الأربعاء، 23 أبريل 2025

العدالة للمعاشيين( 2)

`العدالة للمعاشيين (2)`
اقتصاد العظام، وسياسة الطمس البطيء

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

https://x.com/orwaalsadig/status/1914613524975812632?s=19




ما عاد في الأمر سؤال، بل صار يقينًا جافًا كالصحراء، إنهم لا يريدون لهؤلاء أن يعيشوا، لا موتٌ يُنهي آلامهم، ولا حياةٌ تُبرر هذا الذلّ، إنها سياسة الطمس البطيء، حيث لا يُغتال الإنسان برصاصة، بل يُفرّغ من الداخل، قطعة قطعة، حتى يُصبح ظلًا باهتًا لحياة كان يستحقها.

المعاشيون ليسوا قضية مالية، بل قضية إنسان، قضية ذاكرة وطن. اقتصاد العظام هو المصطلح الوحيد القادر على توصيف ما يجري: أن يتحول ما تبقى من كرامة المتقاعدين إلى وسيلة لتدوير العجز، أن تُضرب استثماراتهم باسم المجهود الحربي، أن تُدار صناديقهم كغنائم لعودة الطفيليين من بوابة الحرب، أن يُحرموا من حقهم تحت بند التقشف، بينما تُصرف المليارات لحرب لا تنتهي.

من الذي منح الدولة حق التصرف في أموال المعاشيين دون مساءلة؟ من سمح بتحويل عائدات صناديق التأمين والضمان إلى "رأسمال تعبوي" يُستخدم لتمويل آلة الخراب؟ كيف يُستباح مال خاص، ساهم فيه العامل بإبرة وقلم وجرعة صبر، ويُعاد تدويره في مصانع الفقر القسري؟

الذين خرجوا للمعاش في 2022، و2023، و2024، و2025… لم يتسلموا شيئًا، لا مستحقات، لا فروقات، لا حتى وعود تُقنعهم بالبقاء أحياء. يقال لهم: عليكم الذهاب إلى بورتسودان، كأنهم ينتمون إلى وطن آخر، كأن الخرطوم، والجزيرة، ودارفور، لم تكن يومًا ساحات خدمتهم وتضحياتهم. وكأن التنقل في بلدٍ مقسوم بالحرب أمرٌ يسير، كأن المرض لا ينهش أجسادهم، ولا الفقر يُحاصرهم.

هذه ليست إدارة دولة، هذه هندسة للخراب، وسيناريو مكتمل لإعادة إنتاج الظلم باسم "اللجان" و"التوصيات"، بينما الحقيقة الوحيدة هي أن دولة ما بعد الحرب تحاول أن تبني نفسها على رماد المُستحقين.

في عمق المأساة، لا أحد يتحدث عن جوهر المعاش، عن أنه ليس إحسانًا من الدولة، بل حقٌ مؤجل، وأجرٌ قانوني، واستثمارٌ تعاقدي. تُعامل المعاشات كما تُعامل فائض الطحين، يُوزع أو يُمنع حسب المزاج السياسي، لا وفق التزامات واضحة.

وما يحدث اليوم هو أخطر من ذلك، هناك محاولة إعادة التمكين الناعم عبر الصندوق، وعودة رموز النظام البائد، لا كمستشارين، بل كصنّاع قرار يتحكمون في مصير الملايين، تحت راية الكفاءة الزائفة، وهم ذاتهم من عبثوا بالموارد سابقًا، ومن باعوا أصول الصندوق، ومن جعلوا "العجز" شماعة لسرقة المعاشي باسم القانون.

المنظومة بأكملها تحتاج إلى هدم مفاهيمي قبل إعادة البناء، فالمعاشي لا يجب أن يكون مرهونًا بلجنة أو توقيع وزير، بل يجب أن تكون هناك آلية تلقائية للحقوق، لا تتأثر بالتقلبات السياسية أو الحرب، آلية مستقلة، ذات سلطة، محمية بالدستور، لا تُدار من المالية، ولا من الرعاية، بل من أهل المصلحة أنفسهم، بتمثيل مباشر، وبشفافية تُنشر شهريًا، وبقانون لا يُعدل إلا باستفتاء أصحاب الحق.

يجب أن يُمنع استخدام استثمارات الصندوق في أي تمويل عسكري أو أمني أو سياسي. ويجب أن تُفعل المحاسبة العكسية، أي أن يُحاسب كل مسؤول صرف من أموال المعاشيين دون إذنهم، كما يُحاسب من ينهب من الخزينة العامة.

يجب أن يُسقط الوصي الكاذب، ذلك الذي يتحدث باسم "الحفاظ على الموارد" وهو ذاته من سرقها، يجب أن نعيد تعريف العلاقة بين المواطن ودولته: ليس تابعًا، بل شريكًا، ليس عالة، بل أساس.

في المقال المقبل، سنكتب عن الاستراتيجية البديلة، لا للفراغ، بل لمنظومة معاشات سودانية حديثة، محمية، عادلة، قائمة على العدالة الاجتماعية لا على التسول الإداري، مؤسسة لا تزول بزوال الحكومات.

