضرر الجماعي للمجتمعات واستعادة أراضيهم، و(حواكيرهم)، و(مراحيلهم)، و(مساراتهم)،و(دُمُرهم) ورفع التعديات التي وقعت عليهم في وقت الحرب.
● ثانيا: الأنشطة والمشاريع والبرامج، بالإضافة إلى الوسائل المذكوره عاليه، يمكن استخدام طرق أخرى مبتكرة أو خلاقة لجبر الضرر وتعويض الضحايا تم استخدامها في نموذج المغرب، وجنوب إفريقيا ورواندا وكولمبيا، مثل:
1- إقامة الفعاليات والأنشطة والبرامج والطقوس أو الاحتفالات الرمزية التي تهدف إلى تكريم وتخليد ذكرى الضحايا أو التأبين للمفقودين ومواساة المتأثرين، أو التعبير عن التضامن مع المجتمعات المتضررة.
2- إقامة مشاريع تربوية وفنية وثقافية تهدف إلى رصد التاريخ ونشر الشهادات ورفع الوعي وترويج السلام وبث صيغ التسامح والتعايش ونبذ خطابات العنصرية والتمييز، وتنشئة أجيال معافاة من آثار التفرقة والعنصرية.
3- إقامة مؤتمرات وحوارات أو ندوات أو ورش عمل تهدف إلى تعزيز التفاهم المتبادل وحل النزاعات وبناء الثقة بين الأطراف المتنازعة والتدريب على اللاعنف والحقوق المدنية وبناء السلام.
4- في نموذج جنوب أفريقيا الذي شهد إنشاء هيئة الحقيقة والمصالحة بعد نهاية نظام الفصل العنصري، والتي قامت بالتحقيق في الانتهاكات التي ارتكبت بين عامي 1960م و1994م، والاستماع إلى شهادات الضحايا والجناة، وإصدار توصيات بشأن تقديم التعويضات والإصلاحات، نجح ذلك الأمر في إبراء الجراح سريعا في فترة لم تتجاوز العقد من الزمان.
5- نموذج رواندا الذي شهد إنشاء محاكم (جاما) أو المحاكم التقليدية بعد إبادة عام 1994م، والتي قامت بمحاسبة المشاركين في الإبادة على مستوى المجتمعات المحلية، وإلزامهم بأداء خدمات مجتمعية أو دفع تعويضات للضحايا، قاد ذلك لما نراه من استقرار في رواندا ونهوض تنموي.
6- نموذج كولومبيا الذي شهد بعد إبرام اتفاق سلام تكوين لجان نشطة ودينامية للتعويض والإنصاف، وقد وجد استحسانا من الكولمبيين ومن أسر الضحايا، وقاد إلى تخفيف حدة الاحتقان الذي بلغ ذروته وقاد لحرب ضروس.
● ثالثا: الآليات التي يجب أن يتم بها تقدير وحساب الأصول المنقولة وغير المنقولة التي تضررت بسبب الحرب بطرق موضوعية وعادلة، ووسائل تحقيق التعويض وجبر الضرر واستعادة حياة المؤسسات التي قتلتها الحرب، والدور الاقليمي والدولي، كالآتي:
1- يمكن الاستعانة ببيوت الخبرة الفنية والخبراء والمحترفين في هذا المجال لتقدير قيمة هذه الأصول الثابتة والمتحركة، التي تعرضت للنهب أو التلف أو السلب، وتسهيل عملية التعويض وجبر الضرر للضحايا والإسهام في إعادة تشغيل وتفعيل مرافقهم ومؤسساتهم المعطلة واستعادة مدخراتهم، لأن حساب الأصول المنهوبة والمتنقلة والثابتة المتضررة من الحرب يتطلب تقنيات وآليات مثل التحقيقات الجنائية والتقارير المالية والتقديرات الحكومية، ويجب أن تكون هذه العمليات شفافة ومستندة إلى وقائع وأدلة قوية وأنظمة حوكمة رشيدة لضمان الحصول على تعويضات عادلة وملائمة للضحايا المتأثرين بالحرب..
2- من بين الوسائل المستخدمة لتحقيق التعويضات والتعويضات الفعالة هي آليات إعادة البناء والتنمية المستدامة، والتعويض المالي والعدالة الجنائية الدولية، والتعاون المشترك بين الدول المتضررة من الحروب والصراعات والدول الداعمة، وبرامج إعادة تأهيل الضحايا وتوفير الخدمات الأساسية لهم.
3- من الممكن أن تساهم العديد من الأطراف في هذه المسألة، بما في ذلك الحكومات الإقليمية والدولية، والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات المالية الدولية والمجتمع الدولي بشكل عام، على أن يعمل جميع هؤلاء الأطراف معًا لتوفير الدعم والموارد اللازمة لتنفيذ التعويضات وجبر بشكل صحيح وعادل، ويتخذوا اجراءات من شأنها تسهيل حياة المواطنين وتسريع التعافي الوطني إنسانيا وتنمويا واقتصاديا.
