الخميس، 1 يناير 2026

ما فاتنا طوال سبعين عامًا: رؤية استراتيجية عساها ترى النور ولو بعد حين

ما فاتنا طوال سبعين عامًا: رؤية استراتيجية عساها ترى النور ولو بعد حين


عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com 

تمهيد

أكتب هذا المقال لابنتي صافية وبني وبنات جيلها عساهم يظفرون بما لم نحققه ولم ندركه، فمثل هذا اليوم قبل سبعين عاما ووسط فرحة الاستقلال ورفرفة العلم الوطني، فتحت أمام السودان صفحةٌ ملؤها الأمل والعزيمة، وفي لحظة الانتصار هذه، اجتمع الامام عبد الرحمن المهدي رفقته رجال ونساء صمموا على الحرية ورسم خطوطها وتحديد مسارها وخياطة ورفع رايتها، ووحدوا بذلك وجدان الأمة بعد سنوات الكفاح لتؤمن بأن زمن التبعية غاب، وأن كرامة القرار الوطني انتصرت؛ ولكن مع أن البهجة كانت عارمة، اكتشفت أجيالنا الحالية سريعًا أن التحرير الرسمي لم يُصحبه تأسيسٌ مؤسسيٌّ كامل؛ فقد بقي الانتماء للسودان رفعة في الوجدان وعبارة جميلة في الشعارات، بينما ظلت إدارة شؤون البلاد متذبذبة وخالية من قاعدة حكم ثابتة، لذلك لم يكن الاستقلال تاريخًا يكتفى بالاحتفاء به فحسب، وإنما وعدًا بانجازٍ مستمر، وبناءٍ يحتضن التنوع وتعززه المصالح المشتركة بدل من أن يجهز عليه الصدام الجزئي.

التجربة السودانية خلال سبعين عام تكشف عن ثلاثة أسسٍ انعدمت أو تأجلت، فأفرغت جوانب الاستقلال من معناها العملي: تأسيس عقد وطني لم يكتمل، وتحرير الدولة من سلطة السلاح المؤجلة، وتحويل الهوية الجامعــة إلى منطق حكم عوضَ الاستقطاب المستمر، فغابت القواعد الدستورية الصريحة التي تعرّف العلاقات بين المواطنين والدولة، فنمت دولةٌ تقاسُ بقوانين تنساب تحت الرغبات وتبدّلها مزاجات القوة ونزوات العسكر، تركنا أيضًا تركيبة العلاقة بين الدين والدولة عُرضةً للجدل، فاختلط خطاب الشريعة بالسياسة فخلق انقسامات ثيوقراطية/ علمانية عميقة، وكان الاقتصاد متنفسًا لانتفاخات المحسوبية بدل توفير عدالة توزيع تُنمي الانتماء الوطني، واستجابت ثقافتنا السياسية للأزمات بعاطفة حماسية سريعة تفتقد التنظيم والنضج المؤسسي. وفي كل ذلك ظل «السلام الدائم» بعيد الأفق حين اعتُبر حلقةً انتقالية فقط، لا جزءًا من تنظيم الدولة نفسه.

هذه الوثيقة أحاول فيها قراءة ما فاتنا طوال سبعين عامًا بعيون اليوم: بدمج التاريخ والواقع مع الرؤية الاستشرافية لسنوات قادمة، وهدفها ليس إلقاء اللوم أكثر من استخلاص دروس البناء، فالدولة الراشدة التي نطمح لها هي تلك التي تُعقد فيها المواطنة الدستورية وتَشرف سيادتها المدنية على القوة، وتُدار بالمشاركة لا بالسيف، ويكون الإنتاج الاقتصادي منصفًا لا منه، ولا تزال الفرصة قائمة لتحويل طاقتنا وحماستنا إلى عقد جديد يحيي الاستقلال المعنوي ليكتمل عملاً وقانونًا، وإعادة صياغة الميثاق القومي الجامع تحتاج حوارًا عميقًا وشاملاً، يضع للصراع أدوات سياسية بدلاً من كونها مواجهات حادة.

في أجزاء متتالية، سأستعرض مفصلاً المحاور التي صاغت مسارنا خلال سبعين عام:

  • العقد الوطني المؤجَّل: غياب دستور وجامع مدني.

  • معادلة السيادة والقوة: تنازع الشرعية السياسية مع الأجهزة العسكرية.

  • الهوية الجامعة: من تعدد مصطلحات إلى تكامل رؤى.

  • الشرعية وهندسة الحكم: الرضا العام مقابل آليات السلطة.

  • الاقتصاد والعدالة الاجتماعية: كيف تحول الرأسمال إلى شبكة امتياز.

  • الثقافة السياسية: من تفاعل انفعالي إلى بناء مؤسسات.

  • الدين والدولة: صياغة مرجعية قيمية جامعة.

  • المركز والهامش: تصحيح اختلال التوزيع المكاني.

  • السلام وإدارة التنوع: بناء الأمان الشامل بدلاً من التسويات المؤقتة.

  • أفق الاستقلال المتجدد: مقتضيات «الاستقلال الثاني» ودور كل القوى.

تلك الرحلة الفكرية تأتي مدفوعة بالاعتبار التاريخي ورغبة في استكمال المسيرة، أعواننا هم قيم الشورى والديمقراطية الحقيقية، المنقاة من تجزيء الأحزاب والانقسامات الحزبية، فتكسبها بعدًا حكوميًا وضامنًا، لعلنا نستعيد بتلك الرؤية قوة إرادتنا الوطنية، فينتشلها الاستقلال الجديد من أطياف الاستبداد الداخلي ونماذج السيطرة القصيرة، ويدعمه الحشد الشعبي في الداخل والدعم الإقليمي والدولي معًا لأفقٍ يكمل ما شرعته الأجيال الماضية من طريق نحو وطنٍ متجدد.

العقد الوطني المؤجَّل

عند لحظة الاستقلال الأول ظنّنا أننا نضع الأسس لدولة مدنية مرتسمة، غير أننا اكتفينا بأحتفال رمزي بانتهاء الاحتلال، فقد مكّننا هذا التحرير من السيادة السياسية لكنه غاب عن تحويله إلى دستور دائم وواضح يُنظم عمل الدولة والحقوق والحريات، ما لبث أن بات «الاستقلال» ذكرى مفرحة في النشيد والاحتفال، بينما أحكام الواقع السياسي تعرضت لانزلاقات، والعقد القومي الجامع أي الميثاق الذي يُفصِّل «من نحن» و«كيف نتحاور ونقود» و«أي أسس تحكمنا "كيف نُحكم"»، ظل نداءً في الخيال السياسي لا قاعدة ثابتة.

نتيجة ذلك انتشرت في بداية المرحلة ما يشبه حكومةً عريضة بلا رسم؛ أجوبةٌ جزئية لأسئلة الفوضى المؤقتة: من يحكم؟ بمَن؟ وبأي صلاحيات؟ كل قوة تحمل تاريخًا أو مكانًا أو صوتًا، حاولت وضع تفسير وعيها الخاص لدور الدولة، فكان النهج يسير وفق مراكز النفوذ الآنية: تتشكل السلطات على مقاس المؤثرين في كل دور سياسي، ولا يضبطها نص شامل، فأصبح السودان مختلفًا من عهدٍ إلى عهد: ما أن تتبدل صُفوف الفاعلين، حتى يتبدّل معها وجه الدولة ومسارها، ووسط هذا التناوب، تضاءلت القيمة الحقيقية لـ«إرادة الشعب»؛ إذ أيّد قرارٌ يصنعه من يملك القوة مهما تراجعت معه ثقة الشعب، وهذا انتقص من العقد الوطني الذي يجب أن يعطي الدولة شرعية دوامها.

في الفكر الإصلاحي للآباء المؤسسين كان العقد الوطني هو «عقد المواطنة» الأول: وثيقة وقناعة مشتركة تفوق أي طوائف أو كيانات، وتحكم عمل السلطة والقانون. هذه المعادلة يعني أن الدولة لا تُدار من أعلى إلى أسفل ضد معارضة الداخل أو الخارج، ولكنها تقوم السلطة فوق التوازنات السياسية، وتكون مقيِّدة بآلياتها، وعندما تغيب هذه الممارسة، يصبح الأداء السياسي عرضة لتقلب المزاج والولاءات، ما يستدعي الاستمرار في إعادة التأسيس من الصفر في كل منعطف.

درسان علي هذا: أن أية محاولة بناء دون عقدٍ دستوري جامع ستفشل في توفير المأوى القانوني للمواطن، وسيستمر الوضع كما هو: صراع دائم بين تناقضات تارة تفرز حكومة هشة، وتارة أخرى تجبرها على مفاوضات طارئة، وإذا أردنا أن يسجل الاستقلال فعلاً في سجل الحكم، لا شك أن علينا العودة إلى صياغة عقد قومي جديد، عقدٌ يُقرّ بمحورية الدولة الحارسة لجميع المكونات، وينقل الوطنية من مجرد شعور إنشادي، إلى ملكة مدنية يؤمن بها الجميع، بمشاركة كاملة في صنع مستقبل بلادهم.

معادلة السيادة والقوة

قضية أخرى أساسية تمثل فخًّا في تاريخنا: كيف تتوزع السيادة بين السياسة والسلاح؟ بعد الاستقلال ظل السؤال دون رد نهائي: "هل تخضع القوة للمبادرة السياسية المدنية؟" أم تظل السياسة رهينة القوة المهيمنة؟ تشكلت في السودان، عمليًّا، دولة ذات شطرين؛ شطر يُفوِّضُه الناس عبر صناديق الاقتراع والأحزاب، وشطرٌ يرى أنّ دوره حماية الوطن بالذخيرة والبطولات، فليس أسلوبه الاعتيادي صناديق انتخاب وإنما «أجهزة أمن» تتدخل عند الخلافات، كلا الجانبين اشتغلا أحيانًا بالتناوب: تارة يظهر هويته السياسية بوصفها إرادة عامة، وتارة يقحم السلاح باعتباره حارسًا للمسار.

في أيام السلم النسبي اتخذ البعض مقاربة تعتمد على «استقرار الشرعية»، وتظهر الدولة بأحزابها هي رأس السيادة، ثم تمر لمسات التوتر فتظهر فجأة أن الجيش والمخابرات يعتبرا أن مصالح الوطن تصبح مسؤوليتها الحاسمة، وقد تُخرج سياسيًّا ما إذا شعر بالتعثر، وفي دقائق التوتر هذه، تنسل خلايا القوة من المراقبة الطبيعية وتسلل الدبابات تحت جنح الظلام، مما يخلق مواقف تهدد بإلغاء حكومات مدنية، والنتيجة على مدى السنين كانت محصلة مريرة: الاهتزاز الدائم الذي يجعل الدولة تهتز بحدتها العسكرية أو تدفع بالمشاركات السياسية كلما زادت الاحتياجات الأمنية.

الفهم الذي أقدمه هنا، من مدرستنا، هو أنه ينبغي ترسيخ السيادة المدنية بحيث تخضع موارد القوة لمؤسسات الدولة لا أن تُسمَّر كأعضاء موازية لها. بعبارة أخرى، نحتاج لنظام تَضمّنه قواعد أخلاقية ومهنية للقوى المسلحة، مع قضاء عادل يحمي الشعب من أي استخدام فوضويٍ للسلاح. في هذه المعادلة، يبقى الجيش أداة وطنية تخدم الأمن العام، لا معرّفًا للدولة أو مانعًا من ذهابها إلى صناديق الاقتراع، وحين تضع الدولة خطوطًا واضحة لضبط القوة، وتضمن وصول الأشخاص المناسبين بإرادة مجموعة واسعة، تتعزّز فكرة أن الأحزاب والبرلمانات والمؤسسات هي الأصل في صنع القرار؛ وبذا تنتقل بلادنا من مناخ يقول فيه الطرف الأقوى «أنا»، إلى واقع ترى فيه الدولة المؤسسية «نحن» الموحدة وراعية للاستقرار.

الهوية الجامعة

في تجربتنا السودانية  ظل هيكل الهوية الوطنية تشكَّل من طبقات ثقافية ودينية وتاريخية وفكرية، تتراكم فينا روافد «المهدية»، و«الأنصارية»، و«الحركات العربية»، و«التنوُّر الأفريقي، والتنوع البانتيو نيلي والنيجر كنقولي والنايلوصحراوي»؛ كلّه يشكل نسيجًا ثقافيًّا ثريًّا؛ والرؤية الرشيدة في هذا المجال ترى أن هذه العناصر ليست عقبات، ولكن يمكن تأطيرها في «مركب هوية» جامع ومتعدد بثراء، فالهوية حين تكون مرآةً لانتماءاتنا الروحية والقومية، وتضمّ قيمًا وأعرافًا، فإنها تصبح حجةً للحوار والتلاقي، لأن بناء المواطنة يتطلب أن تشعر الجماعات المختلفة أنها جزءٌ من هذه الهوية الأوسع، لا أن تُظلم أو تُقصى، وألا تُحجب عنها قيمة الدولة بوصفها وطنًا لكل أبناء السودان.

أصبح الواقع مغايرًا: بدل أن تُوظّف التنوع في صنع الوحدة، تحوّلت الانتماءات إلى ساحة تلاسن حادة، وكل فئة كانت تبحث عن أكبر مساحة هوية تمثلها، ما أدى إلى إشاعة التعصب ونمو ثقافة الحسابات المفرطة، وغابت لغة «الوطن أولًا» أمام الأصوات المقتاتة على طبقات الهوية الفرعية الآحادية الاستعلائية. على سبيل المثال، حينما احتلت قومية عربية أو تطوعت عَشيرة دينية بتأييد حصري للسلطة، انحرفت معادلة الانتماء من هدف جماعي إلى وسيلة للنجاة السياسية، وهكذا صارت الهوية مسرحًا للخصومة، ولم تُبذل جهودٌ كافية لصياغتها في قانون اجتماعي أو دستور يُلزم الجميع بالمشاركة.

التسبيك والتشبيك الهوياتي يتطلب تجديد اللحمة الوطنية ويحتاج أن نعيد صياغة الهوية الجامعة صياغة تحكي تاريخنا دون أن تقصي فئتنا، وألا نرفض خصوصية أحد؛ لكننا نؤكد أن الاختلاف ينبغي أن يمثل مصدراً للتشارك، لا سببًا للتمييز. لهذا نحتاج لإقرار دستوري يوضح أن الجميع جزءٌ من السودان بأمر القانون، وأن القيم المشتركة (قيم الدين والأخلاق والإسلام والمسيحية والعروبة والأفريقانية والسيادة الوطنية) فوق الجميع، وأن اللغة الرسمية المكتسبة (العربية أو الإنجليزية أو أي لغة محلية) تساوي الجميع. حين نجعل من الجمهورية البوابة التي يحتكم إليها الجميع، تختفي فكرة أن لكل مجموعة وطنًا «خارج السودان» أو أن تكون له مطالب خاصة مستقلة؛ فالفهم استراتيجيّ يقود لحقيقة واحدة هي أن الهوية الجامعة ليست حصنًا للأغلبية فقط، ولكنها شبكة تحمي الحقوق للجميع، يقودها دستورٌ يشد عُرى التعايش.

الشرعية وهندسة الحكم

مصدر الشرعية في أي نظام هو رضا المجتمع ودرجة مشاركته في اختيار قيادته، وفي تجاربنا، ظل مفهوم «الشرعية» غامضًا في كثير من الأحيان؛ ففي بعض الفترات كان يُعتبر أن ربيع الثورة أو ذكرى التحرير يمنح الحاكم شرعيةً ضمنية، وفي أحيان أخرى استخدمت القوة والتعيينات حتى من دون انتخابات؛ فصار تعريف الحاكم «صاحب الوضع القوي»، ولم يقوَ الحكم على تجهيز آليات ثابتة لتحصيل رضا الشعب من خلال اختيارهم أو رضاهم الواقعي، بمعنى آخر لم تُنشّأ أطر ثبوتية للإدارة، فركنا إلى الإمارة قبل التعاقد.

الراسخون في المدنية كالإمام الصادق المهدي كان يرى أن الدولة لا تُحكم بامتياز شخوص ولكن بمبادئ تشتبك مع إرادة الناس؛ أي أن يكون هذا الأمر مقيَّدًا بقواعد محكمة، متجذرة ومتقررة في آليات معلومة، لكن على أرض الواقع كان تبديل الحكومة أو تغيير النهج يعتمد على حدث استثنائي أو انقلاب عسكري، فقلَّ تقليد الانتخابات المنظمة، واتسعت دوائر الضعف: المؤسسات صارت عرضة للارتجال، والانقسامات السياسية الحديثة قلّت فرص التسامح، وتصاعد الجدل بأننا «نحن شعبٌ حرٌّ ثائر» يجعل الحكم يستعد للتجدد حين يتوفر الزخم، ولكن القوة التي تعيده مرتكزًا قاعديًا للأزمة تبقي رهنية المسار السياسي لحظة اختيار.

غياب شرعية مؤسسية دفع البعض لتحويل الصراع السياسي إلى تجاذب بين نواب وجماعات، ومن الأزمات المعاصرة أن «إرادة الشعب» لم تنتظم في إطار انتخابي مؤسسي متين؛ فقد شهدنا حالات الانتخابات الشبه شعبية كما نشهد دورات تحول السلطة بالسيناريو الأمني، وهذا يصنع فجوة بين مفهوم «الدولة العقدية» – التي تستمد حقها من القواعد التي يرضاها الناس – وبين «الدولة الوضعية» – التي تظل عرضة لتوزيع المناصب حسب المتاح في اللحظة.

ما فاتنا في هذا الصدد أن ننقُل الشرعية من مجرد شعار أو مبادرة تنسى إلى هياكل حقيقية: انتخابات شفافة ونزيهة، وقضــاء مستقل عن سلطة التنفيذ، وتعزيز مؤسسات تشريعية وإدارية قادرة على استيعاب وجهات نظر المجتمع في صيغة قانونية راسخة. تلك الهندسة المؤسسية تمنع العودة إلى التصادم؛ فحين تُحسم مسؤولية اختيار القيادة بالآليات الانتخابية والقضائية الثابتة، يعود عمل الدولة إلى مساره الطبيعي.

الاقتصاد والعدالة

الإدارة الاقتصادية لم تجتز السودان اختبارها بالصورة التي نريدها. وكان للمشهد الريعي مثول واضح في تاريخنا: موارد وفيرة على الورق، وأحيانًا غير مستثمرة على أكمل وجه. وكافة الحلول التي وُضعت غالبًا ارتكزت على دعم فئات محددة أو مبادرات محدودة، بدل بناء هياكل إنتاجية تنموية وإنسانية عامة وعاملة؛ ونتيجة هذا فإن أي مبادرة أو قروض قُدِّمت لم تكن تستجيب لتطلعات العدالة، فقد خضعت قطاعات اقتصادية (كالمحاصيل الأساسية والتجارة الخارجية) إلى هياكل وراثية تتبع شبكة نفوذ، بينما مناطقٌ أخرى ما زال أهلها غائبين عن خارطة الحياة وخطط المشاريع التنموية.

