اقتصاد العظام، وسياسة الطمس البطيء
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
https://x.com/orwaalsadig/status/1914613524975812632?s=19
ما عاد في الأمر سؤال، بل صار يقينًا جافًا كالصحراء، إنهم لا يريدون لهؤلاء أن يعيشوا، لا موتٌ يُنهي آلامهم، ولا حياةٌ تُبرر هذا الذلّ، إنها سياسة الطمس البطيء، حيث لا يُغتال الإنسان برصاصة، بل يُفرّغ من الداخل، قطعة قطعة، حتى يُصبح ظلًا باهتًا لحياة كان يستحقها.
المعاشيون ليسوا قضية مالية، بل قضية إنسان، قضية ذاكرة وطن. اقتصاد العظام هو المصطلح الوحيد القادر على توصيف ما يجري: أن يتحول ما تبقى من كرامة المتقاعدين إلى وسيلة لتدوير العجز، أن تُضرب استثماراتهم باسم المجهود الحربي، أن تُدار صناديقهم كغنائم لعودة الطفيليين من بوابة الحرب، أن يُحرموا من حقهم تحت بند التقشف، بينما تُصرف المليارات لحرب لا تنتهي.
من الذي منح الدولة حق التصرف في أموال المعاشيين دون مساءلة؟ من سمح بتحويل عائدات صناديق التأمين والضمان إلى "رأسمال تعبوي" يُستخدم لتمويل آلة الخراب؟ كيف يُستباح مال خاص، ساهم فيه العامل بإبرة وقلم وجرعة صبر، ويُعاد تدويره في مصانع الفقر القسري؟
الذين خرجوا للمعاش في 2022، و2023، و2024، و2025… لم يتسلموا شيئًا، لا مستحقات، لا فروقات، لا حتى وعود تُقنعهم بالبقاء أحياء. يقال لهم: عليكم الذهاب إلى بورتسودان، كأنهم ينتمون إلى وطن آخر، كأن الخرطوم، والجزيرة، ودارفور، لم تكن يومًا ساحات خدمتهم وتضحياتهم. وكأن التنقل في بلدٍ مقسوم بالحرب أمرٌ يسير، كأن المرض لا ينهش أجسادهم، ولا الفقر يُحاصرهم.
هذه ليست إدارة دولة، هذه هندسة للخراب، وسيناريو مكتمل لإعادة إنتاج الظلم باسم "اللجان" و"التوصيات"، بينما الحقيقة الوحيدة هي أن دولة ما بعد الحرب تحاول أن تبني نفسها على رماد المُستحقين.
في عمق المأساة، لا أحد يتحدث عن جوهر المعاش، عن أنه ليس إحسانًا من الدولة، بل حقٌ مؤجل، وأجرٌ قانوني، واستثمارٌ تعاقدي. تُعامل المعاشات كما تُعامل فائض الطحين، يُوزع أو يُمنع حسب المزاج السياسي، لا وفق التزامات واضحة.
وما يحدث اليوم هو أخطر من ذلك، هناك محاولة إعادة التمكين الناعم عبر الصندوق، وعودة رموز النظام البائد، لا كمستشارين، بل كصنّاع قرار يتحكمون في مصير الملايين، تحت راية الكفاءة الزائفة، وهم ذاتهم من عبثوا بالموارد سابقًا، ومن باعوا أصول الصندوق، ومن جعلوا "العجز" شماعة لسرقة المعاشي باسم القانون.
المنظومة بأكملها تحتاج إلى هدم مفاهيمي قبل إعادة البناء، فالمعاشي لا يجب أن يكون مرهونًا بلجنة أو توقيع وزير، بل يجب أن تكون هناك آلية تلقائية للحقوق، لا تتأثر بالتقلبات السياسية أو الحرب، آلية مستقلة، ذات سلطة، محمية بالدستور، لا تُدار من المالية، ولا من الرعاية، بل من أهل المصلحة أنفسهم، بتمثيل مباشر، وبشفافية تُنشر شهريًا، وبقانون لا يُعدل إلا باستفتاء أصحاب الحق.
يجب أن يُمنع استخدام استثمارات الصندوق في أي تمويل عسكري أو أمني أو سياسي. ويجب أن تُفعل المحاسبة العكسية، أي أن يُحاسب كل مسؤول صرف من أموال المعاشيين دون إذنهم، كما يُحاسب من ينهب من الخزينة العامة.
يجب أن يُسقط الوصي الكاذب، ذلك الذي يتحدث باسم "الحفاظ على الموارد" وهو ذاته من سرقها، يجب أن نعيد تعريف العلاقة بين المواطن ودولته: ليس تابعًا، بل شريكًا، ليس عالة، بل أساس.
في المقال المقبل، سنكتب عن الاستراتيجية البديلة، لا للفراغ، بل لمنظومة معاشات سودانية حديثة، محمية، عادلة، قائمة على العدالة الاجتماعية لا على التسول الإداري، مؤسسة لا تزول بزوال الحكومات.
لأننا نكتب باسم كل من قالوا "قضيتنا لله"، نكتب لنقول: قضيتكم لنا، ولن تضيع.
يتبع…