لأننا نكتب باسم كل من قالوا "قضيتنا لله"، نكتب لنقول: قضيتكم لنا، ولن تضيع.

يتبع…

العدالة للمعاشيين (1)

`العدالة للمعاشيين (1)`
حين يُنتزع العمر، وتُسرق نهاية الطريق

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

https://x.com/orwaalsadig/status/1914283155835494451?t=BGrIpf7sNWm7GQ0SsqwT5g&s=19


لا يُولد الإنسان ليحيا من أجل الصمت، ولا يشتغل في خدمة البلاد لأربعة عقود ليُكافأ بالتجاهل، وليُكفن في وجع الانتظار، هذا الذي يُدعى المعاش، لم يعد معاشًا، بل مقصلةٌ مؤجلة، واليد التي تكدست عليها تراب السنين والكدح والعرق، باتت تُصافح الخواء، وتنتظر بصبر القبور لا باب الرواتب.

نحن هنا لا نكتب كلامًا طيبًا، بل نقرع أجراسًا عاتية، نكتب لأن هناك شريحة بأكملها تموت وهي واقفة، شريحة أحنت ظهورها في خدمة البلاد، ثم سُحبت تحتها الأرض ببطء، من معاشيي 2021 إلى 2025، لا يعرفون حتى الآن ما إذا كانوا أحياءً في دفاتر الدولة أم أمواتًا بلا رقم، بلا استحقاق، بلا صوت، وهم ما عادوا يطرقون أبواب المسؤولين، بل طرقوا أبواب السماء.

الحرب ليست سببًا في كل شيء، الحرب عذرٌ مُعلب، أما الجريمة فهي التواطؤ، التباطؤ، النسيان، التلاعب بحقوق الناس باسم اللجان، باسم القرارات، باسم "جاري التنفيذ"، بينما الجوع لا ينتظر، والدواء لا يُؤجل، والكفاف لا يعرف الوعود.

نحن أمام فصولٍ مؤلمة من عبث الدولة بأكثر الفئات هشاشة، هل تصدق أن معاشيي 2022 و2023 و2024 بل و2025 لم يتسلموا مستحقاتهم بعد؟ هل تعلم أن من نزلوا على المعاش لم تُدفع لهم تعويضاتهم ولا فروقاتهم؟ وهل تعلم أن بعضهم يُطلب منهم أن يسافر إلى بورتسودان لمجرد أن "يقابل إدارة الصندوق"، بينما هو يعيش في حرب، أو في قرية لا تصلها المواصلات، أو يعاني المرض الذي لا يرحم؟

لماذا تُعامل هذه الفئة كأنها خارج الحسابات؟ لماذا تُهمش وكأنها ليست امتدادًا للدولة بل عبئًا عليها؟
أين وزارة المالية؟ أين وزارة الرعاية الاجتماعية؟ أين الصندوق القومي للمعاشات؟ أين الذين يُقسمون ليل نهار أنهم يحكمون باسم الشعب؟

بل أين الشعب؟

ثم تأتي الطامة: يتم استخدام أموال الصندوق التي هي أموالهم –نعم أموالهم– لتمويل أنشطة الحرب، يتم سحب عائدات الاستثمارات لتُدار بها معارك لا شأن لهم بها، بينما المعاشي يُحرم من علاجه، من دوائه، من لقمة عيشه، من كرامته.

يُعاد تشكيل الصندوق القومي ليُعاد تسليمه لمنسوبي النظام البائد، ممن نهبوا هذه الأموال من قبل، يعودون من النوافذ بعد أن طُردوا من الأبواب، ولا يزال المعاشي ينتظر في الطابور، لا ليتسلم معاشه، بل ليموت واقفًا كالشجر الذي لا يعرف الظل.

العدالة للمعاشيين ليست ترفًا، هي مسألة أخلاق، مسألة بقاء دولة، لأن الدولة التي لا تفي بالعقود المؤجلة، لا تستحق الولاء، ولا البقاء، ولا الاحترام، هذه مأساة لا يجب أن تمر بعبارة "نحن نتابع"، أو "تمت التوصية"، أو "جاري الحصر"، بل يجب أن تُواجه بقانون، وأن تُعاد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة: هل هي علاقة نهب أم علاقة نفع متبادل؟

إننا هنا نعلن أن هذه السلسلة لن تصمت، وسنتابع ملف المعاشيين بندًا بندًا، ووثيقةً بوثيقة، وسنكتب من قلب المعاناة، وسنفضح، ونسمي الأسماء، ونكشف الصفقات، ونطالب بالقانون، وسنقترح الحلول، فهذه ليست شريحة عابرة، هؤلاء هم الجيل الذي بُني عليه هذا السودان، وحين يسقط الجيل المؤسس، يسقط معه المعنى.

إلى من ظلموهم، إلى من سرقوا حقوقهم، إلى من يتجاهلون أنات المرضى والأرامل واليتامى، نقول:
العدالة قادمة، والكلمة نار، ولن نصمت بعد الآن.

يتبع…