في تجاربنا لاحظنا تسلّط تركيبات اقتصادية ضيقة: استُثمرت الأراضي الزراعية بما يخدم بعض العائلات أو المستثمرين القريبين من مركز القرار، وهيمن الاعتقاد بأن التبعية للمركز تكفي لكل شبر، وتُرك الجزء الأكبر من الإنتاج للشركات الزراعية الكبرى أو الصناعات المركزية، عوضاً عن ذلك كان يمكن تحقيق رأسمال وطني من توزيع الأنتاج على كل المواطنين، ولكن السياسات غابت عنها العدالة؛ إذ سادت دائرة الامتيازات على حساب توسيع دائرة الفائدة، وفي ظل هذا التوزيع المحوري ضاق هامش فئات كبيرة أو مناطق كانت تضخ الموارد من الهامش، لكنها لم تنل من مشروع التنمية الوطنية إلا بعض الفتات.

ماذا فُتِرَ خلال عقود؟ أنه لم تكتمل هندسة الإنصاف في اقتصادنا: أي وضع نظام يضمن توزيع العوائد العامة على كل الجهات بمقياس عادل. استئناف الاستقلال يتطلّب تغيير المعادلة، بحيث يصبح كل إنتاج مضرابًا للعدالة الاجتماعية. بما يعني: تطوير نظم ضرائب شفّافة وعادلة، وتخطيط شامل للمشاريع العامة يخدم عموم المواطنين، مع حماية سائر المناطق من التجاهل. وهذا بدوره يضمن تكوين فرص عمل لكلّ المجموعات، وتوفير الخدمات على قدم المساواة. فالاقتصاد المصحح بصورة حقيقية سيؤدي إلى انفراجة تزيل الاحتقان الاجتماعي؛ وحين يتحقق كل ذلك يصبح كسب الأمن مرتبطًا بتحقيق الثروة المشتركة، وليس بسيطرة فئة على الثروة فقط.

الثقافة السياسية

ثقافتنا السياسية هي الأصوات والمواقف والمناهج التي نبني بها الساحة العامة، وفيها تتبلور طبيعة التعامل مع الخلاف والتعدد. وفي بلادنا سادت خلال العقود السبع سمة التفاعل السريع مع الأحداث، مع ميل للأفكار الكبرى والرموز على حساب التدرج المؤسسي. فالسياسة اختلطت في غالب الأحيان بالغزارة التعبيرية والعصبية العشائرية، حتى صارت معظم النزاعات تتفاعل بسرعة دون أن تبنى عليها آليات حضارية للتوافق، وهيمنت لفترات طويلة قذارة الممارسة المتخندقة للأجندات الأيدولوجية.

لنأخذ مثالاً: حين تقام أركان نقاش أو تنظم انتخابات أو تنعقد مناظرات كبيرة، يرتفع التوتر سريعًا إلى أقصى الدرجات، ويشعر الجمهور أننا على أعتاب لحظة حاسمة يُستحق فيها العصيان أو الانفجار، فتنشغل الجماهير بمظاهر الاحتكام للأسماء والعلامات أكثر مما تنشغل بتقييم سياسات، وفي مثل هذه المناخات، خفت صوت الوسطاء الذين يمكن أن يلطّفوا الاختلاف ويحوله إلى حديث هادف. تبعًا لذلك فقدنا الحماس والاحساس بالمسؤولية وتخلينا عن الالتزام بالمؤسسية: المؤسسات السياسية (أحزاب، تجمعات، منظمات مجتمعية) باتت تأخذ طابعًا شخصيًا، وقد تكرّرت التجارب الانتخابية بشكل مفاجئ؛ وفي كل منها يعتري البلاد شعور بالبدء من جديد، دون أن تترسخ التجربة السابقة كمدخل لتعليم أساليب الإصلاح.

النتيجة ظلت إلى  يومنا هذا أن الرأي العام في كثيرٍ من الأوقات اعتاد على الوصائية و«نهاية العالم» مع كل خلاف حاد. ولم يبقَ لدى بعض القوى الحافز للبحث عن حلول تدريجية، وذهب بعضها نحو الحلول الكبرى بثقة غامرة بأن الانقلاب أو الانفجار هو الطريق الأقصر والأمثل. وهكذا عندما يتعطّل الحوار تسود فكرة أن على المعترضين التصعيد أو المغادرة، فيما يقفل آخرون على أنفسهم في دائرة فرض الانضباط بالقوة، لذلك فإننا بحاجة إلى استيعاب درسين: أولاً، أن البناء المؤسسي يحتاج إلى زمن أطول من لحظة الغضب، وثانيًا، أن العمليات السياسية تستحق الصبر، وإفساح المجال للمتردد كي يجد صوابه دون أن يقطع المتسلقين الحبل.

في رؤيتي السياسية التي تنشأت عليها كان الحوار الممنهج والمحاكمات العامة الشفافة هما العنصر الأسمى في الثقافة السياسية، وهما سلطة معتبرةٍ للخلاف، وفرض الولاء لا يكون إلا خارج الحلول الديمقراطية، لأنه عندما يشتد الانقسام، لن يكون الحل هو لغة القانون والوصول للاتفاق، نحن نسكت عنه؟ لا، ولكن على العكس: استمرار رهاب الطيف السياسي للآخر يعني أن نواصل بناء غطاء مؤسساتي واسع. فالمعادلة هنا مفادها: إن أي صراع ينتهي إلى قنوات مجتمع مدنية تقوي الموقف الجيد داخل المجتمع، ويحصر القنوات التراجعية خارج نطاقها. وفي آفاقنا المأمولة، ينبغي تثبيت الوعي في أذهان جميع الأطراف بأن السودان ليس حلبة صدام، ولكنه مسيرة تدبر بالجماعة وموكب يؤمن كل من ينشد الحرية والسلام والعدالة ولا يتخلف عنه عاقل.

الدين والدولة

علاقة الدين بالدولة كانت ولا زالت مجالًا شائكًا في تجربتنا: حيث أقحمت النزعات الدينية واستُضيفت المرجعيات الروحية والتجليات الأيدولوجية المصطبغة بالألوان الدينية في الشأن العام، وغالبًا تم تصويرها بصيغة تناقض حقيقتها؛ فالبعض رأى أن للدين دورًا تكميليًّا يمنح الحكومة نوعًا من الشرعية والاتزان الأخلاقي، بينما الآخرين خافوا من أن تتحول تلك المرجعيات إلى نزعة إقصائية وهو ما حققته تجربة التنظيم الإخواني الاسلاموي لثلاث عقو؛ ونظرًا لأن المسألة بحد ذاتها شديدة الحساسية، جرى احتدام النقاش: من يوظف الدين كأداة سياسية عملية، ومن يخاف من «العلمانية».

رؤيتنا ظلت ولا تزال تؤكد أن الدين لا يغيب من العمل العام لكنه لا يحتكر الحكم، وفي إطار هذه الرؤية، الدولة مدنية مضمرة؛ أي أنها تحصر عملها في مبادئ القانون العام، بينما الدين يُعتبر مراجعًا أخلاقيًا ومعنويًا عامًا، وهذا يعني أن المناهج الدينية تظل تشكل إطارًا عامًا للقيم بدون أن تفرض نفسها بصفة إلزامية، وأن القوانين المدنية هي عبارة عن توافق بين الجميع مستوحى من تلك القيم؛ المعادلة: كون الدولة ليست علمانية في التجاهل، ولكنها تمنح الدين موقعًا توجيهيًا ـ دون احتكار تسييس ـ بينما تستمد السلطة من مشاركة البشر كلهم بلا استثناء.

ما حصل في الواقع أننا تخلّصنا تدريجيًّا من الرؤية الوسطية المتسامحة، فانقسم المجتمع بين من يرى أن إشراك العلماء والرموز الدينية في الشأن السياسي يكرّس التراكمية الأخلاقية، وبين من دعا إلى «علمانية» حادة تؤكّد فصل المجال الديني عن العام، وفي المقابل، أقحم البعض الدين في مقام السلطة والهوية العامة، وكل جانب زاغ قليلاً، وأمسكَ البعض منه بالسلاح الرمزي أو خطاب «الخضوع للدين» عندما فشل في إقناع الجميع به، وهذا الاستعلاء أسهم في زيادة الاحتقان؛ فكلا الصوتين استشعر الآخر وكأنه منافس «مصيري»، بينما كانت الدولة تفقد مكانها كاإطار الجامع المنصوب للجميع.

لذلك ما فاتنا هنا هو صياغة توازن واضح يرسم العلاقة على أساس مرجعية واحدة وشاملة، والمطلوب ألاّ تجري السلطة الوطنية على شاكلة خطابات دينية ضيقة، وألا يُنظر إلى حضورها كمؤامرة على الإيمان، في المقابل إذ قدر لنا أن نعطي الدين مكانته الرفيعة في القيم والتربية، فلا بد للدولة أن تنأى عن اشتراط القناعات الخاصة على الجميع، وصياغة هذه العلاقة تتطلب عملًا مؤسسيًّا: (1) الدستور ينبغي أن ينص على حرية الاعتقاد والتعبير مع تأكيد أن جميع المواطنين سواسية في الحقوق والواجبات، (2) المؤسسات الأمنية والمدنية ينبغي أن تلتزم بعدم التحيز الديني أو الاستقواء به، (3) التشريع يخلو من الوصاية الدينية المباشرة ويُكتفى بالتشريعات المقرة من شرائع أهلها. وبهذا الإطار تتحقق صيغة شاملة: دين يشكل روحًا وأخلاقًا للدولة، ودولة تنظر للجميع على قدم المساواة بحماية القانون.

المركز والهامش

أحد جوانب الاختلال التي غذت كثيرا من الأزمات هو شعور مناطق السودان المختلفة بأنها «هامش» للنسيج المتعدد، بينما حُوّلت العاصمة والمدن الكبرى إلى مركز للقوة والموارد، فالسياسات المركزية التركيزية أدت إلى هجرة كثيفة للكفاءات والخبرات العليا الوطنية إلى خرطوم، وانتقال معظم الخدمات الرئيسة هناك، على المقلب الآخر، بقيت محافظاتنا وولاياتنا وأقاليمنا الأبعد تلهث بحثًا عن دور ما لتشعر باستقلالية، تحمل في داخلها موارد الطبيعة وعادات التاريخ، لكنها كانت ينظر إليها من دوائر القرار كأماكن داعمة يتم توجيه الإنتاج منها لا إليهل ودون أن تعود إليهم الفائدة الكاملة.

أثر هذا التفاوت كان شديدًا: فقد برز شعور لدى بعض المناطق بأنها تَمنح السودان كل شيء وتُمنع من أي شيء حتى أن البعض بدا وكأنه يروي أرضه لتحقيق طموح المركز، فيما المركز البعيد اعتاد أن ينظر إلى بقية البلاد باعتبارها امتدادًا للنفوذ نفسه؛ وفي تلك الحالة تبدى الاستقلال كفضاء يصعب سكنه باستكمال، لأن المواطن يشعر بأن مردوده الاقتصادي والخدمي أقل مما ينبغي، وظهر هذا التوتر في مقاطعات عدة على هيئة مطالب محلية متزايدة أو نشوب نزاعات حول الأراضي والموارد والحقوق.

الحل الذي رسمته رؤانا وغيرنا ممن شخصوا وعاشوا المشكل السوداني، يكمن في تغيير نمط الدولة من «مركزية تسيطر» إلى «شراكة لا مركزية» مع الحفاظ على الوحدة، بأسس فدرالية عادلة، وإعادة هندسة الإدارة بتفويض صلاحيات حقيقية للأقاليم: من حقّ كل إقليم أن يدير تعليمه وصحته وخدمتك المدنية واقتصاده الصغير الخاص به، وأن يساهم في صياغة قوانين موضوعة وفقاً لاختصاص كل منطقة، ولكن بغياب هذا التحول، تظل الحكومات تنساب لتناسب نفسها فقط من خلال السياسة المركزية، ولا تزيد الثقة الجماهيرية العامة إلا عندما تبتعد الدولة عن مركزها قليلاً نحو المواطنين.

لذلك  أرى أن ما فُقد كان التوازن الزمكاني فنهضة البلاد حقٌ يتحقق برعاية متوازنة لكافة مناطقها وفق مصفوفات زمنية وتنفيذية، وإعادة البناء العادل تعني أن كل جزء في السودان له صوت في إدارة حيزه بوعيه وخططه ورؤاه، وأن نهج التنمية المستدامة ينبغي أن يشمل الهموم المتشابهة في المركز والمناطق النائية، وبهذا التصور لا تبقى خريطة السودان كيانًا يحمل اسمًا واحدًا فحسب، ولكنها حينئذ ستجسد فعليًا وحدة الحظوة المتساوية للأراضي كافة.

السلام وإدارة التنوع

لحظة واحدة شغلت بالنا طويلاً: كيف نؤمن سلامًا دائمًا ونحن نعيش في قلب تنوع متضاد وضخم؟ للأسف، كانت جهود السلام تُعالج كجزء مؤقت من الأزمات بدلاً من أن تصبح سياسة دولة، وفي كل مرة تفجرت أزمة مسلحة هنا أو تمردات هناك، ركزنا على إدارة الأزمة البارزة وإسكات الأصوات العالية، بتوقيع اتفاقية محدودة تُوقف نزف الدم، ثم تبيّن أن أوجه الظلم والأفكار المكبوتة بقيت دفينة. فمرّت علينا مراحل سلام لم يطوَّرها تبديل بنية دولة تُضمّن الاعتراف بالآخر الحقيقي وإشراكه بصورة حقيقية لا صورية.

النظرة الاستراتيجية لمرحلة السلام، وفق منظورنا هي أن السلام عملية استثمار اقتصاديٌّ واجتماعي، قبل أن يكون مجرد صفقة انسحاب للأسلحة وعملية تفاوضية تفضي إلى مساومة سياسية. لأن السلام في حقيقتنا هو رحيل المظالم، وخلق ترتيبات دائمة تشمل مشاركة سياسية كاملة وتقاسم حقيقي للسلطة. ولتحقيق هذا، لن يفيد استجرار تجارب الماضي، لأننا نادرًا ما استخدمنا آليات انصاف انتقالية تحل عقد المظلومين، وكأن السودان كان يفكّر بالأطراف بنهج فرض لها تعايشًا مع حالة الصراع نفسها، فأُعيد إنتاج الحرب دوماً، واستمر الشعور لدى بعض الجماعات بأن السلام صفحة مؤقتة لا تغير واقعًا جذريًّا.

بصورة عامة نجد أن ما فاتنا هو عدم انتقال السلام إلى البنية الدائمة للدولة، لأنه غالبًا ما استند حل النزاع في عقود مضت على التوزيع الفصائلي أو الدمج المؤقت، دون الحفاظ على آليات توفيقية وتعويضية واضحة. وكلما جرى التفاوض بلا هدفٍ جامع، عاد الدور لتجدد النزاع عند تغير التوازنات.

لذا ينبغي أن نتعلم من الدرس أن السلام ليس مجرد بند يُضاف للحل من باب الديمقراطية، لأنه شرطٌ لبقاء الدولة نفسها واستدامة استقرارها. فلا يكفي توقيع اتفاقية وسحب السلاح، وإنما وجوب تغيير النظام السياسي لكي يشمل الجميع. وهذا يعني عقد مصالحة شاملة، وإعادة هيكلة تمثيل الجميع في البرلمانات والحكومات المركزية والولائية، وتشريع قوانين تحكم التعامل مع التعدد قبل العودة لأي خلاف في المنظومة؛ ليصبح السلام المستدام هنا وظيفة الدولة ذاتها؛ ويصير إطارات حاكما تضمنه السياسات والحوكمة الرشيدة لا كلمات ووعود.

أفق الاستقلال المتجدد

لذلك أقول أن كل ما جربناه سابقًا، لم يصل لنصيبه الكافي من البناء. فقد لبست البلاد ثوب التحرير السياسي، لكنها ما زالت تبحث عن ثوبها الدستوري الكامل، فالاستقلال الحقيقي يبدأ حين نرتدي ثلاث رداءات متجددة: ميثاق المواطنين المنصف، وجهاز دولة مدني محصن بالقانون، ونظام عدالة اجتماعية معلن. فحينما يجتمع هذا الثلاثي، نحقق ما يمكن أن نسميه «الاستقلال الثاني»: استقلال السيادة بيد أهل الأرض، واستقلال الدولة من أي ضغط مُفرط، واستقلال المواطن من ظلم توزيع النعمة أو المحاباة.

ليس المطلوب أن ننسخ الماضي ولا نرفع أعلام الثورة. المطلوب هو نقلنا إلى مرحلة جديدة تستلهم لحظات التأسيس الأولى مع معالجة أخطائها. الاستقلال الثاني هو أن يتسلم العقد الوطني الجديد صفة المقدس المتفق عليها، ويصبح الإطار القاسم لكل التفاعلات. وأن يرى كل مشروع قائمة مطالبته جندا أصيلاً داخل السودان، وليس بأيدي جهات ودوائر خارجية. وأن تتوحد هيكلية الدولة بحيث ينقضي زمن إدارة الأزمة برئيس وزراء أو انقلاب، ويحلّ محلها تداول مستمر للسلطة وفق قواعد قانونية عادلة وشفافة.

في أفكارنا لإصلاحية ينبغي أن تكون بلادنا هي الدولة الراشدة التي يكون فيها السياسي أو المسؤول موظفًا مؤقتًا للمجتمع، والقانون هو اليد الفعلية التي تحمي المؤسسات والمواطنين والدستور هو القيد الأعلى المحتكم إليه لا الأهواء. هي دولة لا يُسمع فيها صوت الانقلاب على البلد، ولكن تُسمع فيها عبر الانتخابات والهياكل الشعبية، تصبح المسؤولية فيها خدمة عامة لا احتكارًا للقرار. هذه الدعوة الآن لكل القوى في الداخل والخارج: للشعب بكل أعراقه؛ وللنخب السياسية وأحزابها، وللقيادات الدينية والفكرية والأهلية، وكذلك للأصدقاء الإقليميين والدوليين. فهو جهد لتأسيس عقد شامل يستلهم قيم العدالة والشورى والمشاركة والمساءلة، ويضع إطارًا حقيقيًا للصالح العام.

بفعل ذلك يمتد الاستقلال من تاريخٍ احتفَلنا به إلى مشروع حياة تليق بأصالة هذه الأمة، مشروع لا يُفرض من خارج أو يُنتزع بالقوّة وإنما ينبت عبر البناء المشترك في أرضنا ويسقى بعرق بنيه وبناته لا بدمائهم. عندها يتّضح أن «الاستقلال الثاني» ليس رواية ذهبية في الصفحات، ولكنه فصل جديد من تاريخنا، وميدان عمل مشترك لتحقيق وعد الأجيال: دولة حكمها العدل، وأمنها كرامة شعبها، ومستقبلها شراكة أبنائها.


السبت، 13 ديسمبر 2025

ثورة ديسمبر بوصفها مشروعًا لبناء وطن جديد

ثورة ديسمبر بوصفها مشروعًا لبناء وطن جديد
بين الجهاد المدني وإعادة تأسيس الدولة

🖋. عروة الصادق

حين نقرأ ثورة ديسمبر 2018–2019 بوصفها مجرد انتفاضة أطاحت برأس نظام، نظلمها ونظلم أنفسنا، فالحادثة كانت أعمق من سقوط حاكم، وأوسع من تغيير حكومة. ما جرى كان، في جوهره، انفجارًا أخلاقيًا وسياسيًا في وجه بنية دولة مختلّة، ومحاولة جيل كامل أن يكتب عقدًا جديدًا بين السودان ونفسه. ولأننا نرى الأشياء بعين البصيرة لا بعين اللحظة، فإن الثورة تُقرأ كمسار لا كـ«حدث»، مسار بدأ باحتجاجات الخبز، وتجلّى في اعتصام القيادة العامة، ثم تعثّر في ممر الانتقال، ثم انقلب إلى حرب، وما زال يحمل في داخله إمكان مشروع خلاص وطني متى أحسنّا قراءته وأحسنّا تحويله إلى برنامج بناء.

