𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● ضجت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية بخبر مفاده وصول كتيبتين روسيتين إلى ميناء بورتسودان، قيل أنهما قادمتان للمشاركة في الصراع الدائر في بلادنا، عزز تلك الفرضية وحولها لمعلومة مؤكدة، الحقيقة التي تلوح لنا أنه قد أصبح المشهد الجيوسياسي للبحر الأحمر معقدًا بشكل متزايد، خاصة مع ظهور روسيا كلاعب رئيسي في المنطقة، وبعيدا عن التعقيد الإقليمي أو الحرب الداخلية في السودان فإن ما حدث وببياطة هو ما يعرف بالمرور البريء أو المرور العابر، لقوات روسية كانت في مهمة تدريب الشهر المنصرم، وقد كانت في جدة قبل وصولها لبورتسودان، لذا فإن المرور البحري الأخير لطراد حربي يحمل أسلحة وجنود كانوا قد شاركوا في مناورات بحرية مشتركة في جنوب أفريقيا، وقد تكررت مثل هذه الزيارات زيارات سابقة إلى الموانئ الاستراتيجية مثل جدة وبورتسودان وهو أمر يجسد تنامي هذا الوجود الروسي المتزايد، ويقرأ دائما أي تحرك مماثل في سياق انعكاسات هذا التطور على الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية وتوازن القوى في البحر الأحمر.
- إن الموروث تاريخيًا هو أن البحر الأحمر كان بمثابة طريق بحري حاسم للتجارة العالمية ونقطة استراتيجية للعمليات العسكرية، وتتزايد أهمية المنطقة بسبب قربها من باب المندب وقناة السويس وممرات الشحن الحيوية التي تربط أوروبا وآسيا وأفريقيا، ولسنوات عديدة حافظت القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة والدول الأوروبية، على وجود بحري مهيمن لتأمين هذه الطرق ومواجهة التهديدات المحتملة، وحاولت أمريكا في الثمانينيات بناء قاعدة بحرية في سواحل البحر الأحمر رفضها إنشاءها النظام الديمقراطي بقيادة رئيس الوزراء الإمام الصادق المهدي، الأمر الذي قاد لدعم الانقلاب (الإخواني) على حكومته وتقويضها، واستعيض عن بورتسودان بجيبوتي، ودفعت أمريكا ثمن ذلك استهداف المدمرة كول، وتفجيري سفارتها في دار السلام ونيروبي ولاحقا أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
- وقد شهد العالم في تلك الأيام انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجعاً في النفوذ الروسي في هذه المنطقة حاول الغرب ملء ذلك الشغور، ولكن في السنوات الأخيرة، كانت هناك عودة للمشاركة العسكرية الروسية، وهي استراتيجية تتماشى مع الأهداف الجيوسياسية الأوسع المتمثلة في استعادة مكانتها كقوة عالمية، وتقدمت بتأن واحتلال متقطع لبعض الأراضي كما رأينا في القرم ونحوه.
- لذلك يشير مرور هذا الطراد الروسي عبر البحر الأحمر إلى استراتيجية متعمدة لمحاولة تأكيد العلاقات العسكرية الثنائية وممارسة النفوذ في منطقتنا المضطربة (أننا موجودون)، وتسلط هذه العملية الضوء على انتهاج روسيا إظهار القوة من خلال المناورات البحرية وإقامة تواجد في مناطق الممرات المائية الحيوية، وتظهر التدريبات البحرية المشتركة في جنوب أفريقيا، والتي تليها الأنشطة في البحر الأحمر ربما في بورتسودان أو مصوع، ما يؤكد نية روسية لرفع القدرات العملياتية العسكرية والشراكات مع دول المنطقة، وفي تقديري لن يكون المرور بريئا أو عابرا.
- وذلك لأن زيارة بورتسودان جديرة بالملاحظة بشكل خاص للداخل السوداني والمراقب الخارجي الإقليمي والدولي، وقد أُدرج السودان بشكل رئيسي واستهلاك متزايد لخدمة المصالح والأجندة الروسية خاصة في فترة نشاط مجموعة فاغنر الروسية، مما خلق موطئ قدم مزعج لموسكو في منطقة ضرورية للتجارة والخدمات اللوجستية العسكرية، إن وجود الأصول العسكرية الروسية في بورتسودان غايته تسهيل العمليات البحرية ضد التهديدات المتصورة، بما في ذلك تلك التي تشكلها القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها ووصول قيادات أمريكية رفيعة المستوى إلى المنطقة لدعم دولة الاحتلال خلال اليومين الماضيين.
