● يثار حديث تحريضي كثيف هذه الأيام من أبواق الحرب لضرب منطقة الكومة شمالي دارفور، وقد استجاب مغامرو سلطة الأمر الواقع في بورتسودان لإصدار تعليماتها للطيران الحربي لقصف الكومة حجراً وشجرًا ومدرًا وبشرًا، ولم يكن الأمر عرضيا لمرة أو مرتين بل تجاوزه لخمس مرات أصيب على إثرها عدد من المواطنين ومواشيهم ومرافقهم.
- هذا الأمر يفهم عملياتيا إذا كانت الكومة واحدة من معسكرات الدعم السريع أو بها واحدة من مرافقه ومؤسساته، ولكن السلطة التي تحكم المنطقة حتى اليوم سلطة الخرطوم بمعتمد مكلف من حكومة الولاية، وتسير الشرطة أنشطتها وبها محكمة مختصة وتبنت الإدارة الأهلية فيها قرارا برفض الحرب ومنعت نقل أنشطتها وآلياتها للمدينة التي تغص بآلاف النازحين الأبرياء الذين هرعوا إليها من كافة المناطق المحتربة.
- الغريب في الأمر أن سلطة الحرب وعلى رأسها البرهان تعلم يقينا أنها تقصف منطقة يقاتل أحد أبنائها في صفوفه في حامية الفاشر العقيد أركان حرب آدم عمر وهو بن اخت الفريق الركن آدم حامد موسى أحد قادة الجيش الذين خدموا القوات المسلحة وتدرجوا في سلكها العملي والعملياتي إداريين ومقاتلين، واليوم يكافأ أهله على خدمته الطويلة الممتازة بالقصف الجوي.
- وليتكامل الدور العملياتي مع التجفيف والتجريف الإداري أصدر والي ولاية شمال دارفور المكلف الأستاذ. الحافظ بخيت محمد يوم الأحد الموافق الثاني من يونيو الجاري قراراً قضى بموجبه إعفاء كل من المدير التنفيذي لمحلية "الكومة" السيد مبارك محمد آدم صالح والسيد سيدو إسحاق منان عبدالرحمن المدير التنفيذي لمحلية "الواحة"، ومن نافلة القول الإشارة إلى أن المحليتين المستهدفتان متهمتان بينهما حواضر اجتماعية للدعم السريع، في الوقت الذي يؤم الكومة غالبية مدنية مم نازحين أبرياء من مختلف الأعراق والاثنيات.
- إن هذا الهدم المؤسسي والتداعي لظل الدولة الذي بدأ بالخرطوم وانتقل إلى ولايات الجزيرة ودارفور وغرب كردفان يوضح خطورة هدم الأنظمة الدكتاتورية للسلطة الإدارية في الأقاليم النائية، حتى تلك التي لا زالت تسير ضمن دولاب الدولة وأنظتمته الحاكمة وتشريعاته المعتمدة، وما سيسببه هذا الشغور الإداري المتعمد وتأثير هذه القرارات على الأمن والاستقرار في المنطقة.
- الواضح أن حالة العجز التي تملكت البرهان وحاكم إقليم دارفور للسيطرة على مقاليد الحكم وبسط سلطة الدولة أوعزت إليهم هدم سلطتهم ونقض غزلهم بأيديهم، وهذا الأمر من الخطورة بمكان ويمكن أن يكون له تأثير كبير على السلطة الإدارية في الأقاليم النائية، هذا التأثير لن يكون إيجابيًا إطلاقا بل سلبيًا محضا، وهذا الأمر يمهد لإصدار إجراءات آحادية لتنفيذ الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد المتوقع.
- وهناك الآن عدد من التحديات الإدارية بعد الهدم، منها فراغ السلطة وشغور كرسي الحكم السياسي والقضائي والإدارة التنفيذية وسلطة الشرطة، وهو أمر يوجب ملء هذا الفراغ بشكل فعال للحفاظ على استقرار ليس الكومة فحسب بل كل الأقاليم النائية، وهذا سيجعل من المناطق المستقر مجالا خصبا للاحتراب والاستقطاب.
- ما تقوم به سلطة الأمر الواقع يوضح تخبطا تشريعيا قوميا وسيولة وضع مترهل غرقت فيه سلطة مناوي التي لم يشرع لها قانون حكم ولائي أو محلي وظلت تمارس عسفها بمزاجية جنرالات المعركة ولوردات الحرب دون الاكتراث لتغيير القوانين واللوائح والتشريعات الحاكمة فقد كانت هناك حاجة ماسة لتعديل القوانين واللوائح لتناسب النظام الجديد للإقليم قطع الطريق أمامها مناوي بتآمره وتضامنه مع قادة إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، ومن ثم حرب أبريل ٢٠٢٣م، وهذا الأمر يتطلب جهدًا إداريًا كبيرًا ووعيا سياسيا وإرادة صادقة من حكما
- إن مثل هذه الهجمات العسكرية والتجربفات الإدارية ذات تأثير بالغ على الأمن والاستقرار، ليس في الكومة وحدها بل على السودان وإقليم دارفور فالكومة عنق زجاجة دارفور ومربطها مع بقية أقاليم السودان كردفان والشمالية، وأي اضطراب فيها سيقود لتصاعد التوتر الاجتماعي، إذ أن طابع هذه القرارات الولائية أخذت منحا إثنيا في ظرف دقيق يسهل عمليات الاصطفاف الجهوي والقبلي، ويخرج سكان المنطقة إرغاما من دائرة الحياد الإيجابي الداعي للسلم والاستقرار والرافض للحرب.
● ختاما: في ظل غياب أو تغييب سلطة الدولة يجب أن تتخذ السلطات المحلية الإدارية والإدارات الأهلية قرارات شجاعة بعدم إخلاء أي موقع إلا لجهة مسؤولة تستلمه وتساءل عنه وتضطاع بمسرولياته وقد مثلت حكمتهم في الفترة السابقة ترياقا للانزلاق في أتون الحرب الحالية المدمرة، وواجب الادارة الأهلية والكيانات المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني اتخاذ كافة التدابير والإجراءات للحد من هذا التوتر والحفاظ على الأمن والاستقرار الذي لا زالت تنعم به الكومة وعشرات الآلاف من النازحين فيها وتواصل دورها الحميد والمسؤول في تجنيب المنطقة فتن التحريض الاثني التي تقودها أيادي الفتنة التي تنشط من الجهات المتحاربة، لذلك الرشد مطلوب بشدة، خاصة أن أي اضطراب فيها سيشكل عبئا إنسانيا مضاعفا على أهلها وضيوفها وسيتسبب في تبعات اقتصادية بعد الهدم الإداري لن يتضرر منها أهل الكومة فحسب بل كل المحليات المرتبطة بها والولايات التي تتأثر بحركة القوافل عبورا وحتى التجارة القادمة من خارج الحدود، وهو ما يوجب أن تتخذ الإدارات الأهلية والسلطات الإدارية ومنظمات المجتمع المدني إجراءات فعالة ومباشرة وجريئة للحفاظ على ما تبقى من مكاسب الإقليم ككل و الكومة على وجه الخصوص من النواحي الإنسانية والاقتصادية والإسهام في تحسين الظروف المعيشية عبر استدامة الاستقرار ومنع المنطقة من التدمير والانهيار.
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