هذه المقالة تحاول أن تقارب الثورة بمنهج رؤيوي، تحلل بنيتها، وتستخرج من سيرورتها دروسًا في فقه الجهاد المدني، وتقرأ انقلاب 2021 وحرب 2023 بوصفهما ذروة ثورة مضادة لم تُحسَم فصولها بعد، ثم تطرح ملامح طريقٍ لعودة الثورة، لا كشعار يتردد، وإنما كبرنامج إنقاذ وطن.


أولاً: ما عظمة ثورة ديسمبر؟ تعريف يتجاوز الإنشاء

عظمة الثورة تُقاس بثلاث قدرات تاريخية توافرت لها في لحظة واحدة، لا بعدد الأيام في الشارع، ولا بكثرة الشعارات على الجدران، ولا حتى بمآلها السياسي الأول.

1. نقل السياسة من النخب إلى المجتمع

لأول مرة منذ عقود أصبحت السياسة في السودان ممارسة يومية في الحيّ والشارع والجامعة وموقف المواصلات، بعد أن ظلت زمناً طويلاً حوارًا محصورًا بين حزب ونخبة ومجالس فوقية. تحوّلت لجان الأحياء إلى خلايا وعي وتنظيم، والمواكب إلى استفتاء متكرر على شرعية السلطة، والمتاريس إلى رموز لمجتمعٍ قرر أن يحمي نفسه بنفسه. بهذا المعنى خرج تعريف السياسة من دائرة النخبة إلى فضاء المجتمع، وصار الصراع مفتوحًا على تعريف الوطن ذاته: من يحكم؟ ولمن تُحكَم الدولة؟ وبأيّ حق؟ وكيف تُصان كرامة الناس في يومهم العادي قبل خطابات المنابر؟

2. بناء شرعية أخلاقية جامعة

رفعت الثورة شعار «سِلمية» بوصفه سلاحًا شرعيًا، لا زينة لغوية. السلمية هنا تُفهم كاستراتيجية قوة، فهي تعزل الثورة عن تهمة الإرهاب والتمرد المسلح، وتضع السلطة في مواجهة ضميرها وضمير العالم حين تُقابل الأيادي العارية بالرصاص، وتستدعي التعاطف الداخلي والخارجي، وتُلقي على الخصم عبء كل طلقة يطلقها، عبءً سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا. هكذا تحولت السلمية إلى صيغة من «الجهاد المدني»، مقاومة عنيدة متدرجة ترفع كلفة القمع، وتغلق الأبواب أمام الانزلاق السريع إلى حرب أهلية شاملة، وتُبقي المجتمع متماسكًا بقدر ما تسمح به لحظات الصدام القصوى.

3. توحيد الوجدان بسردية وطنية بسيطة وعميقة

بدأت الشرارة من أزمة معاشية، الخبز والوقود والندرة والبطالة، ثم ارتفع الشعار سريعًا إلى مستوى آخر: «سلمية سليمة»؛ «تسقط بس»، «حرية سلام وعدالة»، «مدنية مدنية»، «عندك خت ما عندك شيل»؛ «يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور». في هذه العبارات القصيرة تكثيف لتحولٍ عميق: انتقال من السخط على الأسعار إلى رفضٍ جذري لبنية حكم، ومن ضيق المعيشة إلى سؤال الشرعية، ومن تعدد الهويات إلى لحظة وجدان مشترك يرى «الشعب السوداني» ذاتًا واحدة تطالب بحقها. هذا التوحيد الوجداني لا يمحو التنوع، وإنما يعلو عليه مؤقتًا ليخلق لغة مشتركة، تسمح لمواطني الشمال والغرب والشرق والجنوب السابق أن يلتقوا في ميدان واحد تحت راية واحدة، ويستعيدوا فكرة الوطن كمساحة عقد لا كمساحة غلبة.


ثانيًا: البنية التي ثارت عليها الثورة، أزمة دولة لا أزمة حكومة

لا يُفهم اتساع الثورة ما لم يُفهم اتساع الأزمة. فالنظام الذي قام في 1989 لم يكن مجرد سلطة سياسية تُقاس بأخطائها اليومية، وإنما مشروع دولة حزبية أمنية أعادت تشكيل المجتمع والاقتصاد والمؤسسات على صورتها، حتى صار الخلل بنيويًا متغلغلًا في مفاصل الدولة والمجتمع معًا.

1. اقتصاد متهالك ومجتمع على حافة الانفجار

سنوات من الحروب والعقوبات والفساد والزبائنية حولت الاقتصاد إلى جسد منهك: تضخم متصاعد، ندرة في الخبز والوقود والدواء، بطالة عالية بين الشباب، وريـع متولد من الحرب والتهريب والجبايات غير الرسمية. هذا الخليط جعل «العيش اليومي» فعلاً سياسيًا، وحوّل طوابير الخبز والوقود إلى مساحات احتقان ووعي. وعندما انفجر الغضب خرج من دفتر الأسعار إلى سؤال المسؤولية عن انهيارٍ بنيوي طال الدولة ومؤسساتها وأخلاق الحكم فيها.

2. دولة أمنية حزبية راكمت المظالم في المركز والأطراف

أحاط النظام نفسه بأجهزة أمنية متشعبة، وشبكة ولاءات سياسية واقتصادية، واستخدم الحرب في الأطراف، دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، أداة لضبط المجال السياسي لا أداة لحماية الوطن. وبهذا تعمَّقت مسافة الشك بين الدولة والمجتمع: في الهامش رأى الناس مركزًا يستنزفهم، وفي المركز رأى الناس سلطة تحول العاصمة إلى جزيرة امتياز فوق بحر من الحرمان. وتراكم المظالم على هذا النحو صنع شعورًا عامًا بأن الدولة تعمل كآلة سيطرة لا كعقد حماية وخدمة.

3. تسييس كل مجالات الحياة بالقهر

حين تُلاحَق الصحف، وتُكمَّم النقابات، وتُحاصر الجامعات، وتُخترق المنابر الدينية، وتُراقب الفنون، يصبح كل مجال من مجالات الحياة مسيّسًا بالقهر، وتغدو كل كلمة ضد الظلم خطوة على طريق الثورة. لذلك خرجت ديسمبر من معنى «الثورة السياسية» بالمعنى الضيق إلى معنى أوسع: ثورة على نمط حياة مفروض، وعلى دولة تريد امتلاك الجسد والرزق والفكر معًا.


ثالثًا: الثورة كتصميم قوة، من حدث احتجاجي إلى استراتيجية جهاد مدني

ثورة ديسمبر يمكن قراءتها كتجربة مقاومة مدنية صاغت أدواتها بوعيٍ متدرّج، كأنها تتحرك وفق فقه المراحل والمآلات، فتنتقل من الاحتجاج إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى خلق ميزان كلفة جديد للحكم.

1. التمدد الأفقي، من عطبرة إلى الوطن

انطلقت الشرارة من عطبرة، غير أن بنية المجتمع السوداني، المدن المترابطة والحركة الطلابية والمهنيون وشبكات التواصل، جعلت الشرارة تتحول إلى شبكة تمتد من الأطراف إلى الخرطوم. تحالف المهنيين والناشطين وشباب الأحياء أسهم في تحويل الحدث المحلي إلى مشهد وطني، في صورة تنظيم شبكي لا يعتمد على «زعيم واحد» يمكن إسكات صوته لكسر الحركة، وإنما شبكة منسقين تحمي بعضها بعضًا.

2. أدوات تعبئة منخفضة الكلفة عالية الأثر

اخترعت الثورة أدواتها: مواكب منتظمة بأسماء وأيام معلنة، وشعارات قصيرة حافظة للمعنى قابلة للترديد في كل مكان، وفنون وأغانٍ وهتافات حولت الفعل السياسي إلى حدث وجداني، ورموز جديدة أبرزها صورة «الكنداكة»؛ المرأة التي تقف على سقف سيارة تهتف للحرية فتختصر دور النساء وكرامة الشعب وارتفاع الرأس بعد طول انحناء. هذا الابتكار في أدوات التعبئة جعل السياسة أقرب إلى الحياة وأشد التصاقًا بالناس، فأصبحت الثورة لغة يومية لا خطاب نخبويًا بعيدًا.

3. الاعتصام أمام القيادة، مساحة محررة ومختبر وطن

عندما تحوّل محيط القيادة العامة إلى اعتصام مفتوح حدث تحول نوعي: الشارع لم يعد «ممر مظاهرات» وإنما صار مدينة سياسية مصغرة. لجان خدمة تنظم الطعام والنظافة والأمن الداخلي، منصات نقاش وحلقات حوار حول مستقبل الحكم، خطاب وطني جامع تُرفع فيه أعلام الأقاليم وتُستعاد أغاني الهامش ويُكتب على الجدران أن السودان للجميع. بهذا المعنى كان الاعتصام تمرينًا مبكرًا على الوطن: كيف يمكن أن نتعايش؟ كيف نحكم أنفسنا بلا عسف؟ من يراقب من؟ وكيف تتحول الجماعة من احتجاج إلى إدارةٍ للفضاء العام؟

4. العصيان والإضراب، تعطيل ذكي بلا رصاصة

بعد مجزرة فض الاعتصام، وهي جرح غائر في الضمير السوداني، لم تنطفئ جذوة الثورة، وإنما تبدلت أدواتها. انتقل مركز الثقل من الميدان إلى العصيان والإضراب السياسي، وأظهرت الأيام التي شُلّ فيها المرفق العام أن الدولة لا تعمل بالأوامر وحدها، وإنما برضى آلاف العمال والموظفين والمواطنين. وارتفعت كلفة الحكم العسكري، فصار أمام معادلة شاقة: تنازل يخفف الاحتقان، أو مواجهة نزع الشرعية داخليًا وخارجيًا. هكذا برهن الجهاد المدني على قدرته على فرض الإرادة بلا رصاصة واحدة.


رابعًا: التحول في العقل السياسي السوداني، من رهبة السلطة إلى سيادة الشعب

قد لا تُختَتم الثورات سريعًا بترتيبات سياسية نهائية، لكنها تخلّف وراءها عقلًا جديدًا. وثورة ديسمبر أنجزت في هذا المستوى إنجازين مفصليين.

1. نزع القداسة عن السلطة

قبل ديسمبر سكن في الوعي العام، بفعل التاريخ والانقلابات المتكررة، أن الجيش والأمن «قدر» على السياسة، وأن المدنيين يُسمح لهم بالحكم حين يرضى العسكري ويُستغنى عنهم حين يشاء. جاءت الثورة لتكسر هذه الرهبة وتعيد تعريف العلاقة: لا قداسة لسلطة فوق إرادة الناس، ولا حصانة لمؤسسة حين تعتدي على العقد الوطني. هذا التحول في الوعي أصعب من إسقاط حاكم، لكنه يخلق أجيالًا لا تُخدع براية «المنقذ العسكري» ولا تمنح الاستبداد غطاءً باسم الأمن.

2. إعادة تعريف الوطنية كعدالة

هتف الثوار: «حرية، سلام، وعدالة»، وترتيب هذه الكلمات يحمل معنى عميقًا: حرية من دون سلام تفتح الباب للفوضى، وسلام من دون عدالة يتحول إلى هدنة هشة فوق فوهة بركان، وعدالة من دون حرية قد تنحرف إلى انتقام مقنّع. هكذا صارت الوطنية التزامًا ببناء دولة لا تقصي أحدًا ولا تظلم إقليمًا ولا تحول موارد البلاد إلى غنيمة نخبة صغيرة. هذه الرؤية ألهمت نشوء لجان المقاومة بصيغتها المتقدمة: كيانات قاعدية تحرس المعنى أكثر مما تسعى لمقاعد السلطة.


خامسًا: مأزق الانتقال، من الشارع إلى الدولة: أين تعثّرت القافلة؟

الانتقال من الثورة إلى الدولة يمثل عنق الزجاجة في كل تجربة تغيير، وفي السودان ظهر هذا المأزق بحدة.

1. معادلة الشراكة المدنية العسكرية، ترحيل الصراع لا حسمه

الوثيقة الدستورية في 2019 كانت محاولة لتسوية انتقالية تقوم على شراكة بين المدنيين والعسكريين. غير أن العسكريين امتلكوا السلاح والموارد وشبكات الدولة العميقة، بينما القوى المدنية دخلت المرحلة مثقلة بانقسامات وبخبرة تفاوضية متباينة، ودون اتفاق كافٍ على برنامج موحد لإعادة بناء الدولة. وبذلك انتقل الصراع من الشارع إلى مؤسسات انتقالية هشة، من دون تفكيك جذري لاقتصاد العنف ولا لإمبراطوريات المال والسلاح التي ترعرعت في عهد النظام السابق.

2. انفصام بين الشارع والقيادة

مع مرور الوقت شعر قطاع معتبر من قواعد الثورة باتساع المسافة: قرارات تُتخذ بقدر محدود من الشفافية، وتسويات فوقية لا تستوعب الشارع في تفاصيلها، وشعور متنامٍ بأن من جلسوا على كراسي السلطة الانتقالية، مدنيين وعسكريين، لا يجسدون بالكامل روح ديسمبر. هذا الانفصال سهّل على قوى الثورة المضادة استثمار التخويف من الفوضى، وتقديم انقلاب أكتوبر 2021 باعتباره «تصحيحًا للمسار» لدى بعض القطاعات، قبل أن تتكشف حقيقة الردة.


سادسًا: من الثورة إلى الحرب، حين انقلبت الدولة على المجتمع

حرب 15 أبريل 2023 لا تقف خارج السياق، فهي ثمرة مرّة لفشل حسم سؤال السلاح والدولة.

1. تعدد مراكز القوة المسلحة

في ظل التردد في إصلاح القطاع الأمني، ظل جهاز الدولة حاملاً أكثر من مركز قوة: جيش نظامي متشعب، قوة موازية نمت في الهامش ثم تصدّرت المركز، ومليشيات محلية وإقليمية ترتبط بهذا الطرف أو ذاك. وعندما انفجرت التناقضات بين هذه المراكز وجد المجتمع نفسه ساحة حرب بين أطراف يفترض فيها حماية الوطن.

2. الحرب بوصفها ذروة الثورة المضادة

ما كان يخشاه العقل الاستراتيجي وقع: من ثورة تطالب بمدنية كاملة، إلى انقلاب يعيد العسكر إلى الواجهة، إلى حرب تمزق المدن والريف وتستخدم التجويع والنزوح والعنف الجنسي أدوات في الصراع. انتهى تفويض البعثة الأممية المعنية بالانتقال، وتحوّل السودان في عيون العالم من «انتقال سياسي» إلى «صراع مسلح مفتوح». بهذا المعنى انتقلت الثورة المضادة من كسر شوكة الشارع إلى محاولة كسر ظهر المجتمع والدولة معًا.


سابعًا: كيف تعود الثورة؟ من شعار إلى برنامج للخلاص الوطني

السؤال الآن يتجاوز تقييم صواب الثورة، فقد أجابت دماء الشهداء عنه، ويتجه نحو كيفية استعادة روحها لتتحول إلى برنامج خلاص لا مجرد ذكرى.

الجواب يحتاج إلى استراتيجية مزدوجة المسار.

المسار الأول: إنقاذ المجتمع، وقف الحرب وحماية المدنيين

هذا واجب الوقت الأخلاقي والإنساني: وقف إطلاق نار قابل للمراقبة، لا بيانات شكلية، يتبعه فتح ممرات إنسانية وضمان أمن المدن والمعسكرات ووقف استهداف المدنيين في كل الجبهات. كما يحتاج إلى توحيد الصوت المدني في مطلب حماية الناس، بصرف النظر عن اختلاف البرامج السياسية، فالحد الأدنى هنا يمثل خط الدفاع الأول عن المجتمع. ويحتاج كذلك إلى ضغط إقليمي ودولي على رعاة الحرب، من يمول السلاح ويغض الطرف عن الانتهاكات ويستخدم السودان ساحة لتصفية الحسابات، حتى يدرك أن الكلفة السياسية والأخلاقية لن تكون سهلة. ويحتاج أخيرًا إلى توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة، حتى لا تضيع الحقوق، وحتى يعلم المتورطون أن العدالة قد تتأخر، لكنها تظل طريقًا مفتوحًا لا يمكن إغلاقه إلى الأبد.

المسار الثاني: إنقاذ الدولة، صياغة عقد سياسي جديد

من دون دولة راشدة، لن تجد أي هدنة أرضًا تقف عليها. لذلك تحتاج القوى المدنية الجادة، والنقابات المستقلة، ولجان المقاومة، والفاعلون الاجتماعيون، إلى الالتفاف حول برنامج حد أدنى يمكن تلخيصه في نقاط مترابطة: مدنية كاملة تنهي أي صيغة تجعل السلاح شريكًا حاكمًا، وقوات مسلحة قومية مهنية بعد تفكيك منظومة "الإخواسكرية" وهيكلة بنية القوات النظامية وإصلاحها تحت إمرة سلطة مدنية منتخبة. وإصلاح جذري لقطاع الأمن يقود إلى جيش واحد مهني يخضع للدستور والمساءلة، مع دمج أو حل كل التكوينات والقوات الموازية وفق معايير زمنية واضحة وبرامج نزع سلاح وإعادة دمج متفق عليها ومسنودة بخطط اقتصادية واجتماعية. وعدالة انتقالية سودانية الروح توازن بين كشف الحقيقة ومحاسبة كبار المسؤولين عن الجرائم وجبر الضرر وفتح باب المصالحة المجتمعية، بحيث لا تُبنى البلاد على النسيان ولا تُدار بثقافة الثأر. واقتصاد سلام يقطع مع اقتصاد الحرب، يخضع الموارد للشفافية ويعيد هيكلة المالية العامة ويوجه الاستثمار نحو الزراعة والرعي والصناعة المحلية والبنية التحتية في الأقاليم المهمشة، لأن أي تسوية تتجاهل شبكات التهريب والجبايات غير القانونية والشركات المرتبطة بالقوى المسلحة ستعيد إنتاج العنف بصيغ جديدة. ومواطنة تعاقدية ووحدة بالتنوع، عبر عقد جديد يمنح الأقاليم صوتها ومصلحتها، ويعترف بالتعدد الثقافي والديني واللغوي، ويجعل الانتماء للوطن أعلى من الانتماءات دون أن يلغيها.

هذا البرنامج ليس ترفًا فكريًا، وإنما ترجمة استراتيجية لشعار «حرية، سلام، وعدالة» في زمن الحرب.


ثامنًا: دروس المنهج، ما الذي تعلّمناه للمرة القادمة؟

العقل الاستراتيجي يحوّل الألم إلى معرفة. وتجربة ديسمبر بما تلاها تقدم دروسًا كبرى.