● هناك جهات تنظر لهذا الأمر بأنه أمر عابر وعادي، وهناك من يرى بضرورة إقحامه ضمن نظرية خاط الأوراق في الصراع الدائر داخليا وإقليميا، والحقيقية التي علينا التعاطي معها أن للأنشطة البحرية الروسية في البحر الأحمر آثار عديدة على الأمن الإقليمي والدولي وليس على السودان فحسب، وهي:
١. رفع مستوى التوترات بين القوى الإقليمية، فمع تمتين روسيا ومجموعة (BRICS) لعلاقاتها مع دول القرن الأفريقي، ودول مهمة مثل السودان ومصر، سيؤدي ذلك إلى زيادة التوترات مع الدول المتحالفة مع الغرب، مما يؤدي إلى سباق تسلح محتمل أو تصعيد عسكري في المنطقة.
٢. زيادة التحديات التي تواجه الأمن البحري فالبحر الأحمر ممر حيوي لعبور النفط والسلع الأخرى، ووجود القوات العسكرية الروسية في هذا الوقت الذي تصطرع فيه طهران وأمريكا في البحر الأحمر، سيهدد ذلك التواجد بروتوكولات الأمن البحري المعمول بها، وستزداد من مخاطر القرصنة أو الصراع في البحر، لا سيما في ظل المنافسات الإقليمية القائمة.
٣. الصراعات بالوكالة ستكون حاضرة بدعم روسيا لمختلف الأنظمة في المنطقة والجهات الفاعلة الحكومية، وغير الحكومية (كتائب، مليشيات، جماعات) داخل المنطقة إلى تمكينها في الصراعات المستمرة (مثل اليمن وليبيا)، وهو ما يعني زعزعة أو توطيد استقرار الحكومات الحالية وتغيير ديناميكيات السلطة لصالح موسكو.
● في ظل احتدام هذه التنافسات وتنامي التطورات، سيعكف المجتمع الدولي، وخاصة حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة، إلى إعادة تقييم موقفهم الاستراتيجي في البحر الأحمر، وقد يشمل ذلك زيادة الدوريات البحرية والرصد بالأقمار الصماعية، وتقوية وتوسيع التحالفات مع دول المنطقة، وزيادة الجهود الدبلوماسية لمواجهة النفوذ الروسي، لذلك نجد أن الولايات المتحدة تعمل على زيادة شراكاتها مع دول الخليج وتجسير الدعم لحلفائها في أفريقيا الذين يشعرون بالتهديد من التوغلات الروسية.
● في هذه الأثناء يغامر نائب قائد الجيش السوداني الفريق ياسر العطا بالتصريح علنا أنه انخرط في تحالف دولي جديد ملمحا، يقرأ هذا التصريح ما آخر سبقه بأنه لا يمانع بمنح روسيا امتيازا مائيا في "قاعدة فلامنجو" على البحر الأحمر، وأخيرا تصريحه بوصول أسلحة روسية متقدمة للسودان، كل هذا يجعل من السودان حاضر في أجندة التجاذب الدولي، وهذا الأمر له انعكاسه السلبي على إطالة أمد الصراع في السودان وإجهاض كافة الآمال في استعادة السلطة المدنية والاستقرار.
● ختاما: يمثل الوجود المتزايد لروسيا في البحر الأحمر تحولا كبيرا في ميزان القوى الاستراتيجي في هذه المنطقة البحرية الحيوية، فبينما تسعى روسيا إلى توسيع نفوذها، فإن رد القوى الغربية والحلفاء الإقليميين سيكون حاسما في تحديد البيئة الأمنية المستقبلية، ويستدعي الوضع مراقبة وثيقة، وأتوقع أن يتردد صدى هذه التداعيات على مستوى العالم، الأمر الذي سيؤثر على طرق التجارة والاستقرار الجيوسياسي عبر عدة قارات، وسيظل البحر الأحمر نقطة محورية للعمليات البحرية والمناورات الجيوسياسية في السنوات القادمة خصوصا في ظل النظرة الأمريكية القاصرة التي ترى المنطقة كتهديد أمني، فيما ترى روسيا الأمر أنه مكاسب اقتصادية وتشاطرها في ذلك الصين لما يروه من موارد في القارة الأفريقية، لذلك على سلطة الأمر الواقع والجنرالات وضع مصالح الشعب السوداني فوق أجندة كل تلك الدول، وعدم خدمة المطامع الروسية أو الغربية على حساب المواطن السوداني، وبالضرورة تأمين كافة المخاوف الداخلية وتلك الخارجية التي ترى دول خارجية أنها تمثل تهديدا لها.
╭┈ *𝙊𝙧𝙬𝙖 𝘼𝙡.𝙎𝙖𝙙𝙞𝙜* ─ ೄྀ࿐ ˊˎ-
╰┈➤ ❝[ *𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔*] ❞