تحرير الخرطوم 1885م
قراءة في القيادة والسيادة والشرعية التاريخية
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
إن تحرير الخرطوم في السادس والعشرين من يناير 1885م يمثّل لحظة تأسيسية في التاريخ السياسي السوداني، تجاوزت كونها واقعة عسكرية إلى كونها تحولًا بنيويًا في ميزان السلطة والشرعية والسيادة، وهذا الحدث أعاد تشكيل المجال السياسي السوداني، وأسقط نموذج الحكم الأجنبي المفروض، وفتح أفقًا جديدًا لفكرة الدولة الوطنية المنبثقة من الداخل الاجتماعي والثقافي.
القراءة العلمية لهذا الحدث تقتضي الابتعاد عن الانفعال الخطابي، والاقتراب من الوثائق، والسياق، ومنطق القرن التاسع عشر، ومعايير حرب المدن السائدة آنذاك، ضمن هذا الإطار، تتكشف تجربة بوصفها تجربة قيادة مركّبة، جمعت بين التعبئة الشعبية، والتنظيم السياسي، والانضباط العسكري، والإدارة المدنية بعد الحسم.
الخرطوم قبل التحرير كانت مدينة سلطة ومجال صراع، فقبل 1885م كانت مركزًا إداريًا وتجاريًا يخضع لسلطة تركية–مصرية مدعومة بالقوة البريطانية، والمدينة مثّلت عقدة حكم وجباية وتجارة، أكثر من كونها حاضرة وطنية بالمعنى الاجتماعي، والتركيبة السكانية غير المتجانسة، والنفوذ الاقتصادي للأجانب، والتفاوت الحاد في الثروة، كل ذلك خلق فجوة بنيوية بين السلطة وسكان البلاد.
هذا الواقع أنتج مناخًا سياسيًا هشًا، جعل المدينة معزولة اجتماعيًا عن محيطها السوداني الواسع، ومحاطة بحزام شعبي يرى فيها رمز السيطرة الأجنبية، لذلك جاء الحصار بوصفه أداة سياسية قبل كونه أداة عسكرية، استهدف إخضاع مركز الحكم دون تدمير المجتمع.
إن القيادة المهدية إماما وأمراء وقادة ومنطق القرار كانوا نموذجا للاتساق والاتفاق؛ فقرار اقتحام الخرطوم صدر عن قيادة واعية بميزان الزمن الاستراتيجي، مع اقتراب حملة الإنقاذ البريطانية، واستنزاف قوات الحصار، وانهيار الأوضاع داخل المدينة، كلها عناصر فرضت الحسم، هذا القرار جاء عقب مسار طويل من الرسائل والعروض التي هدفت إلى التسليم الآمن وحقن الدماء، وهي موثقة في مراسلات الإمام المهدي مع الجنرال غردون.
هذا المسار يبرهن أن القيادة المهدية تعاملت مع القوة بوصفها خيارًا أخيرًا، مرتبطًا بمسؤولية سياسية وأخلاقية، ضمن معايير عصرها، وهذا الفهم يتعارض جذريًا مع سرديات الفوضى التي صاغتها الدعاية الإمبراطورية لاحقًا.
وفي يوم التحرير كان الحسم والانضباط الذي حاولت أقلام الدعاية الحربية تصويره كاستباحة، وفي فجر السادس والعشرين من يناير شهد انهيار الدفاعات نتيجة الإنهاك الطويل لحوالي 317 يوما، ودخول جحافل الأنصار عبر محاور متعددة، وهذه اللحظة، بطبيعتها، حملت توترًا عاليًا، كما هو شأن اقتحام المدن عبر التاريخ، غير أن الفارق الجوهري يكمن في انتقال القيادة السريع من الحسم إلى الضبط.
فجميع المنشورات الصادرة قبل الدخول وأثناءه وبعده تضمّنت تعليمات صريحة تتعلق بحماية المستسلمين، وصون البيوت المغلقة، وتحريم التعدي على النساء، وتحديد أسماء شخصيات محمية، وهذه النصوص المنشورة تشكّل سياسة عامة مكتوبة، وهي عنصر حاسم في التقييم العلمي لا التضليل المزاجي.
