الأربعاء، 23 أبريل 2025

العدالة للمعاشيين (1)

`العدالة للمعاشيين (1)`
حين يُنتزع العمر، وتُسرق نهاية الطريق

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

https://x.com/orwaalsadig/status/1914283155835494451?t=BGrIpf7sNWm7GQ0SsqwT5g&s=19


لا يُولد الإنسان ليحيا من أجل الصمت، ولا يشتغل في خدمة البلاد لأربعة عقود ليُكافأ بالتجاهل، وليُكفن في وجع الانتظار، هذا الذي يُدعى المعاش، لم يعد معاشًا، بل مقصلةٌ مؤجلة، واليد التي تكدست عليها تراب السنين والكدح والعرق، باتت تُصافح الخواء، وتنتظر بصبر القبور لا باب الرواتب.

نحن هنا لا نكتب كلامًا طيبًا، بل نقرع أجراسًا عاتية، نكتب لأن هناك شريحة بأكملها تموت وهي واقفة، شريحة أحنت ظهورها في خدمة البلاد، ثم سُحبت تحتها الأرض ببطء، من معاشيي 2021 إلى 2025، لا يعرفون حتى الآن ما إذا كانوا أحياءً في دفاتر الدولة أم أمواتًا بلا رقم، بلا استحقاق، بلا صوت، وهم ما عادوا يطرقون أبواب المسؤولين، بل طرقوا أبواب السماء.

الحرب ليست سببًا في كل شيء، الحرب عذرٌ مُعلب، أما الجريمة فهي التواطؤ، التباطؤ، النسيان، التلاعب بحقوق الناس باسم اللجان، باسم القرارات، باسم "جاري التنفيذ"، بينما الجوع لا ينتظر، والدواء لا يُؤجل، والكفاف لا يعرف الوعود.

نحن أمام فصولٍ مؤلمة من عبث الدولة بأكثر الفئات هشاشة، هل تصدق أن معاشيي 2022 و2023 و2024 بل و2025 لم يتسلموا مستحقاتهم بعد؟ هل تعلم أن من نزلوا على المعاش لم تُدفع لهم تعويضاتهم ولا فروقاتهم؟ وهل تعلم أن بعضهم يُطلب منهم أن يسافر إلى بورتسودان لمجرد أن "يقابل إدارة الصندوق"، بينما هو يعيش في حرب، أو في قرية لا تصلها المواصلات، أو يعاني المرض الذي لا يرحم؟

لماذا تُعامل هذه الفئة كأنها خارج الحسابات؟ لماذا تُهمش وكأنها ليست امتدادًا للدولة بل عبئًا عليها؟
أين وزارة المالية؟ أين وزارة الرعاية الاجتماعية؟ أين الصندوق القومي للمعاشات؟ أين الذين يُقسمون ليل نهار أنهم يحكمون باسم الشعب؟

بل أين الشعب؟

ثم تأتي الطامة: يتم استخدام أموال الصندوق التي هي أموالهم –نعم أموالهم– لتمويل أنشطة الحرب، يتم سحب عائدات الاستثمارات لتُدار بها معارك لا شأن لهم بها، بينما المعاشي يُحرم من علاجه، من دوائه، من لقمة عيشه، من كرامته.

يُعاد تشكيل الصندوق القومي ليُعاد تسليمه لمنسوبي النظام البائد، ممن نهبوا هذه الأموال من قبل، يعودون من النوافذ بعد أن طُردوا من الأبواب، ولا يزال المعاشي ينتظر في الطابور، لا ليتسلم معاشه، بل ليموت واقفًا كالشجر الذي لا يعرف الظل.

العدالة للمعاشيين ليست ترفًا، هي مسألة أخلاق، مسألة بقاء دولة، لأن الدولة التي لا تفي بالعقود المؤجلة، لا تستحق الولاء، ولا البقاء، ولا الاحترام، هذه مأساة لا يجب أن تمر بعبارة "نحن نتابع"، أو "تمت التوصية"، أو "جاري الحصر"، بل يجب أن تُواجه بقانون، وأن تُعاد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة: هل هي علاقة نهب أم علاقة نفع متبادل؟

إننا هنا نعلن أن هذه السلسلة لن تصمت، وسنتابع ملف المعاشيين بندًا بندًا، ووثيقةً بوثيقة، وسنكتب من قلب المعاناة، وسنفضح، ونسمي الأسماء، ونكشف الصفقات، ونطالب بالقانون، وسنقترح الحلول، فهذه ليست شريحة عابرة، هؤلاء هم الجيل الذي بُني عليه هذا السودان، وحين يسقط الجيل المؤسس، يسقط معه المعنى.

إلى من ظلموهم، إلى من سرقوا حقوقهم، إلى من يتجاهلون أنات المرضى والأرامل واليتامى، نقول:
العدالة قادمة، والكلمة نار، ولن نصمت بعد الآن.

يتبع…