1. قوة الشبكات وحدودها

أثبتت لجان المقاومة والشبكات الأفقية أنها أكثر صمودًا أمام القمع وأكثر قدرة على ربط السياسة بالحياة اليومية. غير أن الانتقال إلى بناء دولة يحتاج، إلى جانب قوة الشبكات، قدرًا من المركز: قيادات منتخبة، ناطقين رسميين، وآليات تفاوض شفافة، حتى لا تُختطف الثورة باسم تمثيلٍ لا يخضع للمساءلة.

2. سلمية لا تعني السذاجة

السلمية خيار استراتيجي يرفع كلفة القمع ويحافظ على النسيج الاجتماعي. ومع ذلك، فإن حسن الظن المفرط يفتح ثغرات قاتلة، والتساهل في ملفات تفكيك بنية التمكين وإصلاح القطاع الأمني وضبط السلاح خارج الدولة يسمح للردة بالعودة. كل ثغرة في هذه الملفات تتحول إلى فتحة في جدار الثورة يدخل منها الانقلاب والحرب.

3. لا انتقال بلا تفكيك اقتصاد العنف

اقتصاد الحرب أخطر من الحرب ذاتها لأنه يبقى بعد صمت المدافع. شركات الظل والتجارة غير المشروعة وربط الامتيازات بالسلاح عناصر تُحوّل السلام إلى تهديد لمصالح مجموعات نافذة. إعادة بناء الاقتصاد على الشفافية وتوسيع قاعدة المستفيدين من التنمية واستعادة الموارد المنهوبة قضايا سياسية بقدر ما هي فنية، وهي شرط لبناء سلام قابل للبقاء.

4. ضرورة تجسير الفجوة بين القاعدة والقيادة

لجان المقاومة والنقابات والكيانات المهنية والشبابية تمثل رصيدًا واسعًا من الوعي، وتركها خارج دوائر القرار يصنع فجوة خطيرة. المطلوب عملية سياسية جديدة تعترف بهذا الرصيد وتبتكر صيغ تمثيل للقاعدة، عبر مجالس محلية أو ترتيبات قاعدية منتخبة أو آليات رقابة شعبية، حتى يشعر الناس أن العقد الجديد صُنع بأيديهم، لا فُرض عليهم من فوق.


تاسعًا: الثورة كعهد لا كموسم، كلمة أخيرة

من السهل رثاء ثورة ديسمبر وسرد بطولاتها ولعن خيانات الطريق ثم العودة إلى اليأس. الأصعب، والأشرف، حملها عهدًا لا موسمًا.

عهدًا مع أنفسنا: ألا نقدّس سلطة بعد اليوم، وألا نُضيّع دماء الشهداء في مساومات رخيصة، وألا نسمح باختطاف الوطن مرة أخرى بين فكي حزب واحد أو بندقية واحدة. وعهدًا مع هذا الوطن أن نراه وحدة في تنوع، لا غنيمة جهوية أو أيديولوجية، وأن نجعل من جراحه درسًا للإقليم والعالم: شعب قادر على تقديم نموذج في الجهاد المدني، وقادر على إعادة تأسيس الدولة بعد الحرب متى امتلك أدوات البناء وإرادة التماسك.

وثورة ديسمبر، رغم ما يحيط بها اليوم من حرب وجوع وتشريد، ما زالت تحتفظ في أعماق الناس بمخزون من الأمل والمعنى. هذا المخزون هو الطاقة الثورية الحقيقية، لا تُقاس بالمواكب وحدها، وإنما بإصرار الناس على أن هذا الوطن يستحق أفضل مما هو فيه، وبقناعتهم أن طريق الحرية والسلام والعدالة، مهما طال، يمثل الطريق الوحيد الذي يوصل.

ومن هنا يصبح السؤال ليس: هل انتهت الثورة؟ وإنما: متى نبلغ نضجًا يجعلنا نحولها من لحظة احتجاج إلى مشروع بناء؟ وذلك هو التحدي الأكبر لجيلٍ عاش ثورة وانقلابًا وحربًا في عقد واحد، وهو مطالب مع ذلك أن يؤمن أن الفجر، مهما تأخر، ممكن، وأن السودان، مهما نزف، قادر على النهوض متى اجتمعت حول ميثاقه قلوب صادقة، وعقول مجتهدة، وأيادٍ تبني ولا تهدم.

الأحد، 30 نوفمبر 2025

التحرّك الإريتري في السودان: بين عزلة أسياس وحسابات الرباعية ودور الرياض الحاسم

التحرّك الإريتري في السودان: بين عزلة أسياس وحسابات الرباعية ودور الرياض الحاسم


✍ عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لبورتسودان ليست مجرّد لفتة بروتوكولية لدعم حكومة الفريق عبد الفتاح البرهان؛ هي حلقة جديدة في شبكة معقّدة من الحسابات الإقليمية، والصراعات على البحر الأحمر، وإعادة تموضع نظام معزول يبحث عن منفذ نجاة في لحظة اهتزاز عميقة.

من يقرأ الخطوة كـ"زيارة مجاملة" يفوّت جوهر ما يجري؛ ومن يراها مجرد اصطفاف مع البرهان ضد الدعم السريع يغفل أن أسياس لا يرى السودان إلا من زاوية أمنه هو، وحدوده هو، وحساباته مع إثيوبيا والإمارات والفاعلين الجدد في البحر الأحمر.

● أولًا: أسياس … رئيس يتحرك كضابط مخابرات لا كقائد دولة؛ فالمعلومة الجوهرية اليوم أن أسياس صار يتحرك عمليًا مع دائرة ضيقة للغاية من ضباط المخابرات والحرس الرئاسي، بعيدًا عن مؤسسات دولته ووزاراته وأجهزته المدنية. هذا السلوك يكشف أمرين مهمّين:

1. طبيعة النظام في أسمرا: نحن أمام دولة تُدار كغرفة عمليات أمنية، لا كجهاز حكم حديث، والقرار يخرج من عقل واحد، عبر قنوات أمنية مغلقة، بلا نقاش مؤسسي ولا مراجعة سياسية.

2. طبيعة الانخراط في الملف السوداني: انخراط شخصي–أمني، لا رؤية دولة. بمعنى أن الذي يأتي لبورتسودان ليس "إريتريا الرسمية"، وإنما نظام أسياس بكل هواجسه وأحقاده وحساباته الصغيرة مع الجيران.

هذا النمط من الحركة يجعل أي تفاهم مع أسياس هشًّا بطبيعته؛ لأن قرار الدخول في المشهد السوداني، والخروج منه، والتصعيد أو التهدئة، مرتبط بمزاج رجل واحد، لا بمصالح متوافق عليها داخل مؤسسة حكم متوازنة.


● ثانيًا: ينطلق هذا التحرك من خاصرة البحر الأحمر إلى حساب مفتوح مع أبوظبي وأديس؛ إذ لا يمكن فهم زيارة بورتسودان دون وضعها في سياق شعور أسياس بأن أرضه الاستراتيجية استُخدمت ثم أُهملت، فالإمارات بنت سابقًا قاعدة عسكرية في ميناء عَصَب الإريتري لاستخدامها في حرب اليمن، ثم جرى تفكيكها مع إعادة ترتيب أوراق التحالفات في البحر الأحمر، بينما واصلت أبوظبي بناء شبكة قواعد وممرات في جزر يمنية واستراتيجية على خطوط الملاحة الدولية، من سقطرى إلى جزر أخرى في باب المندب، في إطار حضور عسكري–لوجستي واسع في البحر الأحمر وخليج عدن، وفي المقابل، تجد أسمرا نفسها اليوم أمام مشهد جديد:

أ. إثيوبيا التي سبق أن تحالفت معها ضد جبهة التيغراي تعود لتبحث عن ممرات بحرية وخيارات استراتيجية مستقلة عبر تفاهمات مباشرة مع السودان أو الصومال أو غيرهما.

ب. الإمارات تعيد تشكيل حضورها البحري من غير أن تعطي أسمرا نفس الوزن السابق، بعد أن استخدمت جغرافيتها في لحظة معينة ثم تجاوزتها.

هنا يتولد شعور مزدوج لدى أسياس: مرارة من التهميش، ورغبة في إثبات أن مفاتيح بعض ملفات البحر الأحمر لا تزال جزئيًا في يده. والسودان، في لحظته الراهنة، يبدو له ساحة مناسبة لإرسال هذه الرسائل:

1. رسالة إلى إثيوبيا: أنا قادر على الاقتراب من حدودك الغربية عبر بوابة السودان.

2. رسالة إلى الإمارات: تستطيعين دعم حلفائك في إثيوبيا أو أي طرف آخر، لكن لا تتجاهلي أن علاقتي بجغرافيا السودان قد تمنحني أوراق ضغط مقابلة.

● ثالثًا: تجسير أمني بين أسمرا وبورتسودان … وغياب كامل للقناة المدنية، فما يجري اليوم أن بعض ضباط المخابرات السودانيين يعملون بنشاط لتجسير العلاقة بين أسياس والبرهان؛ يقدمون أنفسهم بوصفهم "المستشارين الموثوقين" للرئيس الإريتري في الشأن السوداني، بل يروّج بعضهم صراحة أن أسياس لا يتحرك باتجاه السودان إلا بعد مشورتهم كـ "عبد العزيز دفع الله"، وهذه القناة – مهما بدت مفيدة للبعض تكتيكيًا – خطيرة استراتيجيًا لسببين:

1. تركيز التواصل على خط أمني–عسكري مغلق

العلاقة تُبنى اليوم بين:

أ. نظام أمني معزول في أسمرا،

ب. ومنظومة عسكرية–أمنية في بورتسودان تبحث عن سند إقليمي في مواجهة خصومها.

ج. لا وجود فعلي في هذه المعادلة لقوى الثورة، ولا للأحزاب المدنية، ولا للنقابات، ولا للفاعلين المجتمعيين الذين كانت لإريتريا معهم صفحات تعاون واحترام في مراحل سابقة.

2. فقدان أسياس لقنواته المدنية القديمة مع السودان، ففي فترات سابقة كانت هناك جسور بين أسياس وبعض القوى المدنية السودانية، من بينها حزب الأمة القومي في لحظات محددة من التاريخ، قبل أن تتعرض تلك الجسور للاهتراء بسبب ممارسات انشقاقات سياسية سودانية فتحت قنوات مع أطراف معادية لإريتريا، ومرّرت معلومات حساسة تتعلق بالجزر والترتيبات الأمنية.

نتيجة ذلك أن أسياس اليوم فقد الثقة في معظم الفاعلين المدنيين السودانيين، واختصر تعامله في الخط الرسمي الذي يمثله البرهان وأجهزته. وهذا أمر بالغ الخطورة؛ لأنه يعني عمليًا أن الرواية الوحيدة التي تصله عن السودان هي رواية السلطة الانقلابية، بلا موازنة من أي طرف مدني أو ثوري.


● رابعًا: ماذا يريد أسياس من البرهان … وماذا يريد البرهان من أسياس؟

من جهة أسياس: 

- يريد نافذة على البحر الأحمر عبر تحالف معلن مع سلطة واقع في السودان تمنحه دورًا في ترتيبات الأمن البحري والحدودي.

- يريد ورقة ضد إثيوبيا، يلوّح بها كلما تصاعدت مطالب أديس بالحصول على منفذ بحري أو تزايدت تحالفاتها مع دول الخليج.

- يريد القول للعواصم الإقليمية: "لا تزال لدي قدرة على التأثير في مسرح الساحل–القرن الأفريقي–البحر الأحمر، فلا تتجاوزوني في الحسابات".

من جهة البرهان:

- يريد كسر شيء من العزلة عبر اصطفاف مع نظام يقدّم نفسه لاعبًا صلبًا في الأمن الإقليمي.

- يريد رسالة إلى الإمارات تحديدًا، التي تُتهم بدعم خصومه في الساحة السودانية، بأن له بدائل في الإقليم، وأن بإمكانه الانفتاح على محور مختلف.

- يريد استخدام إريتريا كعمق استخباري وحدودي في مواجهة تحركات الدعم السريع في بعض المساحات المتاخمة، أو في ملفات التهريب والسلاح والذهب.


لكن هذه المصالح المتبادلة – مهما بدت مغرية لبعض دوائر السلطة – تحمل في طياتها مخاطر عالية على السودان: إذ تعمّق عزلته عن محيطه المدني والإقليمي المتوازن، وتربطه أكثر بنظام يعاني هو نفسه من عزلة تاريخية وعقوبات وانعدام ثقة دولية.


● خامسًا: أين الرباعية؟ ولماذا السعودية بالذات هي محور التوازن؟

الرباعية المعنية بالملف السوداني – بصيغتها المتغيرة التي تضم الولايات المتحدة والسعودية، ومعهما الإمارات ومصر في ترتيبات أوسع – تتحرك منذ سنوات بين مسارات تفاوض سياسي، وضغوط لوقف إطلاق النار، وترتيبات إنسانية وأمنية على ضفتي البحر الأحمر .


في هذا السياق، تمثل المملكة العربية السعودية نقطة ارتكاز لا غنى عنها لعدة أسباب:

أ. هي الدولة الخليجية الأثقل حضورًا على ساحل البحر الأحمر، من شماله إلى جنوبه.

ب. قادت مبادرة "مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن"، الذي ضم السعودية ومصر والسودان وإريتريا ودولاً أخرى، بهدف تنسيق الأمن والتنمية في هذا الممر الحيوي .

ج. تمتلك علاقات مع كل أطراف المعادلة: الخرطوم، أسمرا، أبوظبي، القاهرة، واشنطن.

هنا تكمن اللحظة الحرجة:

- إذا تركت الرباعية – والسعودية في قلبها – التحرك الإريتري يسير بلا ضوابط، فقد نجد أنفسنا أمام:

- محور صغير (أسياس–البرهان وبعض عواصم متعاطفة) يعمل كـ"مُعطّل" لمسارات السلام،

- استقطاب جديد على البحر الأحمر يضيف طبقة توتر فوق التوتر القائم أصلًا بفعل حرب السودان، وحرب اليمن، وهجمات الحوثي على الملاحة .

أما إذا تحركت الرياض بذكاء، فإن بإمكانها تحويل هذا الانخراط الإريتري من عامل تفجير إلى عامل تقييد وضبط، بشرط:

- ربط أي دور إريتري في السودان بالتزامات مكتوبة وواضحة بعدم التصعيد العسكري، وعدم تقديم دعم يطيل أمد الحرب.

- فتح قنوات موازية بين أسمرا وقوى مدنية سودانية موثوقة، لكسر احتكار رواية البرهان عن الداخل السوداني.

- توظيف أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية المرتبطة بمجلس البحر الأحمر وبالحضور العربي في القرن الأفريقي، لدفع أسياس نحو أدوار أقل حدّة وأكثر التزامًا بالشرعية الدولية.


● سادسًا: المخاطر الاستراتيجية على المستقبل السوداني

الخطر الأكبر في الانخراط الإريتري على النحو الحالي لا يكمن فقط في دعم مباشر أو غير مباشر لمعسكر البرهان، بل في نمط تفكير إذا ترسّخ سيعيد إنتاج أزمات السودان في صورة أكثر تعقيدًا:

- أن يُبنى الأمن القومي السوداني على تحالفات مع أنظمة معزولة ومأزومة، لا مع دول مستقرة تسند خيار السلام والتحول المدني.

- أن تتحول الحدود الشرقية إلى ساحة تعاملات أمنية مغلقة، بدل أن تكون فضاءً لتكامل اقتصادي وثقافي مع إريتريا والشعوب المجاورة.

- أن يُستدرج السودان إلى صراعات محاور البحر الأحمر كأداة في يد الآخرين، لا كطرف يفرض أجندته الوطنية ويضبط إيقاع علاقاته وفق مصالحه هو.

من زاوية أخرى، استمرار قطيعة أسياس مع القوى المدنية السودانية يعني عمليًا خسارة فرصة ثمينة لالتقاط لحظة تحول تاريخية كان يمكن لإريتريا أن تكون فيها شريكًا في بناء نموذج جديد للأمن الإقليمي قائم على:

أ. احترام التحول الديمقراطي في السودان،

ب. دعم وحدة ترابه عبر سلام عادل لا عبر تحالف مع سلطة أمر واقع،

ج. بناء منظومة أمن بحري مشتركة لا تُختطف لصالح نظام أو ميليشيا.

● سابعًا: ما العمل؟ خطوط أولية لاستراتيجية سودانية–إقليمية رشيدة

من زاوية سودانية وطنية، ومن منظور استراتيجي أوسع، يمكن رسم بعض الخطوط العامة:

- استعادة المبادرة المدنية في مخاطبة أسمرا؛ وعلى القوى المدنية السودانية – أحزابًا وتجمعات مهنية ولجان مقاومة ومنظمات – أن تبتكر قنوات جديدة مع الجانب الإريتري، مباشرة أو عبر وسطاء، لإيصال رواية مختلفة عن السودان، غير الرواية التي يحتكرها العسكر والأمن.

- تنبيه الرباعية إلى خطورة ترك الساحة لأجندات ثنائية ضيقة، والرسالة ينبغي أن تكون واضحة: أي دعم غير مشروط لمحور عسكري–أمني في السودان، أو لأي دور إقليمي يزيد من تعقيد الحرب، سيقوّض مستقبلاً جهود السلام التي تقول الرباعية إنها تتبناها.

- دعوة السعودية لدور قيادي متوازن؛ فعلى الرياض أن توظّف مكانتها في البحر الأحمر، وعلاقاتها بكل الأطراف، لتكون جسرًا نحو حلّ، لا ساحة لصراع محاور جديدة، وهذا يعني:

أ. إدماج إريتريا في رؤية إقليمية شاملة لأمن البحر الأحمر،

ب. ربط أي مكاسب أو تسهيلات تحصل عليها أسمرا بالتزامها بدعم السلام في السودان لا الحرب،

ج. حماية المسار السوداني من أن يُختطف لحسابات ثأرية بين دول الجوار.

4. ترسيخ مبدأ أن السودان ليس منصة لتصفية حسابات الآخرين، وأن هذه الحرب أكدت أن ترك أبواب البلاد مشرعة أمام أجندات الخارج حوّل السودان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.

التحرك الإريتري اليوم اختبار جديد: إما أن نكرّر الخطأ، أو نضع – لأول مرة – سقفًا وطنيًا واضحًا: من أراد أن يتعامل مع السودان، فليتعامل وفق مشروع سلام وانتقال مدني، لا وفق حسابات ثأرية مع جاره.


● ختاما: في المحصلة نجد أن زيارة أسياس لبورتسودان ليست حدثًا معزولًا، بل مرآة لثلاث أزمات متداخلة:

- أزمة نظام إريتري يبحث عن دور بأي ثمن،

- أزمة سلطة سودانية تسعى لأي سند ولو كان على حساب المستقبل،

- وأزمة منظومة إقليمية لم تحسم بعد ما إذا كانت تريد سودانًا مستقرًا مدنيًا، أم ساحة مفتوحة لإعادة تدوير صراعاتها.

المعادلة التي ينبغي الدفاع عنها اليوم – سودانيًا وإقليميًا – بسيطة وعميقة:

لا أمن في البحر الأحمر بلا سلام في السودان، ولا سلام في السودان بلا انتقال مدني حقيقي، ولا انتقال مدني حقيقي إذا تُرك مصير البلاد رهينة صفقات غرف المخابرات على ضفتي الحدود.


