● في ١٩٨٩م طلبت الولايات المتحدة الأمريكية من حكومة رئيس الوزراء الراحل الإمام الصادق المهدي عليه الرضوان أن تنشيء قاعدة أمريكية في مياه البحر الأحمر ببورتسودان، إلا أنه قابل الأمر وحكومته بالرفض إذ كان الغرض منها وقتذاك الانخراط في أنشطة عسكرية ضد بعض دول الإقليم وخاصة العراق في حربها ضد الكويت ولاحقا وضع موطيء قدم لأكبر ترسانة حربية أمريكية في البحر الأحمر. فشكل ذلك الرفض أهم روافع دعم انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩م الذي أول من دفع ثمنه الأمريكان بقصف المدمرة كول، ومحاولة تفجير السفارتين في كمبالا ودار السلام وتفريخ جماعات شاركت في هجمات ١١ سبتمبر انطلقت من السودان.
- لذلك تعتبر الاتفاقيات الدولية والشراكات العسكرية موضوعًا معقدًا وذو تأثيرات كبيرة على السياسة والاقتصاد والأمن والاجتماع في السودان والمنطقة العربية والأفريقية وعلى مستوى العلاقات الدولية بشكل عام.
- إن ما رشح عن إبرام اتفاق بين السودان وروسيا لمنح روسيا مركز دعم فني ولوجستي وعسكري على البحر الأحمر يمكن أن يثير العديد من القضايا والتساؤلات، ويمكن أن ترتبط هذه الشراكة بأهداف سياسية تتعلق بتوطيد العلاقات بين البلدين أو بأهداف اقتصادية تتعلق بتطوير البنية التحتية وتبادل التكنولوجيا، ومن الممكن أيضًا أن يكون لها تأثير على الأمن في المنطقة، سواء إيجابيا أو سلبيا، حسب الاستخدام الذي سيتم لهذا المركز والتعاون العسكري، ويمكن أن يكون السياق موضوعيا وعاديا لولا ظروف الحرب الحالية.
- من المهم للقائمين على مثل هذه الاتفاقات مراعاة ما يثير قلق القوى الأخرى في الإقليم أو على الساحة الدولية، مما قد يزيد من حدة التنافس بين القوى العظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا وسيرفع من درجة التصعيد الداخلي، لذلك وفي ظل غياب تمثيل نيابي حقيقي للشعب يجب على أهل الحل والعقد والرأي والمختصين دراسة الوضع بعناية لفهم الآثار المحتملة على السودان والمنطقة والبيئة الدولية بشكل عام قبل أن نلج بوابة الاسقطاب الدولي فتفتك بنا رحاها.
- وهذا الاتفاق يأتي أيضا في سياق تحالف دولي جديد منافس للهيمنة الأمريكية، ويمكن القول أن هذا الاتفاق ومدى فعاليته وتاثيره سيعتمد على السياق الكامل للاتفاق والعلاقات السياسية بين الدولتين وعلاقاتهما مع الآخرين، إذ يُعتبر أن وجود تحالفات دولية جديدة يمكن أن يؤثر على التوازنات القائمة ويفتح المجال لنوع جديد من التنافس الدولي.
- ومن المحتملات السياسية لتوطيد العلاقات بين البلدين قد نرى ظاهريا الآتي:
1. توثيق التعاون الدبلوماسي بين السودان وروسيا في المحافل الدولية لدعم المواقف المتبادلة.
2. وتحقيق التبادل الثقافي والتعليمي بين البلدين لتعزيز فهم عميق للثقافة والتقاليد.
3. وتطوير التعاون العسكري لتطوير القدرات الدفاعية وتبادل الخبرات في هذا المجال.
- أما بالنسبة للأهداف الاقتصادية، يمكن أن نشهد حضورا للأجندة التالية التي أورد بعض منها الفريق ياسر العطا:
1. تطوير البنية التحتية في السودان في مجالات مثل النقل والطاقة والاتصالات، مما يعزز التنمية الاقتصادية.
2. تبادل التكنولوجيا في مجالات مثل الطاقة المتجددة أو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتعزيز القدرات التقنية في السودان.
3. الأنشطة التنموية والتخطيط بعيد المدى.
- وهناك سيناريوهات متعددة لتنفيذ هذه الاتفاقيات السودانية الروسية والتي يمكن أن تواجه بعض المحاذير والتحديات التي نكوي على الآتي:
1. احتمالية التصعيد العسكري بين المتقاتلين، فقد تؤدي الاتفاقيات العسكرية إلى تصاعد التوترات العسكرية في البلاد وتدخل غربي (أمريكي) في تضاد التسليح للسودان ومن ثم رفع حدة الصراعات في البلاد والمنطقة، وهذا قد يؤدي إلى تصاعد الصراع الإقليمي والدولي ليصبح حربا شاملة تمتد لتتجاوز الحدود.
