تصنيف الجماعة إرهابية - دلالات ومآلات
✍ عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
يحمل تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية في السودان دلالات تمتد إلى عمق البنية السياسية والأمنية والاقتصادية، لأن الحركة الإسلامية السودانية تمكنت من احتلال مركز السلطة منذ انقلاب عام 1989م، وأعادت تشكيل أجهزة الدولة على أساس مشروعها الأيديولوجي التمكيني الامنجي المتخندق الممتد لثلاثة عقود، مما يجعل أي خطوة دولية أو إقليمية في اتجاه تصنيف التنظيم خطوة ذات أثر مباشر على مسار الصراع في السودان، خاصة بعد انخراط كوادره وميليشياته في النزاع المسلح منذ أبريل 2023م، هذا أولا.
● ثانيًا: لو نظرنا التطور التاريخي للتنظيم وبنيته الفكرية والتنظيمية فقد بدأت الحركة كامتداد مباشر لفكر حسن البنا في أربعينيات القرن الماضي داخل الوسط الطلابي، ثم تطورت إلى حركة ذات حضور سياسي منظم عبر أطروحات قادها الدكتور حسن الترابي، واستطاعت بناء منظومة فكرية شكّلت قاعدة للتمكين داخل الدولة، واعتمدت الحركة تكتيكاً يقوم على تغيير الواجهة السياسية كلما تبدل المناخ العام، مع الإبقاء على الجوهر التنظيمي، الأمر الذي أتاح لها قدرة عالية على المناورة ضمن مسارات الحكم، وسمح لها بتوسيع نفوذها داخل المؤسسات الرسمية.
● ثالثًا: إن المراحل المحورية في البناء المؤسسي للإخوان في السودان مُعملة للفكر وتجيب على كل تساؤلات اليوم؛ فقد مرت الحركة بعدة مراحل تنظيمية، حيث بدأت في الفترة الممتدة بين 1944م و1954م تحت مسمى حركة التحرير الإسلامي، وهي مرحلة ارتبطت بالنشاط الطلابي وبالتأثر المباشر بإخوان مصر.
ثم دخلت مرحلة جديدة ما بين 1964م و1969م عبر جبهة الميثاق الإسلامي وقتئذ انخرطت في مقاومة النظام وشاركت في انتفاضة أكتوبر، وهي مرحلة انتقلت فيها نحو العمل السياسي المهيكل مع تبني مشروع دستوري إسلامي، وفي الفترة بين 1977م و1985م، توسع نفوذ الحركة عبر مسمى الجبهة الإسلامية القومية، إذ تمكنت من التغلغل داخل أجهزة الدولة والجيش والقطاع المالي أثناء المصالحة الوطنية.
ثم جاءت مرحلة الإعداد للاستيلاء على السلطة بين 1985م و1989م عبر بناء جهاز سري عسكري يعمل خلف المشهد، وبعد نجاح الانقلاب العسكري عام 1989م، دخل السودان مرحلة حكم الحزب الواحد، حيث أنشأ التنظيم مشروع التمكين، وسيطر على مفاصل الدولة، وأنشأ قوات الدفاع الشعبي وواجهات أمنية مجتمعية أخرى. واستمر الأمر إلى أن أججت الجبهة الإسلامية الحريق في جنوب السودان بمشروعها الجهادوي العنصري حتى قرارات رمضان الشهيرة التي زجت بموجبها الحركة عرابها غياهب السجون والمعتقلات، وفي الفترة الممتدة بين 1999م و2019م، انقسمت الحركة إلى المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي بعد ما عُرف بالمفاصلة، إلا أن هذا الانقسام لم ينهِ نفوذها الفعلي، ثم عادت عبر بوابة العمل العسكري خلال الحرب الأخيرة من خلال كتائب ذات ولاء عقائدي، أبرزها كتيبة البراء بن مالك والقعقاع والبرق الخاطف و البنيان المرصوص ونحوها.
● رابعًا: لسبر أغوار العلاقة مع التنظيم الدولي للإخوان نجد أن الحركة الإسلامية السودانية تعتبر نفسها جزءاً أصيلاً من المنظومة الفكرية العالمية للإخوان، مع التزام بالأصول الفكرية العامة التي أقرها مكتب الإرشاد العالمي، إضافة إلى هامش واسع من الاستقلال البراغماتي في القرار المحلي، وشاركت في مل مؤتمرات التنظيم العالمي وآخرها في لاهور/ باكستان 2025م، والتي اعتمد فيها التنظيم استراتيجيته الجديد للتعامل مع المتغيرات القُطرية والإقليمية والدولية، ومع اتجاه الولايات المتحدة في بداية عام 2026م نحو تصنيف فروع التنظيم في المنطقة ككيانات إرهابية ( الأردن، مصر ، لبنان، المغرب .. للخ)، يجد الفرع السوداني نفسه ضمن شبكة متشابكة تتعرض لموجة ضغط دولي متصاعدة، ما يفرض على كوادره التمهيد للتعامل مع تبعات تصنيف محتمل وهو ما أقرته اجتماعات أمينه العام في مطلع العام 2026م بولاية نهر النيل.