الخميس، 27 نوفمبر 2025

الحقيقة وراء الحرب في السودان: تفنيد رواية البرهان وكشف المستور`

`الحقيقة وراء الحرب في السودان: تفنيد رواية البرهان وكشف المستور`
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
مقدمة:
في مقاله المنشور بصحيفة وول ستريت جورنال بعنوان "حقيقة الحرب في السودان"، حاول قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إعادة رسم صورة الحرب المدمّرة التي يشهدها السودان. قدّم البرهان نفسه وجيشه كـ"دولة شرعية" تخوض معركة ضد "ميليشيا متمردة مدعومة خارجياً"، وزعم التزامه بالسلام والديمقراطية بعد تحقيق النصر. لكن خلف هذا الخطاب المنمّق تكمن حقيقة مُغايرة تماماً: حقيقة حرب أشعلتها قيادات عسكرية خائنة للشرعية، وقودها شعبٌ يتوق للحرية، وضحيتها وطنٌ تمزّقه مؤامرة الدولة الموازية واقتصاد الحرب. في هذا المقال نفنّد رواية البرهان خطوةً بخطوة، وننسف أطروحته الزائفة نسفاً يدمّر أركانها، مستندين إلى وقائع التاريخ القريب والبعيد، وإلى "الوثيقة القومية لإدانة القوات المسلحة السودانية" التي توثّق قرناً من الخيانة والانتهاكات. الهدف ليس مجرد الجدل الإعلامي، وإنما إيقاف التلاعب بالحقائق وإسقاط القداسة الزائفة عن مؤسسةٍ احترفت إراقة الدم واحتكار السلطة على حساب الوطن.

سنستعرض فيما يلي سبع ركائز أساسية لدحض مقالة البرهان بالحجج الدامغة: من انتقائية روايته لجذور الحرب، مروراً بتغطيته على الدولة العميقة داخل الجيش، ثم التناقض الفاضح بين خطابه وممارساته، واستجدائه الغرب بشعارات الإرهاب والتطبيع، وصولاً إلى اختزاله الحل في تفكيك ما أسماه "ميليشيا" واحدة وتجاهله العدالة الشاملة، وتغييب صوت الشعب السوداني، قبل أن نطرح المعادلة الحقيقية للسلام في السودان. كل ذلك بلغةٍ صريحةٍ لا تعرف المجاملة، وبمصطلحات جريئة تعكس وعياً سودانياً متجدداً لا يقبل بعد اليوم أن يُخدع بشعارات جوفاء أو وعود تصدر من فوهة البندقية.

انتقائية رواية الحرب وإخفاء جذورها
يُصوِّر البرهان في مقاله أن الحرب الحالية بدأت فقط بسبب "تمرّد قوات الدعم السريع" في أبريل 2023م، متجاهلاً عمداً السياق الأعمق وجذور الصراع الحقيقية. هذه السردية الانتقائية تُخفي ثلاث حقائق جوهرية:
شراكة الانقلاب وتقاسم المسؤولية: الجيش وقوات الدعم السريع كانا شريكين في السلطة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021م الذي قاده البرهان نفسه وحميدتي معاً. فقد أطاحا معاً بالحكومة الانتقالية المدنية، وحنثا بتعهداتهما للشعب والثورة. بعبارة أخرى، لم تكن الحرب بين دولة وميليشيا منذ البداية، ولكنها بين شريكين في انقلاب على الشرعية؛ تصارعا لاحقاً على السلطة والنفوذ. إن تصوير الجيش كـ"طرف شرعي وحيد" يتناسى أن البرهان جاء إلى موقعه بقوة الدبابة، تماماً كخصمه – كلاهما سعى لاحتكار السلاح والموارد والشرعية بعد أن انقلبا سوياً على السلطة المدنية.

رفض إخضاع السلاح لسلطة مدنية: قبل اندلاع الحرب بفترة، كانت هناك عملية سياسية بدعم دولي لتوحيد القوات المسلحة وإخضاعها لسلطة مدنية منتخبة وفق اتفاق "إطار 2022". هذا الاتفاق نصّ على دمج قوات الدعم السريع في الجيش خلال زمن محدد، وعلى إصلاح المنظومة الأمنية لتكون تحت قيادة مدنية. لكن الحقيقة أن كلا جناحي المنظومة العسكرية (الجيش والدعم السريع) قاوموا بشراسة أي إصلاح يحدّ من نفوذهم. البرهان وحميدتي كلاهما ناورا لكسب الوقت، وتحالف كل منهما مع بقايا النظام البائد لضمان امتيازاته. نقطة الانفجار الحقيقية لم تكن مجرد تمرد من حميدتي، ولكنها كانت رفضاً متبادلاً من جنرالات العسكر – بوجهيهم – لفكرة الجيش الواحد تحت سلطة الشعب وهو الأمر الذي عدل عنه واعتذر عن خطيئته قائد الدعم السريع.

جذور الصراع في عقود من خيانة الديمقراطية: إذا وسّعنا عدسة النظر، نجد أن هذه الحرب ليست إلا حلقة أخيرة في مسلسل الانقلابات العسكرية التي دمرت الديمقراطية السودانية على مدى عقود. فمن انقلاب الفريق عبود 1958 مروراً بنميري 1969م ثم البشير 1989م وصولاً إلى انقلاب البرهان 2021م – في كل مرة كان الجيش هو العدو الأول للشرعية المدنية والخصم المباشر لتطلعات الشعب. كل تجربة حكم مدني أطاح بها العسكر إما بانقلاب مباشر أو بوضع العراقيل حتى تنهار الشرعية، ثم يأتون كـ"منقذين". إذن، من يختزل جذور الحرب الحالية في تمرّد ميليشيا يتلاعب بالحقائق؛ فالحرب ولدت يوم خان العسكر قسمهم وانقلبوا على الثورة والمرحلة الانتقالية، لا يوم تحرّك الدعم السريع وحده.
وفي هذا السياق لا يمكن إغفال مسؤولية العسكر عن تراكم الأزمات الوطنية التي انفجرت في وجه الجميع. طوال عهد الانقاذ (1989م-2019م) وبعده، أهملت السلطة العسكرية التنمية وركزت موارد الدولة في يد الأجهزة الأمنية على حساب رفاه الشعب. نهب اقتصاد البلاد وتجويع العباد وصناعة الفقر والتخلف كانت كلها وصفات طبخها العسكر على نار هادئة عبر عقود. وعندما اندلع نزاع 2023م، كان حصاد هذه السياسات هو دولة هشة مرهقة، وشعب محروم، وهامش يغلي غضباً. فلا يدّعي البرهان أن جيشه "حامي الوطن" بينما أفعاله هي التي أضعفت الوطن حتى صار مرتعاً لصراع دامٍ. "من يزرع الريح يحصد العاصفة"، والعسكر زرعوا فساداً وقهراً فحصد السودان حرباً وخراباً وفوق ذلك الهشيم والرميم والحصرم.
لذلك فإن  البرهان بتجاهله المتعمّد لدوره ودور رفقائه في إشعال فتيل الأزمة، يحاول إعفاء نفسه من المسؤولية التاريخية. الحقيقة الواضحة أن الجيش النظامي وقوات الدعم السريع كلاهما مسؤولان عن إدخال البلاد في دوامة حرب السلطة. حديث البرهان عن "تمرد الميليشيا" فزاعة يخفي خلفها أن تمرّده هو الآخر على الشرعية سابق لهذا التمرّد، وأنه لولا انقلاب 2021م لما وجد السودان نفسه أصلاً على حافة الهاوية في 2023م، ومن يختزل القصة إلى مشهد واحد يقتطع الفصل الأهم من الرواية – فصل الخيانة الكبرى للديمقراطية التي ارتكبها البرهان نفسه قبل حميدتي.

"فرية الدولة في مواجهة الميليشيا": قناعٌ لتغطية الدولة الموازية
يرفع البرهان شعار "الدولة ضد الميليشيا" ليكسب تعاطفاً دولياً، مصوراً الجيش على أنه المؤسسة الوطنية الشرعية المدافعة عن النظام والقانون وهو الخديعة التي زينها له المصرييون ولا زالوا يدعمونه على هذه الأساس. لكن هذه الصورة تتجاهل واقع الحال داخل مؤسسة الجيش نفسها. فحين ينظر السودانيون اليوم إلى القوات المسلحة، لا يرون جيشاً قومياً محترفاً خاضعاً لدولة القانون، وإنما يرون نظاماً موازياً مترسخاً داخل ثنايا الدولة: دولة عميقة إسلاموية واقتصاد خفي وشبكات مصالح وتطرف ديني وقبلي مسلّح تقوده قيادات الجيش نفسها. بكلمات أخرى، حين يقول البرهان "دولة vs مليشيا"، فهو يخفي أن دولته ذاتها تحوي عدة ميليشيات وأجهزة قمعية خارج القانون، وأن جيشه مخترق بأجندة الإسلاميين الذين عادوا بقوة بعد انقلاب 2021م، وفيما يلي بعض الحقائق التي يفشل البرهان في ذكرها:

عسكرة مؤسسات الدولة: منذ عقود والجيش يلتهم مؤسسات الحكم المدني قطعةً قطعة. بعد انقلاب البشير 1989م تشكّلت دولة المخابرات والمليشيات، ثم ترسّخت أكثر بعد انقلاب 2021م حين أعاد البرهان فلول النظام القديم إلى مفاصل الدولة. وتتحكم المؤسسة العسكرية اليوم بالبنك المركزي والموانئ والمطارات والوزارات السيادية، وتبتلع شركاتُ الجيش القطاعاتِ الحيوية كالتعدين والاتصالات والنقل والزراعة. لقد ابتلعت المؤسسة العسكرية الدولة حتى كادت تكون هي الدولة؛ فأي دولة "شرعية" هذه التي يتحدث عنها البرهان وهي مختطفة بالكامل بيد جنرالاته؟
اقتصاد حرب وفساد بنيوي: الجيش السوداني لم يعد مجرد قوة قتالية، ولكنه استحال لإمبراطورية اقتصادية طفيلية تسيطر على ثروات البلاد دون حسيب أو رقيب. تحت ستار "شركات الجيش" تدير القيادات العسكرية أنشطة تجارية هائلة ومعادن نفيسة وأصولاً عقارية داخل السودان وخارجه. تُستخرج الذهب والمعادن من باطن الأرض لصالح جيوب الجنرالات، وتذهب عائدات بيعها إلى حسابات سرّية بدل خزينة الدولة. فنشأت طبقة من الجنرالات الأثرياء يعيشون في أبراج عاجية من الثراء الفاحش ويقتاتون من تجارة الحرب والبشر والمخدرات والممنوعات ويستمتعون بامتيازات السلطة، بينما المواطن يعاني الفقر والجوع. هذه الطبقة الفاسدة هي التي يطلب البرهان من الشعب الوثوق بها كـ"ركيزة الدولة"! والحال أنه لا فرق جوهري بين أمراء الحرب في الميليشيات وأمراء المال في الجيش؛ فكلاهما يغتني على أشلاء الوطن.

تحالف الجيش مع المليشيات الإسلامية: يتناسى البرهان تماماً ذكر الدور الخفي لمجموعات العنف المرتبطة بالجيش نفسه. فداخل القوات المسلحة تتوغل كتائب الظل وفرق الأمن الشعبي الجهادوية التي أنشأها النظام البائد وغذاها البشير من دماء الشعب لحمايته، هذه تشكيلات عقائدية مسلحة خارجة عن أي رقابة مدنية، تم إحياؤها بعد انقلاب البرهان 2021م لتكون حزام أمان للنظام العسكري. أضف إلى ذلك ميليشيات قبلية يجري تسليحها علناً تحت لافتة "الدفاع عن الأحياء" والمقاومة الشعبية ونحوها، وتحريض ديني من دعاة متطرفين يباركون استمرار الحرب كـ"جهاد". إذاً عن أي دولة قانون يتحدث البرهان وجيشه يعج بالمليشيات الموازية؟ لا يمكن لعاقل أن يرى منظومة تفتح باب الاستنفار القبلي والديني والجهوي وتسليح المدنيين والطيران الذي يقصف المدن، ثم يصدق أنها "جيش نظامي محترف" بمواجهة "ميليشيا خارجة عن القانون". الحقيقة أن السودان اليوم يعاني من ميليشيات متعددة الوجوه:  ما صنعه النظام المباد من جهة، وكتائب الإسلاميين ومرتزقة الأجهزة الأمنية من جهة أخرى، وجميعها تغذي دائرة العنف. لكن البرهان يريدنا أن نرى ميليشيا الآخرين فقط كي نغض الطرف عن ميليشياته هو!

تغييب الدور السياسي للإسلاميين: مقال البرهان يخلو تماماً من أي ذكر لدور الحركة الإسلامية التي ظل يأوي أمينها العام المدعو علي كرتي في بيت الضيافة ويسخر له فرق الحماية والتمويل والتحرك، والتي هيمنت على قرار الجيش منذ ثلاثين عاماً ولا تزال. يوهمنا وكأن الجيش يتحرك في فراغ سياسي صرف، بينما يعلم السودانيون أن عقلية الانقلاب ورفض الحكم المدني متجذرة في التحالف التاريخي بين العسكر والإسلاميين. لذلك فإن أي حديث عن "دولة" مقابل "ميليشيا" يتجاهل هذه الحقيقة هو حديث منقوص ومضلل.  لأن الدولة المخطوفة ليست دولة الشعب، وإنما دولة تيار أيديولوجي متطرف يستخدم الجيش واجهة حكم. فهل يريد البرهان سلاماً واستقراراً حقاً؟ الطريق لذلك يبدأ بتحرير الجيش نفسه من قبضة الإسلامويين وفلول النظام القديم. أما ترديد أسطوانة "الجيش vs مليشيا" من دون الاعتراف بوجود دولة عميقة داخل الجيش، فهو محاولة وقحة لتبييض صورة المؤسسة العسكرية أمام العالم.
باختصار لا يمكن منح الجيش شيكاً على بياض باعتباره ممثل الدولة الشرعية بينما بنيته ذاتها مختطفة وغير شرعية. من يريد أن يتحدث باسم دولة القانون والمؤسسات عليه أولاً أن يطبّقها على نفسه: أن يخضع الجيش للمساءلة والشفافية، وأن يفتح دفاتره المالية للفحص، وأن ينهي اقتصاد الظل، ويحل الميليشيات الحليفة له، ويطرد تجار الدين والحرب من صفوفه. وهذا بالضبط ما لا يرغب البرهان في فعله ولن يفعل، لأنه يعرف أن تفكيك الدولة الموازية داخل الجيش يعني تفكيك سلطة الجنرالات التي يتزعمها. إذن هو يصرخ "ميليشيا! ميليشيا!" كي يشتت الأنظار عن وحشٍ آخر أشد خطراً تربى في حضن المؤسسة العسكرية نفسها.

التناقض الفاضح بين الخطاب والممارسة على أرض الواقع
يعلن البرهان في مقاله: "دعوني أكون واضحاً: إنّ السلام الحقيقي في السودان لن يتحقق عبر النصر العسكري وحده. يجب أن يقوم على الديمقراطية وسيادة القانون وحماية حقوق شعبنا". ويؤكد أن الجيش "ملتزم بالانتقال إلى الحكم المدني... فشعبنا يستحق فرصة اختيار قادته". كلمات رنانة بالفعل – لكنها تصطدم بواقع مغاير تماماً ترسمه أفعال البرهان وقراراته منذ اندلاع الحرب. وهنا يبرز التناقض الصارخ بين ما يسوّقه في الإعلام الغربي وما يفعله فعلياً داخل السودان:
رفضه أي عملية تفاوض جادة: فعلياً، يرفض البرهان وحلفاؤه أي مسار سلام حقيقي مع الطرف الآخر. منذ اليوم الأول للحرب، استبعدوا خيار الحل السياسي، واعتبروا كل دعوة إلى وقف إطلاق النار أو هدنة إنسانية نوعاً من الخيانة ووصمونا بكل قبيح. هاجم البرهان علناً جهود الوسطاء الإقليميين والدوليين – من مبادرة جدة السعودية الأمريكية واتفاق المنامة ومساعي جنيف الإنسنية ودور دول جوار السودان المجهض، وصولاً لمساعي الاتحاد الإفريقي وإيقاد. بل وصل الأمر إلى التهجم على دول "الرباعية" واتهامها بالانحياز لأنها دعت لوقف الحرب. كل هذا يكشف أن حديث البرهان عن السلام في الصحيفة الأمريكية ليس سوى قناع ليحسن صورته دولياً، بينما نهجه الفعلي هو المضي في الحرب حتى آخر طلقة. فمن يخشى السلام الحقيقي يزايد بالسلام الوهمي على صفحات الجرائد بقيمة مدفوعة.

الإصرار على الحسم العسكري وتوسيع دائرة العنف: يقول البرهان "لن يتحقق السلام عبر النصر العسكري وحده"، لكن سلوكه يجزم أنه لا يؤمن إلا بالخيار العسكري. فلم يتورع جيشه عن قصف المدن المكتظة بالمدنيين بالطائرات والمدفعية الثقيلة بشكل يومي منذ أبريل 2023م، فالخرطوم وأم درمان والفاشر ونيالا تشهد دماراً رهيباً بفعل صواريخ وقنابل القوات المسلحة، التي يفترض أنها "تحمي الشعب"! لقد تم تهجير الملايين من مناطقهم، وسُوّيت أحياء بكاملها بالأرض، وسقط آلاف المدنيين قتلى وجرحى – وكل ذلك بقرار من قيادته العسكرية التي اختارت سياسة الأرض المحروقة كديدم موروث من نظام البشير الذي فصل به جنوب السودان وحرق به دارفور والمنطقتين،  فأين هو حرص البرهان على "حماية حقوق شعبنا" الذي يتحدث عنه؟ أحقاً يظن أننا نصدق ازدواجيته: يدمرنا بالقنابل ثم يعدنا بالديمقراطية؟ إن من يزرع الموت في بلاده لا يمكن أن يجني منها سلاماً حقيقياً.