2. احتمالية كبيرة أن يتسبب هذا الاتفاق في اضطراب التأثير على التوازن الإقليمي، إذ سيتسبب تواجد روسيا في المنطقة في تغيير التوازنات الإقليمية وزيادة التنافس بين القوى الإقليمية وستجد عدد من الدول إما أنها مضطرة للتعاون الروسي او الاستنجاد بالالة الغربية وبخاصة الأمريكية ويمكن حينئذ نجد أن مياه البحر الأحمر عبارة عن ساحة تسابق للنفوذ الشرقي والغربي (الروسي، الأمريكي).
3. أما دبلوماسيا فسيكون تأثير العلاقات الثنائية على السياسة الداخلية كبيرا لدرجة التشظي والانقسام، وقد تثير الشراكات الدولية الجدل في السياسة الداخلية للسودان وتسبب انقسامات داخلية حتى بين أبناء المعسكر السياسي الواحد كما حدث في قضية التطبيع مع إسرائيل.
- حينئذٍ سنجد أن تأثير هذه الخطوات على الاستقرار في السودان سيعتمد على كيفية تنفيذها وتفاعلها مع الظروف المحلية والإقليمية والانشغالات بالحرب الآنية، وقد تساهم العلاقات القوية مع روسيا إذا استغلت في غير الحرب والتسلح وتسابق الاجندات التمويلية لحرب السودان بالسلاح وحرب روسيا ضد أوكرانيا بالذهب، من المؤكد سنجني الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، من خلال دعم البنية التحتية ورفع القدرات التقنية، ولكن يجب إدارة هذه العلاقات بعناية لضمان عدم تأثيرها سلبًا على الديناميكيات الداخلية في السودان.
● ختاما: علينا التأكيد مرارا وتكرارا ألا سلطة لحكومة بورتسودان ولا شرعية ولا تأهيل وطني أو سياسي أو أخلاقي يمكنها من إبرام صفقات مريبة باسم السودان يضعها في صدارة الصراع الدولي، ولتجاوز من هذه التحديات، ينبغي أن ينتهج القائمين على حكومة الأمر الواقع من عسكريين ومدنيين والسدنة من القوى الأخرى منهجا يحقق:
1. صون وحماية واستقلالية سيادة التراب السوداني ويحافظ على سمائه وأرضه ومياهه، ويكفل للسودانيين والسودانيات الدعوة لسيادتهم على حقوقهم في الحفاظ على تلك المكتسبات التاريخية وعدم التفريط فيها.
2. التكامل والتوازن في العلاقات مع الآخر الاقليمي والدولي ويجب توخي التوازن في العلاقات مع دول أخرى لتجنب تحيز وتصعيد التوترات بما لا يدخل السودان في صراع وتقاطع ويحقق المصالح ويجنب المطامع ويؤمن الجميع من المخاوف.
3. عدم احتكار التعاون الإقليمي والدولي مع جهة واحدة أو معسكر بعينه، ويمكن للسودان تحقيق التعاون مع كافة الدول الإقليمية لضمان الاستقرار والسلام في المنطقة لأن لكل دول المنقة والعالم مصلحة في استقرار السودان وسواحله بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
4. أن ينتهج الجميع في حكومة الأمر الواقع ومعارضيهم منهج الشفافية والمشاركة فيما يلي العلاقات مع الآخر لأن ذلك يزيل كافة مخاوف ومحاذير المواطن السوداني، لذلك ينبغي أن تكون الاتفاقيات شفافة ومبنية على المشاركة المجتمعية لضمان دعم شعبي واسع.
5. ألا يترك الأمر الناتج عن هكذا اتفاقيات بيد العسكريين أو بينهم، ولا بد أن تتدخل كافة الجهات المعنية والمختصة في الحوار الدبلوماسي الرسمي والشعبي الروسي السوداني أو بين السودان وبقية الدول، واعتماد الحوار الدبلوماسي لحل النزاعات وتجنب التصعيد العسكري ومخاطبة كل أهل شأن لقضيتهم مع نظرائهم.
● أخيرا: أمامنا اتفاق سيعقبه آخر يجب أن تكشف تفاصيله للجميع ويرجأ تنفيذه لحين اعتماده من سلطة معترف بها، أو سيكون هذا المنهج أحد عوامل تدمير وفناء السودان وواحد من مفاتيح مغاليق الشرر المستطير للتدخل الدولي في أراضي ومياه وسماء السودان، لأن الاعتداء على (الروسي) لن يكون على بعد مئات الأميال منا في أوكرانيا وإنما سيكون في سواحلنا حال اقحمنا أنفسنا في دوامة الصراع هذه بدون وعي، يقودها فقط نزق العسكريين في السلطة وشبقهم في التسلح.
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