● "أثر" و"تأثر" السودان في الصراع الدائر في إفريقيا وقرنها، و"أثار" بعضه في جوارها الإقليمي، ومثلت عقود الصراع في السودان أسوأ سنوات المنطقة التي شهدت التردي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني والتنموي، وتعتبر علاقات السودان مع دول الجوار أحد المحاور الرئيسية في حل هذه النزاعات، وفي هذا السياق تميل "قيادة الجيش السوداني" للإشارة لتلك الدول، فعندما تحدث (البرهان) في مدينة كسلا الحدودية تعرض إلى الإشادة بالعلاقات مع إريتريا وإثيوبيا، حيث أمرت (القيادة) بفتح الحدود، وأكد قائلا: "نقاتل كقوات مسلحة وشرطة ومخابرات صفًا واحدًا، يعتقد (البرهان) أن النصر سوف يكون حليفًا للجيش السوداني، وأضاف: "لا نحتاج أن نتوسل أي دولة لمساعدتنا في أداء واجبنا تجاه السودان" وفي رأيي أن فتح الحدود هو تقديم (حسنة) السبت لنيل (إحسان) الأحد، خصوصا أن الدولتين تعملان ضمن وساطات تبحث إنهاء الصراع في السودان، فالرئيس أبي أحمد داعم وعامل ضمن مبادرة "الايقاد" و"الاتحاد الأفريقي"، والرئيس أسياس أفورقي داعم بشدة لجهود و"مبادرة دول جوار السودان".
❞مع الاعتراف بأن (البرهان) يبرز الأهمية الكبيرة للعلاقات مع الجيران في حل النزاعات، ينبغي أن يتذكر الجميع أن للرجل قفزات على الحديث وأن واقع الحرب المعقد لا يتطلب ذلك وإنما يتوجب عليه الحديث عن التحاور والتفاوض، ويمكن أن يكون تحقيق السلام في السودان وتوحيد البلاد أمرًا صعبًا أو مستحيلا في ظل تعذر الوصول إلى حل سلمي متفاوض عليه، وهو أمر بيد البرهان أن ينهيه اليوم قبل الغد، ولكن يبدو أن الجيش السوداني مصمم على استخدام القوة المطلقة في الحرب ضد "التمرد" ومواصلة القتال حتى آخر جندي وهي مقولة سمعناها من سلفه في كل حروب السودان، ثم جلسوا راغمين أو راغبين في طاولات التفاوض. ❝
● لذلك، ينبغي للمجتمع الدولي استشعار خطورة ما يتجه السودان نحوه من تدحرح إنساني وامني، وكذلك الوعي بضرورة قبول واقع الأوضاع في السودان بصورتها المجردة، والبحث الجاد عن حلول سلمية والضغط نحوها بأعجل ما تيسر سواء كان ذلك بالترغيب أو الترهيب، ويجب الاعتراف بأن "التمرد" القائم أو القادم هو نتيجة لعدة عوامل ظلت تتمظهر في الأيدولوجيات الواهمة في الهيمنة على السلطة، والدكتاتوريات المستبدة، والحروب الأهلية المتولدة عن تلك الأنظمة، والسياسات الخاطئة التي قادت لنشوء وتطور "التمرد"، بما في ذلك التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي لبعض المجتمعات السودانية، لذلك يتعين على الجيش السوداني وقادة البلاد والفاعليو الاقليميين والدوليين التركيز على حل هذه المسائل الجذرية لا الاستجابة لنزواتهم الشخصية وأحلامهم الآنية والالتفات لتطلعات المظلومين وتلبية احتياجات الشعب بأكمله.
● كما ينبغي أن يتم التأكيد على أن "التمرد" ليس عادةً سودانية، بل هو نتيجة لتوترات وصراعات تاريخية في القارة الأفريقية، التي تهتز هذه الأيام بفعل تأثير الدومينو الانقلابي، بالتالي يجب أن تعتبر البلدان المجاورة للسودان شركاء في إيجاد حلول سلمية ومساعدة السودان في إحلال الاستقرار والسلام المستدام لتحصين نفسها من ظهور تحركات مماثلة، خصوصا أن دولة كأرتريا بها جماعات متطرفة تعمل في شراكة خفية مع عناصر التمظيم المباد في تجييش وتحشيد متطرفين ومنحرفين سياسيين للعمل في السودان.
● في النهاية لن ألتقط من حديث البرهان في كسلا أقاويله الانفعالية وغير المدروسة، وإنما سأركز على النقاط التي يمكن أن تؤسس لحل تفاوضي ينهي الحرب، وتلك الخطوات الإيجابية نحو دول الجوار السوداني الداعمة للحلول السلمية والدبلوماسية التفاوضية، وينبغي للسودان والمجتمع الدولي أن يتذكروا أن الحرب لن تنته بمحو وجود "التمرد" وحسب، وإنما يتعين عليهم العمل على إيجاد حلول شاملة ومستدامة وتعزيز التفاوض والحوار لتحقيق السلام المستدام الذي يطمح إليه الشعب السوداني، وإلا فسيجد جميع هؤلاء أنفسهم أمام بوابة جحيم من الدمار توقد نيرانها عناصر متطرفة تسللت للسودان وتسلحت لمشروعها القائم على غريزة البقاء ولو بإراقة الدماء.
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig @ fb, X, thr, Skype,
السبت: ١٧. صفر. ١٤٤٥ه.
الموافق: ٢. سبتمبر. ٢٠٢٣م.