قمع أي صوت معارض أو مستقل: خلال الحرب، أطلق البرهان وحاشيته العنان لأجهزة الأمن وفلول النظام المباد ليصفّوا حساباتهم مع كل صوت معارض. اعتقالات تعسفية، اختفاءات قسرية، تعذيب للمعتقلين، اغتيالات لرموز ثورية ومدنية، وترهيب عبر الإعلام الموالي – هذه وقائع ثابتة في الأشهر الماضية. كل من يجاهر بموقف ضد الحرب أو ينتقد انتهاكات الجيش يُتهم فوراً بالخيانة ويتعرض للأذى. عشرات الناشطين والصحفيين والمدنيين اختطفوا أو قتلوا أو اختفوا على أيدي أجهزة الأمن والميليشيات الموالية للجيش منذ بدء الحرب. أيّ انتقال ديمقراطي هذا الذي "يلتزم" به البرهان بينما يكمم أفواه الشعب الراغب في السلام العادل؟ إننا نشهد عملياً إعادة إنتاج لذات أساليب القمع القديمة لكن تحت غطاء الحرب هذه المرة. وهذا يفضح كذب الشعارات التي يبيعها البرهان للخارج.
تحويل الحرب إلى حملة أيديولوجية: بدل أن يعترف البرهان بأن هذه حرب على السلطة والثروة، ترك الباب مفتوحاً أمام حاضنته الإسلاموية لتحويلها إلى حرب جهادوية مقدسة. سمعنا مفتي الديار التابع للنظام يدعو الشباب لـ"الجهاد" ويصف المعركة بأنها بين معسكر الإيمان والكفر وهو ذات التحريض الذي رمى إليه أئمة الضلال أمثال عبد الحي يوسف، وسمعنا قادة مليشيات قبلية يتحدثون عن الحرب بلغة التطهير العرقي، كل ذلك بتواطؤ رسمي من قيادة الجيش التي لم تُدِن هذه التعبئة الخطيرة بل شجّعتها. فهل هكذا تبنى "سيادة القانون وحماية الحقوق" التي يتشدّق بها البرهان؟ أم أنها سيادة شريعة الغاب وحماية كرسي الحكم بأي ثمن؟
باختصار شديد خطاب البرهان عن الديمقراطية والسلام هو دعاية سياسية موجّهة للخارج، بينما ممارساته على الأرض تعكس عقيدة الحرب الشاملة ورفض التسوية. إن ما يريده فعلاً ليس السلام القائم على المشاركة والعدالة، بل الاستسلام التام لخصومه تحت وابل النيران. أما وعوده بالديمقراطية فمجرد سراب يُلوّح به كي ينال شرعية دولية ويستدر عطف العواصم الغربية، دون أي نية حقيقية لترجمته إلى واقع. لقد خبر السودانيون البرهان جيداً: ففي 2019م أقسم وتعهّد بتسليم السلطة ثم غدر، وفي 2021م وقّع اتفاقاً سياسياً ثم انقلب عليه، وفي 2023م قال إنه يقبل الهدنة ثم تهرّب منها بعد خروجه من حصار القيادة العامة. هذه السلسلة من النكوص تكفي لتجعلنا ندرك أن حديثه اليوم عن "الانتقال المدني" ليس سوى كذبة جديدة بحروف إنجليزية هذه المرة. ومن يخدع شعبه مرة لا يمكن أن يصدقه العالم مرتين.