● خامسا: مثلت الواجهات الاقتصادية والإمبراطورية المالية للتنظيم عظم الظهر للتنظيم الدولي والسوداني تحت مسمى "الأرض المباركة" وقد اعتمد مشروع التمكين على بناء شبكة اقتصادية واسعة تدير موارد الدولة عبر واجهات متعددة، بعضها حمل طابعاً خيرياً كمنظمة الدعوة الإسلامية، بينما عملت شركات أخرى في قطاعات استراتيجية، ومن أبرز هذه الواجهات مجموعة دانفوديو التي عملت في المقاولات والهندسة والخدمات البترولية ووفرت للتنظيم نفوذاً واسعاً داخل قطاع البنية التحتية والطاقة وشركات وبنوك وأسماء أعمال أخرى، وأدار رجال أعمال منتمون للحركة شركة عابرة للنقل وشريان الشمال ومجموعة شركات الزوايا التابعة لعبد الباسط حمزة، ومجموعات قابلة أخرى، وهي جهة سيطرت على حركة السلع الاستراتيجية والإمداد الثقيل، مما أتاح للتنظيم قدرة لوجستية مهمة.
وفي قطاع الأدوية، امتلك التنظيم شركة الكنار التي شكلت أداة للتحكم في مورد حيوي يدر أرباحاً كبيرة للتنظيم وجهاز المخابرات العامة فكان مدير جهاز المخابرات العامة حامل الأسهم الأكبر فيها،كما أدارت كوادره شركة جمدا المتخصصة في تجارة السيارات والمعدات، وهي جهة وفرت آليات للجهاز الإداري والعسكري، أما قطاع العقارات، فقد مثّلته أبراج الخير في الخرطوم، وهي أصول ضخمة توفر دخلاً ثابتاً للحركة على شكل عوائد إيجارية، ولم تقف يد التعدي على المال العام حتى عن الأوقاف التي تدر ملايين الدولارات للتنظيم ويستفسر بها قادته.
وفي اعتقادي أن أثر التصنيف الإرهابي على الشبكة المالية سيمتد ليضم جماعات داخل السودان وخارجه؛ لأن إدراج أي فرع من فروع الإخوان ضمن قوائم الإرهاب يؤدي إلى تجميد الأصول داخل النظام المالي الدولي، ويجعل التعامل المصرفي شبه مستحيل، مما ينعكس مباشرة على قدرات التنظيم في السودان ويقلص مصادر تمويله للأنشطة العسكرية والسياسية.
● سادسا: لا ننسى البنية العسكرية الموازية فقد بنى التنظيم جهازاً عسكرياً موازياً منذ بداية حكمه وقضائه على مهنيي القوات المسلحة بالتصفية والاغتيال والاعدامات كالتي شملت ضباط رمضان في 1990م، وبعدها امتد الأمر للتكوينات الموازية حيث تأسست قوات الدفاع الشعبي عام 1989م ككيان يجمع بين الطابع القانوني والولاء الأيديولوجي، ووصل عدد مقاتليها إلى عشرات الآلاف صرح امين حسن عمر بأن العدد حزتلي نصف مليون مقاتل.
وبعد سقوط عمر البشير، انتقلت هذه القوات إلى نسق جديد أكثر سرية تحت مسمى كتائب الظل بوصف الأمين العام للحركة الإسلامية علي عثمان محمد طه، وهي وحدات ذات ولاء شديد للحركة وشيوخها، استخدمت خطاباً يهدد بإسكات الثورة المدنية بقوة السلاح وقاد حملتها مهوسون جهادويين كـ إبراهيم محمود والناجي عبد الله وأنس عمر والحاج آدم وغيرهم، ومع اندلاع الحرب الأخيرة، ظهرت كتيبة البراء بن مالك كقوة عسكرية متقدمة تتبع للحركة وهي تقدمت الواجهة رغم وجود كتائب أخرى يقودها اللواء أنس عمر والفريق عمر نمر وآخرين، حيث ضمت آلاف المقاتلين تحت قيادة المدعو المصباح طلحة الذي برز مؤخرا يعلن التعبئة من داخل العاصمة وتلميحه بالتمرد على قرارات القيادة العسكرية، واعتمدت على أسلحة متطورة، بما في ذلك المسيرات التي لعبت دوراً مؤثراً في معارك مواقع استراتيجية، وأثار هذا الوجود العسكري تساؤلات دولية حول مدى استقلالية قرار القيادة العسكرية في السودان، لأن مشاركة هذه الكتائب تمنح الحركة قدرة على الحفاظ على نفوذها داخل الصراع.