كما أن إدارة ما بعد التحرير تجلت بوضوح أن الدولة في لحظة التكوين؛ لأن ما تلا التحرير يكشف عن وعي مؤسسي مبكر، فقد تم تعيين أمناء لبيت المال، تنظيم الغنائم، رد الممتلكات، إنشاء آليات عقاب للتفلت، وإيواء الضعفاء، كلها إجراءات موثقة في مراسلات رسمية، وهذا السلوك يضع القيادة المهدية ضمن نمط الدول الناشئة التي تدرك خطورة الفوضى على شرعيتها.
ولئلا يفهم حديثنا تبريرا وإنكار حدوث بعض المخالفات، أقول: "أن العنف الذي وقع في الساعات الأولى لفتح الخرطوم جرى التعامل معه بوصفه انحرافًا يستوجب الردع، وليس ممارسة مقبولة، وهذا الفارق يميّز بين التحرير بوصفه فعلًا سياسيًا، والاستباحة بوصفها نمطًا مستدامًا.
إن تفكيك خطاب التشويه الإمبراطوري مهمة كل سوداني يرى في المهدية إرث يخصه؛ لأن تحرير الخرطوم ومصرع غردون شكّلا صدمة داخل بريطانيا، وهذه الصدمة تحوّلت إلى حملة خطابية هدفت إلى إعادة تشكيل الحدث في الوعي العام، تمهيدًا لإعادة الاحتلال لاحقًا، وهو ما تجلى في كتب الدعاية، والصحافة، والنصوص المحررة التي استخدمت لغة إثارية، وعمّمت حوادث محدودة، وأغفلت السياق والزمن بإيعاز من ونجت باشا وأذرع السلطة، ولكن عددا من المؤرخين البريطانيين اللاحقين أشاروا إلى هذا التلوين المتعمد، وأعادوا الاعتبار للوثائق الحقيقية المجردة، وهو ما يؤكد الرواية التحليلية التي ترى في تحرير الخرطوم فعل سيادة، لا انفلاتًا همجيًا.
وبوضه الإمام المهدي عليه السلام وقيادة الدولة وقتئذٍ في ميزان التاريخ، نجد أن الإنصاف التاريخي للإمام المهدي ومن معه يستند إلى أفعالهم، لا إلى الأسطرة، فالرجل قاد حركة امتلكت عمقًا اجتماعيًا واسعًا، وأدار انتقال السلطة، وفرض الانضباط، وسعى إلى تقليص كلفة العنف، وهذه المعايير تضعه ضمن قادة التحرر في القرن التاسع عشر، الذين واجهوا إمبراطوريات بموارد محدودة، واعتمدوا على الشرعية الشعبية والتنظيم، والهجوم عليه يستند غالبًا إلى إسقاطات زمنية، أو إلى مصادر دعائية، أو إلى قراءة مجتزأة للحدث، وغبائن أسرى وضباط مخابرات؛ لذلك التحليل المتكامل يعيد الميزان إلى موضعه الطبيعي.
وأقول: الدرس المستفاد أن تحرير الخرطوم يقدّم عبرًا تتجاوز الماضي:
السيادة تتحقق عبر القرار والتنفيذ والانضباط.
الشرعية الشعبية تمثّل ركيزة ردع داخلية.
العنف السياسي يفقد معناه فور غياب الهدف.
الذاكرة التاريخية غير المنضبطة تتحول إلى أداة صراع داخلي.
هذه الدروس مجتمعة تشكّل قاعدة معرفية لفهم مسار الدولة السودانية، وتمنح الحدث قيمته المستمرة.
ختاما: إن تحرير الخرطوم عام 1885م يقف في سجل التاريخ السوداني بوصفه لحظة سيادة مكتملة العناصر، فالحدث جمع بين القرار السياسي، والحسم العسكري، والإدارة المدنية، والشرعية الاجتماعية، ضمن هذا الميزان، يتأكد أن ما جرى كان تحريرًا مؤسسًا لدولة، وفق شروط عصره ومعاييره.
هذه القراءة لا تدافع، ولا تبرر، ولا تهاجم، إنها تزن الوقائع بميزان العلم، وتضع الرجل والحدث في موضعهما الصحيح داخل التاريخ الإنساني لتجارب التحرر.