مغازلة الغرب بشعارات مكافحة الإرهاب وورقة التطبيع
خاطب البرهان المجتمع الدولي في مقاله بخطاب موجه بعناية: تبنّى لهجة "نحن وإياكم في خندق واحد ضد الإرهاب والفوضى". أشار إلى انضمام السودان لـ "الاتفاقات الإبراهيمية" عام 2021م، ملمحاً لدوره في التطبيع مع إسرائيل ضمنياً لأنه الرئيس الذي يحسب أنه قابل رئيس وزراء ووزير خارجية إسرائليين وفتح لهم مواعين التسليح السرية والاستراتيجية. وذكّر بموقف قوات الدعم السريع العدائي تجاه الأمريكيين – كهجوم على موكب دبلوماسي أمريكي ومقتل موظف سفارة في احتجاز لدى الدعم السريع. كما أشاد بتصريحات المسؤولين الأمريكيين (وزير الخارجية روبيو) التي وصفت الحرب بوضوح كتمرد "ميليشيا" ودور خارجي داعم لها. الرسالة من كل ذلك واضحة: "نحن أيها الغرب شركاؤكم في الحرب على الإرهاب والتطرف، ونحن من اختار السلام مع إسرائيل، فأدعمونا في سحق أعدائنا (الدعم السريع ومن خلفه)". هذه المغازلة السياسية تحمل في طياتها العديد من الإشكاليات:
مقايضة العدالة بالأمن: البرهان يطرح معادلة فاسدة مفادها: أمنكم مقابل صمتكم. فهو يقول للأمريكان والأوروبيين ضمناً: تغاضوا عن جرائمنا وانتهاكاتنا، وسنكون حلفاء لكم ضد خصومكم الإقليميين والإرهابيين. وهذا تكرار لصفقات عرفتها المنطقة لعقود شبيهة بتسلم كارلوس وطرد بن لادن وإنهاء العلاقة مع طهران ونحوه، حين دعمت قوى دولية أنظمة ديكتاتورية مقابل خدمات أمنية أو سياسية. لكن هذه الصفقات ثمنها فادح على الشعوب واستقرار الدول. إن استقرار السودان وأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي لن يتحقق عبر دعم طرف عسكري متورط في التطهير العرقي والقمع الواسع، ولكن عبر معالجة جذور الأزمة وبناء حكم مدني شرعي. البرهان يريد إقناع الغرب بأن ما يجري ليس صراعاً على السلطة بين جنرالين بل حرب ضد الإرهاب، لكن الحقائق تقول غير ذلك: نعم هناك مخاطر إرهاب في الإقليم، لكن أحد أكبر أسبابها هو وجود أنظمة قمعية تفرز العنف والتطرف. إذاً دعم الجيش السوداني الأصولي في هذه الحرب بحجة محاربة الإرهاب يشبه إطفاء النار بالبنزين.
التطبيع لاسترضاء واشنطن: يفاخر البرهان بأنه بادر لخطوة "تاريخية" بالانضمام لاتفاقات إبراهيم (التطبيع مع إسرائيل)، باعتبارها دليل أنه يسير في فلك السلام والتعاون الإقليمي. لكن ما لم يذكره هو أن هذه الخطوة فُرضت من العسكر على الشعب دون تفويض شعبي. لقد عقد البرهان لقاءات سرية مع قيادات إسرائيلية منذ 2020م، ثم دفع نحو التطبيع علناً بعد انقلاب 2021م مقابل صمت إسرائيل عن تقويض النظام المدني في السودان، وكل ذلك جرى دون شفافية أو مشاركة من القوى المدنية السودانية. بل إن غالبية الشعب السوداني وقواه الحية كانت رافضة لربط التطبيع بأي مكاسب آنية للنظام العسكري. فالتطبيع بحد ذاته قضية خلافية داخل السودان، لكنها استخدمت كسلعة للبيع والتركيع  والتقطيع: باعها العسكر طمعاً في رضا واشنطن التي جعلتها شرطاً لشطب السودان من قائمة الإرهاب وفتح أبواب الدعم الاقتصادي. المفارقة أن البرهان الذي يدّعي احترام إرادة الشعب، تجاهل تماماً مزاج الشارع السوداني وتوجهات الدولة السودانية التاريخية المؤيدة لحقوق الفلسطينيين عندما هرول للتطبيع. حتى اليوم لا يوجد برلمان أو إجماع وطني يضفي شرعية على ذلك، فهي صفقة فوقية أملتها حسابات بقاء النظام الانقلابي. وبالتالي استشهاد البرهان بها كإنجاز سلام هو محاولة رخيصة لكسب نقاط لدى صانعي القرار الأمريكيين والإسرائيليين واللوبي الصهيوني الذي ينتمي إليه صاحب الصحيفة موردخاي، بينما يعرف السودانيون أن هذا التطبيع بلا سند شعبي حقيقي.
عدو عدوي صديقي: يصنّف البرهان خصومه (الدعم السريع وحلفاءه) كأعداء لأمريكا والغرب، فيتبنّى سردية "الميليشيا الشريرة المدعومة من أطراف خارجية شريرة". لا شك أن هناك دعماً أجنبياً لصالح الدعم السريع – هذا واقع معلن – لكن البرهان يحاول بذلك جرّ الغرب لتبني موقفه بالكامل. إنه يقول لهم: أنتم أيضاً مستهدفون، فساعدوني لأحميكم وأحمي نفسي. هذا الابتزاز الأمني قد يستهوي بعض الدوائر، لكنه يتجاهل أن القوات المسلحة السودانية نفسها تاريخياً كانت راعية للإرهاب الدولي! نذكّر العالم أن نظام البشير العسكري وفّر ملاذاً لأسامة بن لادن والقاعدة في التسعينيات، ودعم جماعات إرهابية إقليمية، وتاجر بالسلاح في الخفاء. اليوم يعود رفاق ذلك النظام في ثوب جديد مع البرهان على رأسهم المستحوذ على أموال أسامة بن لادن "عبد الباسط حمزة" الذي هربه البرهان وشقيقه حسن البرهان من سجن كوبر الاتحادي هو وغيره من المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية وفي مقدمتهم المخلوع البشير. فهل يثق العالم بهكذا قيادة تمنحه صك براءة؟ أليس من الحكمة أن يتعامل الغرب مع مزاعم البرهان بحذر شديد، وألا يرهن سياسته على وعود شخص يحمي بين صفوفه غلاة المتطرفين؟ إن السلام الإقليمي الذي يعد به البرهان عبر سحق الميليشيا لن يكون إلا سلام القبور إن لم يكن مشفوعاً بتحول ديمقراطي حقيقي في السودان.
إذا يحاول البرهان استدراج المجتمع الدولي لدعمه عبر استخدام ورقتين: "محاربة الإرهاب" و"التطبيع مع إسرائيل". لكن هذه المحاولة تغفل أن دعم نظام عسكري دموي في الخرطوم سيولّد على المدى البعيد مخاطر إرهاب وعدم استقرار أكبر، كما أن أي اتفاقات سلام إقليمية لا تعبر عن إرادة الشعوب مصيرها الهشاشة. إن السلام الذي يتحدث عنه البرهان بلغة المصالح الأمنية المتبادلة هو سلام مشروط بالصمت عن انتهاكاته. لقد ملّ السودان تلك الصفقات التي يقدّم فيها الجنرال نفسه كشريك يعتمد عليه بينما يذبح شعبه خلف الكواليس. ولعل العالم قد تعلّم – أو يجدر به أن يتعلم – من دروس التاريخ القريب أن من يقمع شعبه لا يمكن أن يكون شريكاً موثوقاً في صنع الاستقرار الإقليمي.
 اختزال الحل في "تفكيك الدعم السريع" وتجاهل العدالة والهيكلة الشاملة
يطرح البرهان في مقاله وصفة مبسّطة للخروج من الأزمة: تفكيك قوات الدعم السريع وحلفائها بالكامل، مع إمكانية دمج من لم تتلطخ أيديهم بالجرائم في الجيش وفق معايير مهنية صارمة. ويؤكد أنه "لا مكان لهم ولا لحلفائهم في مستقبل السودان الأمني أو السياسي"، عدا تلك النافذة الضيقة للدمج المشروط. من حيث المبدأ تفكيك أي قوة مسلحة خارج أنظمة الدولة هو مطلب صحيح، لكن المشكلة تكمن في اختزال البرهان للحل في تفكيك طرف واحد بينما يتجاهل تماماً الحاجة لتفكيك وإصلاح مؤسسته هو نفسه وبقية منظومة العنف في البلاد. هذه النظرة الانتقائية تقفز فوق حقائق أساسية:
لا سلام بلا عدالة شاملة: يتحدث البرهان عن محاسبة من أسماهم "مجرمي " الدعم السريع وحدهم، متناسياً أن جرائم الحرب والانتهاكات طالت كل الأطراف بمن فيهم البرهان نفسه، فأين المحاسبة على قصف طيران الجيش للمستشفيات والمنازل؟ أين التحقيق في مجازر فض الاعتصامات وقتل المتظاهرين السلميين منذ ثورة ديسمبر 2018م حتى اليوم؟ العدالة الانتقالية يجب أن تطال الجميع بلا استثناء: قتلة دارفور سواء كانوا من المليشات التي كونها البشير وقتئذ أو ضباط الجيش الذين وجّهوا العمليات؛ قتلة المعتصمين أمام القيادة العامة 2019م سواء من الدعم السريع أو أجهزة الأمن التي شاركت وتواطأت؛ المسؤولون عن التعذيب والاغتصاب والقتل خارج القانون سواء كانوا عسكريين نظاميين أو شبه نظاميين. لأن حصر المحاسبة في قوات الدعم السريع وحدها هو تبييض لصفحة مجرمي الجيش وأمن النظام. وهذا مرفوض أخلاقياً وسياسياً، لأن أي سلام مستدام يتطلب مصالحة وطنية مبنية على حقيقة ومساءلة، لا على رواية المنتصر الواحد.
الهيكلة ينبغي أن تشمل الجميع: نعم تفكيك كافة التكوينات والمليشيات والحركات المستقلة ضرورة لا خلاف عليها بعد كل ما ارتكبته من فظائع. لكن ماذا عن بقية التشكيلات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة المدنية؟ ماذا عن كتائب الظل ومليشيات الدفاع الشعبي وكتائب المجاهدين التي رعتها الأنظمة العسكرية؟ أليست كلها بحاجة للتفكيك أيضاً؟ إن وحدة المؤسسة العسكرية والأمنية لن تتحقق باستيعاب جزء وإبقاء جزء آخر خارج الحساب. المطلوب خطة شاملة لتوحيد السلاح السوداني تحت مظلة جيش وطني جديد، وهذا يشمل دمج وتسريح وإعادة تأهيل ليس فقط عناصر الدعم السريع، ولكن أيضاً تفكيك أذرع العسكر الحزبية والقبلية. لقد آن الأوان لحقيقة واضحة: سلاح واحد تحت راية السودان، وعقيدة مهنية لا عقائدية للجيش الجديد. ولا يمكن تحقيق ذلك إن غضضنا الطرف عن ميليشيات الإسلامويين والشركات الأمنية الخاصة والمسلحين القبليين الذين يخدمون أجندة العسكر.
إعادة هيكلة جذرية للمؤسسة العسكرية: حين يَعِد البرهان بـ"جيش وطني مهني" بعد دمج عناصر الدعم السريع، يتناسى أن جيشه الحالي أبعد ما يكون عن المهنية والوطنية كما أسلفنا. لذلك، يجب ألا تنطلي علينا محاولة تصوير أن المشكلة محصورة فقط في وجود قوات الدعم السريع منفصلة. الحقيقة أن الجيش نفسه بحاجة إلى إعادة تأسيس من الصفر تقريباً بعد تطهيره من الفاسدين والعقائديين والانقلابيين. لا بد من تفكيك بنية القيادة الحالية: إحالة كل جنرال تورط في انقلاب أو جريمة إلى المحاكمة، وإبعاد إمبراطورية الجيش الاقتصادية إلى وزارة المالية، وقطع رأس الأفعى المتمثلة في تحكم العسكر بالسياسة. بدون ذلك، سيكون أي دمج لعناصر الدعم السريع مجرد تغيير شكلي يضيف مزيداً من الذخيرة لبندقية الجنرال. وقد حذّرت "الوثيقة القومية لإدانة القوات المسلحة" من إصلاحات تجميلية، مؤكدة أن لا إصلاح لهذا الجهاز المنهار من الداخل إلا بتفكيك جذري يعيد تعريف معنى الجيش في وعي السودان. فالبيت المتهالك على أساس فاسد لا يصلحه ترميم جزئي؛ ينبغي هدمه وبناء بيت جديد على أسس متينة.
احتكار السلاح بيد معسكر واحد ليس حلاً: طرح البرهان يفترض ضمناً أن تفكيك الدعم السريع وترك الجيش منفرداً بالسلاح سيجلب الاستقرار. لكن هذا خطير، لأنه يعني انتقالنا من فوضى السلاح متعدد الأيدي إلى استبداد السلاح في يد واحدة. والشعب السوداني اكتوى بنار عسكرة الدولة حين كان الجيش وحده يحتكر القوة. فهل ننهي الحرب الحالية لنعود إلى وضع جيش انقلابيين يهيمن على كل شيء بلا منافس؟ كلا، الحل ليس في أن ينتصر أحد المعسكرين العسكريين على الآخر ويبتلع المشهد، وإنما في إنهاء المشهد العسكري برمّته لصالح حكم مدني ديمقراطي تكون القوات النظامية فيه خاضعة تماماً للسلطة المنتخبة. أما سيناريو سحق حميدتي المزعوم وتضخّم نفوذ البرهان والإسلاميين فسيولّد دورة جديدة من القهر والصراع لاحقاً، لأن جذور الأزمة (وهي حكم العسكر) تبقى حية.
لذلك لا يمكن اختزال الأزمة السودانية في وجود قوة  واحدة اسمها الدعم السريع، ثم الادعاء بأن التخلص منها سيحل كل شيء. هذه قراءة قاصرة وتبرئة ضمنية للعسكر من بقية الكوارث. المطلوب هو خارطة طريق شاملة تتضمن: تفكيك كافة البُنى الموازية المسلحة، وإعادة هيكلة القوات المسلحة ذاتها، وتحقيق عدالة انتقالية تطال الجميع، وبناء عقيدة أمنية جديدة تخدم الشعب لا تحكمه. هذه النقاط غائبة تماماً عن مقال البرهان لأنها لا تخدم بقاءه. لكنه غياب يصرخ في وجه كل سوداني واعٍ: سلامة الوطن لن تأتي عبر نصف الحقيقة أو بعض الحقيقة – بل عبر الحقيقة كاملة، ولو كانت مُرّة على أسياد الحرب.
 تغييب السودانيين كأصحاب المصلحة الحقيقيين في أي سلام
مقال البرهان مكتوب بوضوح للخارج وليس للسودانيين. فهو يهمز ويلمز الإمارات ويخاطب واشنطن والرياض والعواصم الغربية، ويطلب دعمهم، لكنه لا يذكر القوى المدنية السودانية إلا لماماً وبعبارات عامة. ويغيب الشعب السوداني وقواه الثورية عن مقاله تماماً؛ فلا تجد فيه أي إشارة جادة إلى دورهم أو حقهم في تقرير المصير. هذا التغييب متعمد ومعبّر: فالبرهان يتصرف وكأن الحرب شأن خاص بينه وبين حميدتي مع تدخلات خارجية، أما الشعب فليس له إلا دور المتفرج الذي يهلل لانتصار "الدولة" على "الميليشيا"! فيما يلي بعض مظاهر هذا التهميش المتعمّد للسودانيين في خطاب البرهان:
لا ذكر للفاعلين المدنيين: يخلو المقال من أي إشارة إلى قوى الثورة السودانية، أحزابها، نقاباتها، لجان مقاومتها، أو حتى لمبادرات شخصيات وطنية مستقلة حتى أولئك الذين حملوه إلى السلطة أو من سادنوه في الإنقلاب أو من ساندوه بالدعاية الحربية. يتم اختزال المشهد السياسي كله في معادلة "جيش vs ميليشيا". كأن لم يكن هناك ثورة عظيمة في ديسمبر 2018م أطاحت بالبشير وعرفت العالم بالبرهان النكرة، ولا شعب قدم الشهداء من أجل الحرية، ولا قوى مدنية قادت المرحلة الانتقالية قبل انقلاب البرهان. هذا التجاهل ليس بريئاً؛ إنه يعكس نية البرهان إقصاء أصحاب المصلحة الحقيقيين من أي حل مستقبلي. فهو يريد ترتيب تسوية فوقية مع الخارج تضمن له السيطرة، دون إزعاج من الشارع الثائر.
لا اعتراف بالانقلاب على الحكومة المدنية: يتحدّث البرهان عن الالتزام بالانتقال المدني، لكنه لم يذكر قط انقلاب 25 أكتوبر 2021م الذي قام به ضد الحكومة المدنية الانتقالية ذات الشرعية الثورية. ولم يعتذر عنه أو يصفه بالخطأ. على العكس، يلمّح وكأن "الحرب قطعت العملية الانتقالية لكنها لم تلغها"، متناسياً أنه هو من ألغى تلك العملية قبل الحرب بزمن طويل وبجرة قلم مزقت الوثيقة الدستورية وأسست لمنهج الهيمنة الموطيء للحرب. هذا تغييب للتاريخ القريب يهدف لغسل يديه من جريمة الانقلاب. فلا يمكن أن يكون البرهان جاداً في الحديث عن الديمقراطية وهو يتجاهل تماماً أنه أطاح برئيس وزراء مدني (د. حمدوك) وحكومته المعمدة من الثورة. من لا يعترف بخطئه لن يصححه أبداً.
لا خارطة طريق واضحة لانتقال مدني فعلي: إذا كان البرهان صادقاً في دعواه الالتزام بالحكم المدني، فأين التفاصيل؟ هل حدد جدولاً زمنياً لوقف الحرب والعودة لمسار سياسي؟ هل أعلن استعداده لتسليم السلطة لهيئة مدنية انتقالية فور تأمين الخرطوم مثلاً؟ هل دعا إلى مؤتمر سوداني شامل يضم القوى المدنية لرسم المستقبل؟ لا شيء من ذلك في مقاله. مجرد كلام عام يمكن تأويله بأي اتجاه. هذا الغموض مقصود، لأنه يريده شيكاً على بياض: ساعدوني في كسب الحرب، وسأفعل ما أراه مناسباً لاحقاً بشأن الديمقراطية. لكن السودانيين تعلموا درسهم: الوعود المجردة من غير ضمانات وآليات واضحة ما عادت تنطلي عليهم.
الشعب كبيدق لا كشريك: من بين فقرات المقال الطويل، يذكر البرهان "شعبنا يستحق فرصة اختيار قادته وتحديد مستقبله". ولكن كل السياسات التي اتبعها منذ توليه السلطة تفيد العكس: لم يترك للشعب حق اختيار، وإنما فرض حالة الطوارئ، وحل المؤسسات الدستورية، وأعاد رموز النظام البائد إلى مواقع القرار رغماً عن أنف الجماهير. وعندما خرج الشعب لرفض الانقلاب، جوبه بالرصاص والهراوات والمعتقلات والسحل والتعذيب والتنكيل. إن الشريك الحقيقي للسلام هو من يملك ثقة الناس واحترامهم، وليس من يحكمهم بقوة السلاح. البرهان يتوهّم أن بإمكانه عقد صفقة سلام مع الخارج تعيده سيداً على الداخل. لكن أي ترتيب يتجاهل القوى المدنية والثورية السودانية مصيره الفشل الذريع. فقد أثبتت التجارب أن السلام الذي يُصنع على موائد الإقليم ويُفرض على السودانيين من أعلى لن يصمد طويلاً.
سلام الجنرالات وصفة لحرب قادمة: إذا سُمح للبرهان أن يستبعد المكونات المدنية ويصوغ المستقبل باتفاق بينه وبين حميدتي (أو بإملاءات من عواصم كبرى)، فإننا في الحقيقة نكرّر أخطاء ما بعد ثورة 2019م حين اقتُسمت السلطة بين العسكر وحميدتي في مجلس سيادي وتم تهميش قوى الثورة تدريجياً. كانت النتيجة انقلاباً ثم حرباً. فكيف نتوقع نتيجة مختلفة إن أعاد البرهان الكرة مرة أخرى؟ لا سلام دون أصحاب السلام. والسودانيون وحدهم لا شريك لهم هم أصحاب السلام العادل والديمقراطية الحقة موجودون في الشوارع والمعسكرات والمنافي يعبرون عن صوت الضحايا والمقهورين. تجاهلهم يعني صناعة سلام هش، أشبه بهدنة مؤقتة تحت رحمة الرصاص.
في ضوء ذلك يصبح أي حديث يتفوه به البرهان عن الديمقراطية والانتقال المدني فيما هو يهمّش أصحاب القضية الحقيقيين، ليس سوى استنساخ لمقولات الطغاة ومحض هراء "نعرف مصلحة الشعب أكثر من الشعب نفسه". الشعب السوداني ليس قاصراً ولا غائباً؛ إنه الفاعل الأكبر في هذه المعادلة، وصاحب المصلحة الأولى في إيقاف الحرب وبناء السلام. وإن كان البرهان جاداً في دعواه، فليرينا أفعالا: ليوقف القصف، ليطلق سراح المعتقلين السياسيين والمدنيين الذي تضج بيهم معتقلات جبل سيركاب والفرق العسكرية والسجون الولائية، ليدعو القوى المدنية فوراً لحوار حول مستقبل البلاد. لكنه لم ولن يفعل، لأن رؤيته للسلام لا تتجاوز تثبيت نفسه على كرسي السلطة. لذا وجب علينا فضح هذه النظرة الأبوية الاستعلائية، والتشديد على أن الشريك الذي يبحث عنه العالم للسلام في السودان ليس الجنرال الذي أشعل الحرب وعرقل الانتقال مرتين، بل قوى الشعب الحية التي رفضت الحرب من البداية وتطرح رؤية وطنية للحل الشامل.
المعادلة الحقيقية للسلام في السودان: رؤية ما بعد أطروحات البرهان
بعد تفنيدنا لما جاء في مقال البرهان من مغالطات ومراوغات، يبرز السؤال: ما البديل؟ ما الرؤية التي يجب أن نطرحها في مواجهة دعاوى البرهان؟ هنا لا بد من التأكيد على أربع رسائل كبرى تمثّل جوهر المعادلة الحقيقية للسلام والاستقرار في السودان – رسائل تستقي مضمونها من تطلعات شعبنا ودماء شهدائنا ومن "الوثيقة القومية لإدانة القوات المسلحة" التي لخّصت الدرس التاريخي المرير:
أولاً: الحرب ليست بين دولة ومليشيا، بل بين مشروعين لمستقبل السودان. مشروع البرهان وحلفائه هو مشروع الدولة العسكرية المستبدة الذي خبرناه طويلاً: دولة يهيمن عليها جنرالات يتحالفون مع الإسلاميين، حيث السلاح فوق السياسة، وحيث تُقمع الأصوات الحرة، ويُنهب الاقتصاد لصالح فئة صغيرة. يقابله مشروع الدولة المدنية الديمقراطية الذي نادت به ثورة ديسمبر وعبّرت عنه شعارات "حرية سلام وعدالة": دولة المواطنة المتساوية، التي تحتكر فيها المؤسسات المنتخبة وحدها قرار الحرب والسلام، ويخضع فيها الجيش المهني لإدارة مدنية ويُمنع من ممارسة السياسة أو التجارة. السلام الحقيقي لن يتحقق بانتصار أحد الجنرالين على الآخر، وإنما بانتصار مشروع الدولة المدنية على منطق العسكرة الذي يمثله الجنرالان معاً. لا ينخدعنّ أحد بالمعادلة الزائفة (جنرال خير ضد جنرال شر). فكل الجنرالات سواء إن لم يحكمهم الشعب. السودانيون لم يقدّموا الشهداء لإبدال حاكم عسكري بآخر، بل لإسقاط حكم العسكر إلى الأبد.
ثانياً: السلام يبدأ بوقف الحرب الآن، لا ببيانات جوفاء في الصحف  أي حديث عن ديمقراطية وانتقال لا معنى له بينما الطائرات تقصف والملايين مشردون. المطلوب فوراً: وقف شامل لإطلاق النار بإشراف دولي وإقليمي، فتح ممرات إنسانية لجميع المناطق المنكوبة، وتأمين عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم تدريجياً. على المجتمع الدولي إن أراد فعلاً مساعدة السودان، أن يضغط في هذا الاتجاه أولاً. أما من يرفض وقف إطلاق النار بحجج واهية فهو ليس شريك سلام بل تاجر حرب. وقد رأينا كيف تهرّب البرهان من كل وقف عدائيات لأنه يراهن على الحسم العسكري. لذلك نقول بوضوح: لا ثقة في دعوات السلام ممن يعرقلون أبسط مقوماته على الأرض. السودانيون نزفوا بما فيه الكفاية، وحان وقت إعلاء صوت الحياة فوق أزيز السلاح. إيقاف الحرب ليس مناورة تكتيكية بل أولوية إنسانية وأخلاقية تسبق أي مسار سياسي.
ثالثاً: التفكيك المطلوب هو تفكيك منظومة العنف والانقلاب كاملةً، لا ميليشيا واحدة. لقد أوضحنا أن أزمة السودان تكمن في منظومة متكاملة من العنف الممنهج بناها العسكر: من الجيش المنقلب على عقيدته الوطنية، إلى الميليشيات على اختلاف مسمياتها، إلى اقتصاد الحرب الذي يمول الجميع، إلى خطاب الكراهية الذي يبرر الجرائم. لذا، أي حل مستدام ينبغي أن يشمل: حل كافة القوات التي تعيش ككيان مستقل وتسريح ودمج عناصرها وفق ضوابط صارمة؛ تفكيك التشكيلات المسلحة الأخرى وإلغاء أي وجود لمراكز قوى عسكرية أو أمنية موازية داخل مؤسسات الدولة (كتائب النظام البائد وواجهاته)؛ وإصلاح الجيش والأمن جذرياً عبر تطهيرهما من الانقلابيين ومن ثقافة الولاء الحزبي؛ وإنهاء اقتصاد العسكر بوضع يد الدولة على شركات الجيش وإخضاعها للمحاسبة؛ ونزح السلاح من السياسة بتنظيم حملة وطنية لجمع السلاح المنتشر في أيدي القبائل والجماعات الخارجة عن القانون. هذه الإجراءات البنيوية هي الأساس الذي لابد منه لبناء سلام حقيقي. خلاف ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة: نزع سلاح ميليشيا واحدة مع غض الطرف عن أخرى، أو تبديل جنرال بآخر، بينما ماكينة العنف الهيكلية تواصل إنتاج أزمات جديدة.
رابعاً: الشريك في سلام السودان ليس من أشعل الحرب، وإنما من رفضها منذ البداية. مهما حاول البرهان تجميل صورته، يظل هو وبطانته من الإسلامويين مسؤولين أمام التاريخ عن مأساة هذه الحرب. جميعهم أداروا ظهرورهم لحلول سلمية كانت ممكنة، وفضّل السلطة على الوطن. الشريك الحقيقي الذي ينبغي أن يُسمع صوته هو ذلك السوداني الأعزل الذي قال "لا للحرب" من اليوم الأول ودفع الثمن غالياً. الشريك هو قوى الثورة التي لم تلطخ يدها بدماء ولم تتورط في انقلاب، والتي ما زالت حتى اللحظة تناضل لإغاثة المنكوبين وتضميد الجراح وطرح البدائل السياسية الوطنية. هؤلاء – من تنسيقيات لجان المقاومة إلى النقابات المهنية المستقلة إلى الأحزاب المدنية الملتزمة بالتحول الديمقراطي – هم حماة حلم السودان الجديد. وعلى المجتمعين الإقليمي والدولي أن يدركوا أن أي تفاوض أو اتفاق يتجاهل هذه الأصوات لن ينجح. الحل ليس أن يجلس الجنرال المنتصر على طاولة منفرداً مع مبعوثي الدول، ولكن أن يجلس ممثلو الشعب المدنيون – الذين هم أصحاب التفويض الأخلاقي – لصياغة عقد اجتماعي جديد. لقد سئمنا اتفاقات غرف مغلقة بين عسكريين تتقاسم السلطة وتوزع المناصب ثم تنهار على رؤوس الجميع. المطلوب مؤتمر سلام سوداني – برعاية دولية محايدة – يشمل الضحايا قبل الجلادين، ويضع أسس سودان ما بعد حكم العسكر.
خامساً: لا مستقبل للسودان دون عدالة ومحاسبة على الماضي. ربما يخشى البرهان وحلفاؤه هذه النقطة أكثر من غيرها، لذا يتجنبون ذكرها. لكننا نقولها صريحة: العدالة هي روح السلام. مئات الآلاف من الشهداء والمفقودين والمغتصَبين والمعتقلين والمشردين لهم حق لن يسقط. والحرب الحالية وما سبقها من حروب وقمع لن تُطوى صفحتها دون مساءلة شفافة أمام القضاء. لا عفو عن مجرمي الإبادة الجماعية ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية – سواء كانوا من قادة الدعم السريع أو القوات المسلحة أو أجهزة الأمن أو الميليشيات المتحالفة مع أي طرف. إن الحديث عن مستقبل آمن دون محاسبة هو دفن للنفايات السامة تحت بساط البيت، سرعان ما تعود لتلوث الهواء. في هذا السياق، نطالب على الدوام بـمحاكمات علنية لكل من تلطخت يداه بدماء السودانيين منذ الاستقلال، وبتعويضات وجبر ضرر للضحايا، وتخليد ذكرى الشهداء في الذاكرة الوطنية. هذه ليست كمالية رفاهية، ولكنها عماد بناء وطن جديد على أسس سليمة. قد يتذرع البعض بأن التركيز الآن ينبغي أن يكون لوقف النزيف وليس لإثارة ملفات الماضي، ولكن الواقع أن إهمال العدالة يعني نزيفاً مستقبلياً لا ينقطع. ومن يرفض العدالة لا يريد حقاً سلاماً، بل هدنة زائفة ليكرر جرائمه عندما تحين الفرصة.
في ضوء هذه الرسائل، نرى جلياً أن مقال البرهان برمته محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء: إلى زمن يفرض فيه العسكر روايتهم للتاريخ ويكتبون مستقبل البلاد بمداد بنادقهم. لكن هيهات؛ فقد تغيّر الوعي الجمعي للسودانيين بعد ثورة ديسمبر وما تبعها. لن يسمح هذا الجيل بأن يُختزل مصيره بين خياري عسكرة متقاتلة. هناك خيار ثالث هو صوت الشعب، وهذا الصوت قد ضعف تحت هدير المدافع لكنه لم يمت، وسيعلو مجدداً مهما حاولوا تغييبه.
ختاماً: صوت الحقيقة أقوى من بنادق البرهان وعصابته لقد حاول البرهان في مقاله أن يلبس ثوب الحكمة والاتزان، وأن يطرح نفسه حمامة سلام تغرد بالديمقراطية – في تناقض مذهل مع واقع كونه صقراً من صقور الحرب والانقلابات. ولكن كما جاء في خاتمة مقاله: "السلام لا يُبنى على الأوهام، بل على الحقيقة. وفي هذه اللحظة، الحقيقة هي أقوى حليف للسودان". نعم، صدقت في هذه يا برهان رغم أنك أردتها لغيرك: الحقيقة هي أقوى حليف لنا ضد أوهامك وأوهام أمثالك. وحقيقة حرب السودان الدامية أنها اغتصاب ممنهج لوطن على يد من يفترض أنهم حُماته – حقيقة نظام ارتدى زي الشرف ليرتكب أعظم الخيانات.
إن هذه الوثيقة/المقال ليست مجرد تفنيد لمزاعم البرهان، ولكنها صرخة وطن قرر أن يواجه جلاديه بالحقيقة كاملةً دون خوف. إنها مرافعة باسم شعب عانى الأمرّين من عسكرة حياته، وتجويفه حضارياً وإنسانياً. نعلنها واضحة: لقد آن الأوان لإغلاق حقبة حكم العسكر في السودان بلا رجعة. آن أوان الحساب العادل على كل قطرة دم أريقت، وكل عهد نُكث، وكل ثروة نُهبت، وكل كرامة أُهدرت. لا سلام دون عدالة ولا عدالة دون محاسبة. ولا ديمقراطية تحت حراب البنادق.
ختاماً: نوجز المطالب الوطنية التي يُجمع عليها الشرفاء من أبناء السودان، والتي تمثل خارطة طريق نحو سودان جديد بحق:
وقف الحرب فوراً وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في جذورها وأحداثها: يجب التحقيق الفوري في جميع الجرائم والانتهاكات منذ اندلاع الحرب الحالية، وقبلها مجازر فض الاعتصامات وغيرها، لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
محاكمات علنية لكل مجرمي الحرب والفساد من أي جهة كانوا، وضمان عدم إفلات أحد من العقاب. فالعدالة يجب أن تكون عمياء لا تميز بين مجرم ببدلة عسكرية أو مدنية.
تفكيك البنية الحالية للمؤسسة العسكرية والأمنية تفكيكاً شاملاً؛ يشمل حل مراكز النفوذ داخل الجيش، وإخراج الجيش من الاقتصاد بإعادة كل الشركات والممتلكات لوزارة المالية، وإنهاء تغوّل العسكر على السياسة تمهيداً لبناء جيش قومي مهني جديد عقيدته حماية الدستور لا الانقلاب عليه.
دمج وتسريح الميليشيات كافة تحت إشراف مدني، في عملية وطنية شاملة توحد حاملي السلاح في إطار جديد يخضع تماماً للحكومة المدنية، مع إعادة تأهيل من يصلح منهم وإدماجه في جيش أو شرطة محترفة، وتسريح ومحاكمة من يثبت تورطه في جرائم.
رد المظالم وجبر الضرر وتعويض الضحايا ماديّاً ومعنوياً، بدءاً بالاعتراف الرسمي بجرائم الماضي والحاضر، مروراً بتأمين عودة المهجّرين، وتعويض أسر الشهداء والمصابين، وصولاً إلى تضمين تلك الجرائم في المناهج التعليمية حتى لا نسيان بعد اليوم.
تكريم الشهداء وبناء ذاكرة وطنية شريفة، عبر تخليد أسماء وتضحيات من قدموا أرواحهم فداءً للحرية والكرامة، وإعادة الاعتبار لكل من طورد أو شُرّد أو سُجن بسبب نضاله. فذاكرة الشعوب هي وعيها الحيّ، ولا بد أن نحفر في ذاكرة السودان الجمعية ملاحم البطولة في مواجهة الطغيان، بدل قصص مزيفة يمجد فيها الانقلابيون.
هذه المطالب ليست ترفاً ولا انتقاماً؛ إنها أسس ميلاد سودان جديد حرّ، مدني، ديمقراطي. السودانيون لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون حقهم في وطن يقوده أبناؤه المخلصون لا جنرالات القمع. يطلبون جيشاً يحمي الحدود لا ينقلب على العهود. يطلبون عدالة تداوي الجراح بدل سياسة تكتم على الجمر تحت الرماد.
إلى عبد الفتاح البرهان ومن شايعه نقول: لقد انكشف الغطاء وسقط القناع. ولن تنطلي بعد الآن حيلة رسمك نفسك بطلاً فيما تاريخك صفحات من دم وظلم. الشعب الذي صبرت عليه وظننت أنه نسي أو استكان، ما زال قابضاً على جمر حلمه، ولن يسمح لجلاد الأمس أن يتقمص دور المنقذ غداً.
وإلى شعبنا السوداني الأبيّ: أنت صاحب الكلمة الفصل. فلا تُسلم رقبتك ثانيةً لمن خانك أول مرة. تذكر شهداءك ومفقوديك ومعذبيك ومصابيك، واستمسك بحقك غير منقوص. لا تساوم على كرامتك وحريتك مهما ادلهمّت الخطوب. لقد تعلمنا بثمن غالٍ أن من يصنع السلام الحقيقي هو الشعب، لا الجنرال.
وأخيراً، إلى العالم الحر وكل من يهمه استقرار السودان: لا تنخدعوا برواية الطغاة. ما يجري في السودان ليس صراعاً شخصياً ولا نزوة عابرة، ولكنه هو مشهد من كفاح شعب ضد نظام عسكري متوحش. دعمكم الحقيقي لنا يكون بالانحياز إلى قيم الديمقراطية والعدالة، لا إلى من يرفع شعاراتها كذباً. ساعدوا السودان بالضغط من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين ومحاسبة المجرمين ودعم الحكم المدني، وليس بتأييد طرف عسكري ضد آخر. فقد ولى زمن منح البركات للدكتاتوريات بدعوى مكافحة الإرهاب أو حفظ الاستقرار. لا استقرار بلا ديمقراطية، ولا أمان بلا محاسبة، ولا سلام دون أن يسمع صوت الشعب وينتصر.
"فالسلام لا يُبنى على الأوهام، ولكن على الحقيقة المجردة" – والحقيقة اليوم تقول إن فجر السودان الجديد لن يبزغ إلا حين تسقط البنادق عن صدورنا ويعلو صوت الشعب فوق صوت السلاح. وحينها فقط، سيُكتب لهذه البلاد أن تخرج من نفقها المظلم إلى رحاب الحرية والعدالة التي طال انتظارها. المجد والخلود لشهداء السودان، واللعنة على من خانوه... والخزي لكل من يحاول اليوم أن يسرق أحلام شعبه تحت ستار "السلام الزائف" و"الوطنية المدعاة". لقد قال شعبنا كلمته مراراً وتكراراً: حرية... سلام... وعدالة – والثورة خيار الشعب. ولن نرضى بأقل من ذلك ثمناً للسلام الحقيقي الذي نستحقه.
لتنزيل المقالة اضغط الرابط ادناه
https://drive.google.com/file/d/1ZyZl2Y4rw9elX07F5kjQX4uOIvm5lrs7/view?usp=drivesdk

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2025

نحو خطة قومية سودانية لمواجهة التدخّل المصري وحفظ السيادة الوطنية

نحو خطة قومية سودانية لمواجهة التدخّل المصري وحفظ السيادة الوطنية

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com


● تأتي زيارة وزير الخارجية المصري إلى بورتسودان في لحظة حرجة تحيط بالوطن السوداني؛ حربٌ ضروس بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتزاحم مصالح دولية وإقليمية حول مصير السودان وموارده. ومن منطلق الوعي النهضوي والواجب الوطني لكل حادب على مصلحة البلاد والعباد، نؤكّد رفضنا القاطع لأي تدخّل مصري في الشأن الداخلي السوداني مثما نرفض بقية التدخلات المماثلة من الإمارات وروسيا وإيران وتركيا وغيرها. ونقدّم في هذا المقال قراءةً موضوعية لأبعاد ذلك التدخّل بالمعطيات التاريخية والمعاصرة، مع التحذير من استمراره وما يجرّه من استبدالٍ لخيارات السودانيين بقرار خارجي يتعارض مع السلام العادل وإعادة بناء الدولة.