● سابعا: إن التداعيات القانونية والسياسية للتصنيف الأمريكي الذي اتجهت إليه إدارة الرئيس دونالد ترامب في أواخر 2025م وبداية 2026م إلى تصنيف فروع التنظيم في مصر والأردن ولبنان ككيانات إرهابية ستكون كبيرة على التنظيم السوداني، مع الإشارة الرسمية إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن عملية واسعة ستطال فروعاً أخرى وفق تقييمات التهديد، ويُبنى التصنيف في القانون الأمريكي على معايير تشمل تهديد الأمن القومي الأمريكي أو مصالح الحلفاء، وتورط التنظيم في رعاية الإرهاب أو تقويض التحول الديمقراطي، وهي معايير تتوفر بلا أدنى شك في الحالة السودانية عبر استضافة أسامة بن لادن وقيادات القاعدة في التسعينيات، وتنفيذ انقلابين عسكريين، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك على طريقة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك؛ وتفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام وقصف المدمرة الأمريكية "كول" والمشاركة الفاعلة في الحرب الحالية لإجهاض الاتفاق الإطاري.
● ثامنا: موقف السلطة الانتقالية والجيش ظل يشكل غطاء سياسي وأمني للحركة وقياداتها وأمينها العام علي كرتي، وذلك مع سعى البرهان والقيادة العسكرية إلى تقديم رواية تقول إن الجيش يخوض القتال بصفته مؤسسة وطنية، وإن المقاتلين الإسلاميين مجرد مستنفرين، غير أن الظهور العلني للمصباح أبو زيد، وزيارات البرهان لعناصر الكتيبة في المستشفيات، واصطحاب الفريق ياسر العطا لعناصر الكتائب كلها أحداث تُضعف تلك الرواية أمام المجتمع الدولي، وفي المقابل رحّبت غالبية القوى المدنية السودانية بالتحركات الدولية الداعية لتصنيف الجماعة، ودشنت تحالفات تأسيس وصمود حملات لتوثيق انتهاكات الحركة لتقديمها للجهات الدولية بهدف دعم قرار التصنيف.
● تاسعا: تأثير التصنيف على العلاقات الدولية والاقتصاد السوداني سيكون الأكبر حال دخل حيز النفاذ؛ ويرتبط أي تقدم في ملف إعفاء ديون السودان وعودة البلاد إلى مسار التمويل الدولي بمدى قدرة الحكومة على تفكيك نفوذ الإخوان داخل أجهزة الدولة، كما يتأثر مسار انضمام السودان إلى الاتفاقات الإبراهيمية بوزن التيار الإسلامي داخل المشهد، لأن هذه الاتفاقات تعد شرطاً مهماً في نظر واشنطن لاستعادة الدعم الدولي، بينما يعارضها التنظيم بشدة، وعلى مستوى المساعدات، فإن أي نفوذ فعلي للحركة داخل السلطة يؤدي إلى توقف التمويل الدولي، وتعطيل قروض البنك الدولي، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
● عاشرا: بالحديث عن مستقبل التنظيم في السودان، سنجد أن "بروبغندا" الحرب تظهر أن التنظيم المحلول والحركة الإخوانية هما حامي الحما والمدافع عن بيضة الإسلام وحرائر الشعب، والحقيقة هي تراجع شعبية الحركة داخل المجتمع السوداني واضح، مع بقاء قدرتها العسكرية والمالية، مما يجعل مستقبلها مرهوناً بمسار الحرب الحالية ومواقف الفاعلين الدوليين، لذلك نجد كل هذا التعنت والرفض لأي عملية سلام أو مفاوضات.
لذلك كله سيكون أمامنا سيناريو العزلة الشاملة، إذ يتوقع أن يؤدي تصنيف دولي مباشر للحركة إلى انقسام داخلي نتيجة ابتعاد العناصر البراغماتية عن التنظيم خوفاً من الملاحقة، إضافة إلى انتقال الحركة إلى غرف سرية مغلقة يسهل مراقبتها ويضعف قدرتها على العمل السياسي، إلى جانب ضغط دولي قد يدفع الجيش للتخلص من نفوذها ودمج مقاتليها في مؤسسات أخرى بطريقة قسرية أو إنهاء وجودهم المستقل.
● ختاماً: يحمل تصنيف الحركة الإسلامية السودانية ككيان إرهابي آثاراً بنيوية تتصل بإعادة بناء الدولة السودانية، لأن الحركة حرّكت مؤسسات الدولة في اتجاه يتوافق مع مصالح التنظيم الدولي، الأمر الذي يجعل تفكيك شبكاتها المالية والعسكرية ضرورة للحفاظ على وحدة السودان واستقراره، وتحتاج القوى الوطنية والمجتمع الدولي إلى مواصلة التدقيق المالي على واجهات الحركة الاقتصادية، وإلى عزل سياسي واضح لأي كيان تورط في إجهاض التحول المدني، مع متابعة قانونية تضمن عدم إفلات القيادات من المساءلة في ظل الحرب، ويتضح أن الطريق نحو استعادة التوازن السياسي والأمني في السودان يرتبط بإزالة النفوذ الفكري والمالي والعسكري الذي راكمه التنظيم، وهو توجه تدعمه واشنطن وعدة أطراف إقليمية مع بداية عام 2026م.