4- عن طريق هيئات استرداد الأصول المنهوبة والأموال المهربة، وتوجد نماذج إقليمية ودولية يمكن أن تكون قدوة في هذا الصدد، على سبيل المثال الاستفادة من نموذج الاسترداد والتعويض في إفريقيا الذي تم تطبيقه في العديد من النزاعات المسلحة في القارة، وكذلك من النماذج الدولية مثل اللجنة الدولية للتعويضات والنموذج اللاتيني الذي تم تبنيه في بعض الدول اللاتينية، بالإضافة لنموذج لجنة استرداد الأصول في الولايات المتحدة الأمريكية.
5- من بين الآليات الإقليمية والدولية المعروفة لتنفيذ التعويضات وجبر الضرر يمكن ذكر نموذج اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبروتوكول جنيف الثاني عندما يكون هناك نزاع مسلح، وفي النموذج اللاتيني، يمكن الإشارة إلى نموذج كولومبيا حيث توجد العديد من الجهود لتعويض ضحايا النزاعات المسلحة.
6- تفعيل كافة بروتوكولات التعاون الأمني مع الدول الجارة والصديقة والشقيقة والانتربول لملاحقة الأصول المتحركة والأرصدة والثروات والمقدرات والآثار والموارد الاي تم تهريبها إلى خارج البلاد، وتشجيع ثقافة الإبلاغ عبر منصات دولية عن تلك المنهوبات.
● الخلاصة: باختصار عندما يحدث نزاع أو صراع أو نزاع مسلح أو حتى حرب شاملة، يتعرض الكثيرون للأذى والخسائر، سواءً كانوا مدنيين أو جنودًا، ولذلك يُعتبر تقديم التعويضات وجبر الضرر للضحايا أمرًا مهمًا لتعويض خسائرهم وتخفيف معاناتهم ومواساتهم المادية والمعنوية، وكفالة أسر المفقودين من ضحايا الحرب.
• ويجب أن يكون هناك اهتمام وتعاون دولي قوي لتنفيذ مشروع التعويضات وجبر الضرر، وبرامج المصالحة بشكل صحيح وعادل، وحصر وحساب الأصول المنهوبة والتالفة المتنقلة والثابتة المتضررة من الحرب بطرق شفافة وموثوقة، فهذا يساهم في إعادة بناء المجتمعات المتضررة ويخلق نوع من الثقة التي تقود إلى استدامة السلام وتحقيق العدالة في مجتمعات المُتَضَرِّرين.
• فورية الإجراء بأن يتم تنفيذ عملية التعويض وجبر الضرر والانصاف، ويتم تقديم تعويضات مالية للجميع مبدئيا بصورة مباشرة للضحايا لتغطية تكاليف العلاج الطبي وإعادة بناء الممتلكات المتضررة وتعويض عن الخسائر المالية الأخرى بعد الحصر، بما في ذلك توفير الدعم القانوني للضحايا لضمان الحصول على حقوقهم وإجراءات قانونية عادلة وأن يضطلع بذلك المحامي العام والنائب العام والهيئات الحقوقية وتحالفات المحامين.
● ختاما: لا يمكن استكمال مشروع تعويض الضحايا والانصاف وجبر الضرر دون أن تتعاون العديد من الأطراف والفاعلين والمُتَضَرِّرين في هذا الشأن، من أفراد وحكومات إقليمية ودولية، ومنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والإدارات الأهلية واللجان المحلية والتنسيقيات الشعبية للمُتَضَرِّرين، وأن يلعب المجتمع الدولي دورًا هامًا في توفير التمويل والموارد اللازمة لتنفيذ عمليات التعويض وجبر الضرر وإعمال آليات ملاحقة الجناة.
• تعد أعداد المفقودين والقتلى والمصابين والمُتَضَرِّرين وكميات أصول الضحايا المنهوبة الثابتة والمتحركة والأرصدة تحديًا في عملية الحصر والتقييم، لذلك ينبغي توفير آليات فعالة وسريعة لتحديد وتقييم هذه الأصول وتعويض الضحايا عن خسائرهم المادية والمعنوية، واستخدام أحدث التكنولوجيا وأكفأ الخبرات القانونية والمالية لتسهيل هذه العملية وضمان عدالة التعويض.
• تمثل الشفافية والعادلة أهم أركان عملية جبر الضرر وبهما يمكن تلبية احتياجات الضحايا، والتي ينبغي أن تركز هذه العمليات على تحقيق العدالة والإعادة التأهيل للضحايا وتعزيز السلام والاستقرار في المناطق المتضررة والمُتَضَرِّرين.
• والواجب أن تشرع القوى الرافضة للحرب والمُتَضَرِّرين فورا في وضع تصوراتهم الشاملة لنموذج المحاكم والمنظمات القانونية، والصناديق والبرامج التعويضية، وصباغة مشروع المصالحة والعدالة الترميمية.
• تشترك في ذلك الحكومات والمنظمات غير الحكومية والتحالفات الحقوقية والمطلبية والنسوية والشبابيك ولجان المقامة وتنسيقياتها، والمجتمع الدولي، والمنظمات الدولية والإقليمية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وأصدقاء السودان.
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig - fb, X, thr, Skype,
٢٧. محرم. ١٤٤٥ه
١٤. أغسطس. ٢٠٢٣م