الأحد، 24 نوفمبر 2024

أم دبيكرات .. حينما تحدى الإيمان المدفع

`أم دبيكرات.. حينما تحدى الإيمان المدفع`

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● مهدّت أحداث مهمة وكبيرة الطريق أمام الثورة المهدية في عام 1881م، وقادت أحداث أيضا إلى زوال الدولة وبناء الدعوة باستشهاد سيدي الخليفة عبد الله بن السيد محمد خليفة المهدي عليهما السلام، والذي لم يكتف قاتلوه بتصفيته الجسدية بالسلاح الفتاك، وإنما لجأوا لاغتياله معنةيا عبر أقلام المخابرات الحربية الاستعمارية، إلى جانب توفير رودلف سلاطين المعلومات الاستخباراتية الحيوية حول دولاب الدةلة المهدية، إلا أن هناك من الرجال من كتبوا روايات مفصلة ومنصفة عن شهاداتهم في السودان تفصيلا.

● من أعماق التاريخ السوداني تتألق معركة أم دبيكرات كنجمة ساطعة تشع نور البطولة والتضحية والفداء لتلتقي مع واقع مر ومريع معطون في الدم والدمع، وتبزغ بسالة الشجعان وقتذاك، واتحد أبناء السودان، وتحدوا آلة البطش، واستقبل القائد العام للجيش وأركان حربه مصيرهم المحتوم مقبلين غير مدبرين طالبين لقاء الله العلي الأعلى.

● هذه المعركة الخالدة التي وقعت في 24 نوفمبر 1899م، ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي ملحمة كبرى تجسدت فيها أسمى معاني الصمود والمقاومة في وجه الغزو الاستعماري، وخلدت انطباعا رهيبا تهابه جحافل الغزاة بأن السودان أرض الرجال الذين لا يقهرون، ووضعتنا في صدارة أعظم الذابين عن حياض وطنهم حتى كان في (الفروة) مسك الختام.

● لم تكن معركة أم دبيكرات مجرد مواجهة عسكرية عادية، بل كانت تعبيرًا عن إيمان راسخ بقضية عادلة، وعن إصرار على الحفاظ على الدين والهوية والكرامة، فبعد هزيمة كرري، لم يستسلم الخليفة وصحبه الميامين ، بل قرر ترتيب صفوفه والعودة إلى أم درمان لمواجهة الغزاة، هذا القرار الجريء، الذي أثار دهشة القائد الغازي كتشنر، وأيقن أيما إيقان أن إرادة هذا الشعب فوق تصوره فهو يتحلى برباطة جأش صلبة وعزيمة لا تلين.

● لقد كانت معركة أم دبيكرات معركة أشبه بالأسطورة، حيث تصدى فيها حماة الدين والوطن من جميع كيانات السودانيون بسلاح الإيمان والعزيمة لجيش مجهز بأحدث الأسلحة في القرن العشرين، ورغم تفوق العدو عدديًا وعسكريًا، إلا أن آباءنل المجاهدين قابلوه ببسالة وشراسة وشموخ دفاعًا عن أرضهم ودينهم.

● نعم! انتهت المعركة بانتصار ساحق لقوات الجيش الغازي، واستشهاد سيدي خليفة المهدي وصحبه الميامين وعدد كبير من الأنصار، ولكن رغم الهزيمة العسكرية، فإن معركة أم دبيكرات حققت انتصارًا معنويًا كبيرًا، حيث أثبتت للعالم أجمع أن الشعب السوداني شعب عظيم، وأن روح المقاومة وجذوتها لا تموت.

● تترك لنا تلك المعركة الخالدة على سهل منطقة أم دبيكرات غربي النيل الأبيض العديد من الدروس والعبر زمانا ومكانا وعرفانا، منها:

* إن الإيمان بالقضية - أي قضية حقيقية- والتصميم على تحقيق الأهداف هما أقوى السلاح في مواجهة أي تحد، وأكبر دليل على ذلك بعد 141 عام هناك من يسير على تلكم الطريق متلمسا الحرية والانعتاق.
* إن التضحية بالنفس من أجل الوطن والدين هي أعلى مراتب الشرف والكرامة، وأن الوطن يستحق كل غالٍ، وأنه أمانة في الأعناق التنازل عنها خيانة للآباء.
* إن الوحدة والتكاتف هما سر القوة والانتصار والاستمرار، فما صنعته الهزيمة في أم دبيكرات من آلام كانت محفزة لترابط الأنصار والتفافهم حول الإمام عبد الرحمن ليحققوا الاستقلال والتحرير الثاني على أيدي المهدوويين.
* إن الخيانة تجري مجرى الدم في عروق أهلها، ومهما تبدل الزمان وتغير المكان، فهناك من يتحسس ويتجسس ويسترخص دماء الآباء ليبيعها بثمن بخس دراهم معدودات، بل منهم من يفتح للمعتدي ليغتصب الكيان والأرض ويسيء للدين.

● ختاما: في ذكرى هذه المعركة الخالدة (أم دبيكرات)، نستذكر آبائنا وأبطالنا الذين ضحوا بأرواحهم من أجل هذا الوطن، وإنهم قدوة لنا جميعًا، وهم مصدر إلهام للأجيال القادمة في البسالة والشجاعة والإقدام والحرص على سيادة ووحدة تراب هذا الوطن، لذلك علينا أن نحافظ على تراثنا العريق، وأن نستلهم من بطولات أجدادنا العزيمة والإصرار لبناء مستقبل مشرق لسوداننا الحبيب.