- أولًا: التدخّل العسكري والسياسي المصري وأثره على السيادة الوطنية ظهر بوضوح في التطوّرات الأخيرة؛ إذ تورّط النظام المصري في المشهد الأمني السوداني عبر دعم بقائيين وجماعات ظلّية احترفت القتل وتبديد الموارد. وقد أقرت قيادات سودانية قومية بمشاركة قوات مصرية في غارات جوية استهدفت مواقع مدنية في دارفور وكردفان خلال العام الجاري. والتاريخ يسجّل مأساة ضربة الطيران المصري لقاعدة «الجزيرة أبا» في مارس 1970، التي قادها محمد حسني مبارك حين كان ضابطًا، ضمن حملة لقمع مقاومة الانقلاب العسكري آنذاك. هذه السوابق العسكرية ترافقت مع دعمٍ سياسي ودبلوماسي متصل مارسته القاهرة. فعلى سبيل المثال، تدعم اليوم المجلس العسكري وحكومة الأمر الواقع في بورتسودان دبلوماسيًا ولوجستيًا، ونقلت وسائل مصرية رسائل «تنسيق استراتيجي» من السيسي إلى البرهان تُصوِّر السودان شريكًا مصريًا في مواجهة التوسّع الإثيوبي في ملف النيل، بينما امتنعت سلطة الأمر الواقع عن المطالبة الصريحة بحقوق السودان المائية أو الدفاع عن مكاسبه الزراعية التي خُطِّط لها خلال الفترة الانتقالية. بهذا النهج أضحت الخرطوم ضمن معادلة تحجيم الدور الإثيوبي تحت سقف المصالح المصرية. وفي المقابل، تعلن القاهرة تمسّكها بوحدة السودان وسيادته ورفض أي كيانات موازية أو تدخل أجنبي يهدد استقراره، غير أنّ المجتمع المدني والقيادات الوطنية يرون تعارضًا بين الأقوال والأفعال، لا سيما في ظل تقييد حركة سياسيين سودانيين داخل الأراضي المصرية عبر إجراءات إقامة وموافقات أمنية خانقة. حين تقول مصر رسميًا إنها تحافظ على «كامل سيادة السودان»، تردّ قوى سودانية عديدة بأن التدخّل العسكري المصري في صراعنا الداخلي سافر ومرفوض، وأنه امتدادٌ لنهج تاريخي لا يخدم سوى الحسابات المصرية. والحكومة التي تشن حربًا على شعبها بدعم خارجي لا تمثّل الإرادة الوطنية، ويجب على المجتمع الدولي سحب شرعيتها قبل انهيار ما تبقّى من أمن البلاد. هذه الخلاصة تغذّيها خبرة سودانية طويلة مع «وهم الوحدة التاريخية»؛ فالقاهرة، منذ الاستقلال، لم تكفّ عن الاستثمار في أنظمة عسكرية جعلت الجيش أداةً لمصالحها، بدءًا من انقلابات 1958 و1969 و1989.

- ثانيًا: السعي المصري لاحتكار الموارد السودانية حقيقةٌ لا تخفى. ثروات السودان الزراعية والمعدنية ركيزةٌ للأمن الغذائي والطاقة في الإقليم، ومصر ترى في السودان خزّانًا طبيعيًا لهذه الموارد. أشارت دراسات محلية إلى استثمارات مصرية تقدّر بنحو عشرة مليارات دولار في الأراضي الزراعية ومشروعات متنوعة، على أساس ضمان إمدادات رخيصة تلبي احتياجات سوقٍ يفوق مئة مليون مستهلك. غير أنّ الاستثمارات الرسمية لا تحكي القصة كاملة؛ إذ توسّعت أثناء الفوضى الأمنية عمليات تهريب الذهب إلى مصر بصورة لافتة. تقارير متعددة قدّرت المهرَّب من إنتاج السودان منذ أبريل 2023 بنسبة تراوح بين 50 و70%، وذكر مسؤولون مطّلعون أن مصر تستقبل قرابة ستة أطنان شهريًا عبر منافذ ومعابر رسمية وغير رسمية، بمشاركة متنفّذين في ملف التعدين. وأكّد البنك المركزي أن معظم الذهب المنتج يُهرَّب إلى دولٍ بينها مصر والإمارات، فينزف بذلك الاقتصاد السوداني مليارات الدولارات اللازمة لاستيراد السلع الأساسية كالقمح والوقود. هذه المؤشرات تفضي إلى انتقال مركز الثقل في سياسات تسييل الذهب إلى شبكات مرتبطة باتجاهٍ مصري، بعيدًا عن بوصلات الاستثمار المُعلنة.

- إلى جانب الذهب، تُوظِّف القاهرة السيطرة الفعلية على تدفقات مياه النيل كأداة ضغط. فالاتفاقية الثنائية لتقسيم المياه عام 1959 منحت مصر 48 مليار متر مكعب سنويًا مقابل 18.5 مليار للسودان وفق حسابات لاحقة، فيما جرى تثبيت المعادلة مع قيام السد العالي وتنسيق المشروعات. وخلال العقدين الماضيين تعزّز الارتباط؛ إذ نادرًا ما طُرح مشروع مائي سوداني من دون مراعاة الموقف المصري أو إشراكه. هذا المسار ظهر في ملف سد النهضة، وفي اشتراطات دائمة لمعادلات «عدم الإضرار بالمصالح المصرية». ويضاف إلى ذلك هيمنة السوق المصرية على سلع سودانية أساسية ببيئة تنافس غير متكافئة، فتآكلت صناعات محلية وفُرضت تبعية تجارية خفية.

- ثالثًا: تعطيل المشروعات الاستراتيجية السودانية أصبح سلوكًا مُقلقًا. حين طرحت الحكومة الانتقالية إنشاء «بورصة السودان العالمية للذهب»، برزت ضغوط خارجية أبطأت التنفيذ، مع أنّ البورصة كانت ستعالج التسييل المنفلت وتزيد شفافية العائدات. وفي ملف «الفشقة» الحدودي—أراضٍ زراعية مطرية سودانية متنازع عليها مع إثيوبيا—أبدت القاهرة حساسية مفرطة؛ دعمت إخراج الإثيوبيين تحت شعار وحدة أراضينا، غير أنّ الهدف يُفهم ضمن حرصٍ على إبقاء التأثير المصري في مناطق الري وتعطيل الاستفادة القصوى من حصة السودان المائية، وهو ما تفاقم بعد انقلاب 2021 وتوقف المشروعات المروية، فاندفع ما لا يُستغل من حصة السودان عمليًا نحو الشمال. وفي المقابل، تزايد التعاون العسكري المصري–السوداني عبر تدريبات مشتركة «نسور النيل» وأنشطة بحر أحمر، الأمر الذي يُظهر رغبةً في تشكيل قرارات تنفيذية موحّدة. وعلى مستوى الطاقة، تنظر القاهرة إلى مشروعات التوليد والكهرباء والمياه—خاصة المرتبطة بالنيل—بوصفها شأنًا ينبغي أن يتم تحت مظلتها أو بإشراف شركاتها، ما ضيّق مساحات المبادرات السودانية المستقلة.

- رابعًا: إنتاج نخبٍ سودانية مُستتبَعة عبر مسارات التدريب والتأهيل صار مسارًا ممنهجًا. تمتلك مصر منظومة واسعة لمدّ النفوذ المؤسسي—مدارس عسكرية، جامعات دينية، مراكز بحث وتدريب—واستُخدمت لصياغة بيئات فكرية محافظِة داخل السودان. ففي فبراير 2025 نظّم «المركز الدولي لتسوية النزاعات» التابع للخارجية المصرية دورةً لكوادر دبلوماسية سودانية حول «بناء السلام وإعادة الإعمار ما بعد النزاعات»، ووصِفت الخطوة بأنها تعزيزٌ للقدرات السودانية وريادة مصر في الإعمار الإفريقي. الخطاب يبدو تنمويًا، غير أن مآلاته السياسية واضحة؛ إذ يستهدف مواءمة عقول صُنّاع القرار مع مقاربة «مصر الدولة الكبرى» وضرورات «التنسيق الاستراتيجي»، وقد رأينا تفويج قيادات من قمة هرم مجلس الوزراء وإداراته إلى برامج تدريبية في مصر، على نحوٍ أحكم الاستتباع بدل أن يوسّع استقلال القرار.

- خامسًا: ضرورة استقلال القرار السوداني وتحذيرٌ من تبعية الخيارات. ما تقدم كافٍ لتنبيه المواطنين قبل النخب إلى خطورة استمرار هذا المسار. السيادة الوطنية تعني ألا تُصاغ حياة البلاد وقراراتها بإرادة خارجية مهما كان الغطاء. والقاعدة الضابطة: لا اتفاقيات ثنائية تنتقص من حقوق السودان أو تقزّم قراره. شعبنا اليوم يأكل وجبة واحدة فيما تتدفق ثرواته المهربة إلى الخارج على أيدي مستتبَعين، ومن حقه أن يقرّر مصيره عبر مسار مدني كامل. أما التحالفات الدبلوماسية والإعلامية المفروضة بضغطٍ خارجي، فيجب أن تقابلها جبهة داخلية مدنية موحّدة ترفض الإملاء، وتستعيد استقلالية الوساطة السودانية في كل الملفات، وتبني إطارًا وطنيًا مشتركًا لتحمّل المسؤولية.

● ختامًا: يمكن رسم علاقة سودانية–مصرية على أساس الندية والمصلحة المتبادلة؛ احترامٌ متبادل وتبادل منافع وموارد، وحوارٌ سياسي مفتوح، لا إخضاع ولا تبعية. ويتطلّب ذلك ترسيخ مبادئ التعاون العادل، وإعادة النظر في الاتفاقيات القائمة بما يعكس حق السودان في موارده وقراره السياسي. السودان يستحق حكمًا مدنيًا عصريًا يعبّر عن تطلعات شعبه، لا وصاية أجنبية. تلك هي الطريق الأقصر إلى سلامٍ عادلٍ وتنميةٍ متوازنةٍ تخدم الشعبين، وتُجنّب المنطقة كلفة نظريات الاستتباع التي تنقل شرر الأزمات إلى الجوار وتؤجّج صراعات لا طاقة لأحد بها.


عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com

orwaalsadig@

الجمعة، 31 أكتوبر 2025

`السودان بين الوصاية الاقتصادية ومبدأ السيادة الجديدة`

`السودان بين الوصاية الاقتصادية ومبدأ السيادة الجديدة`

`ردّ على أطروحة أماني الطويل`

عروة الصادق

https://www.facebook.com/share/p/17NmVhu3nr/
● في مقالتها الأخيرة بعنوان «كيف تعيد واشنطن هندسة معادلة السلطة في الخرطوم؟» قدّمت الباحثة المصرية أماني الطويل، مديرة مركز الأهرام للدراسات السياسية، قراءة تبدو في ظاهرها تحليلًا أكاديميًا محايدًا، لكنها في جوهرها تعبيرٌ مكثّف عن رؤية المدرسة الأمنية المصرية تجاه السودان: رؤيةٌ ترى في بلادنا ساحة نفوذٍ ينبغي ضبطها، لا دولةً ذات إرادة مستقلة يمكن أن تكون شريكًا نِدّيًا في الإقليم.

- إنها مقالة مكتوبة بمداد “التحليل”، لكنّ سطورها تنطق بلغة “الوصاية”، وتؤسس لسياسةٍ تستبطن إعادة إنتاج السيطرة على السودان من بوابة الاقتصاد بعد أن عجزت عن الإمساك به من بوابة السياسة.
- تجلى في المقالة ما يمكن تسميته اقتصاد الوصاية ... لا اقتصاد الشراكة إذ تسعى أماني الطويل إلى إقناع القارئ بأن جوهر الأزمة السودانية ليس صراعًا على السلطة أو الثورة ولكن على الموارد وأن إعادة هندسة السودان يجب أن تتم عبر إخضاع ثرواته لشركات دولية «تضمن المصالح الأميركية» وتعيد توزيع النفوذ الاقتصادي قبل السياسي، إلا أن هذا الخطاب الذي يبدو تقنيًا للوهلة الأولى، يخفي في عمقه دعوة إلى خصخصة السيادة الوطنية، وتحويل السودان إلى مختبرٍ لإدارة الموارد بواسطة وكلاء الخارج.

- إن تحويل موارد السودان إلى ملفّ دولي بإشراف قوى خارجية — مهما كانت النوايا المعلنة — يعني عمليًا إلغاء الدولة الوطنية واستبدالها بهيئة إدارة اقتصادية متعددة الجنسيات، فما يُقدَّم بوصفه “حلًّا تنمويًا” ليس سوى صياغة جديدة لـ اقتصاد الوصاية، الذي يمنح الدول الكبرى — ومعها بعض الجيران الطامحين — حقّ تقرير مصير الموارد دون المرور عبر الإرادة الوطنية للسودانيين.

- هذه القراءة المصرية المضمرة تنحصر بين الأمن والهيمنة، وحين تتحدث أماني الطويل عن “إعادة هندسة الدولة السودانية من بوابة الاقتصاد”، فإنها في الحقيقة تنقل مركز القرار من الخرطوم إلى القاهرة وواشنطن. فمصر التي تعاني من أزماتها الاقتصادية الداخلية تبحث منذ سنوات عن امتداد جيو–اقتصادي في الجنوب يضمن لها الغذاء والمياه والطاقة، والحديث عن “آلية مراقبة مشتركة” للموارد السودانية ليس إلا تمهيدًا لمشروع هيمنة ناعمة جديدة، يُدار فيها السودان بوسائل “التعاون الفني” بدل الاحتلال المباشر، إن هذا الخطاب يعيد إنتاج العقل الاستعماري الإمبراطوري القديم في ثوبٍ تنموي حديث، ويُخفي خلف لغته الهادئة أطماعًا تتصل بمرافئ البحر الأحمر ومناجم الذهب ومشروعات الزراعة المروية وممرات التجارة عبر بورتسودان، لذلك هذه ليست مقاربة بحثية وإنما استراتيجية إعادة تموضع مصري تحتمي بلغة الاقتصاد الدولي لتستعيد نفوذها المفقود في وادي النيل.

- الخلط المقصود بين الإصلاح الاقتصادي والتحول السياسي والذي يتجلى في تُصوّر الطويل أن الحل في السودان يبدأ بإصلاح الاقتصاد لا بتسوية سياسية. وهذه رؤية تُجرّد الأزمة من بعدها الإنساني والوطني، وتُعيد تعريفها باعتبارها خللًا في إدارة الموارد لا في بنية الحكم والعدالة.

- لكنّ التجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى ثورة ديسمبر، أثبتت أن الاقتصاد تابع للسياسة لا العكس، وأن غياب الحكم الرشيد هو أصل الداء، إذ لا يمكن تفكيك “اقتصاد الحرب” دون تفكيك منظومته السياسية والعسكرية التي صنعته، ولا يمكن بناء “حكومة تكنوقراط” قبل ترسيخ شرعيةٍ مدنيةٍ تُعبّر عن الإرادة الشعبية، فمن الخطأ الفادح اختزال الأزمة في حسابات التوزيع المالي، بينما الجرح الحقيقي في غياب العقد الاجتماعي الذي يضمن العدالة والمواطنة والمساءلة.

- إني ممن يرون أن الاقتصاد ليس بوابة للوصاية ولكنه مِعيار للسيادة ويحتاج السودان إلى شفافية اقتصادية حقيقية، لكن بإرادة سودانية لا بوصاية أجنبية، وإن مراقبة الموارد أمر مطلوب، ولكنّ من يراقب يجب أن يكون الشعب نفسه عبر مؤسساته الرقابية المنتخبة، لا خبراء دوليين مرتهنين لتوازنات الممولين، والاقتصاد ليس أداة تأديبٍ سياسي، ولا يمكن بناء السلام عبر عصا مالية دولية تضرب طرفًا وتُكافئ آخر.

- عزيزتي الطويل: إن السلام الحقيقي لا يزرع في حقول الذهب، وإنما في حقول العدالة؛ والعدالة لا تُفرض بالمنح والقروض بل بالكرامة والسيادة، وما تحتاجه بلادنا ليس “هندسة أميركية” ولا “وصاية مصرية” ولكن صفقة سودانية مع الذات، تُعيد تعريف معنى الدولة بوصفها ملكًا لشعبٍ حرّ، لا لجهةٍ مانحةٍ أو حليفةٍ متنفذة.

- إنّ السودان اليوم أمام فرصة تاريخية ليصوغ مفهومًا جديدًا للسيادة لا يقوم على الانغلاق ولا على الارتهان، ولكن على الاستقلال المتفاعل؛ فسيادةٌ تدرك أن التعاون الإقليمي ممكن دون تبعية، وأن الشفافية الاقتصادية لا تعني تسليم مفاتيح الثروة للأجنبي، وأن الإصلاح لا يبدأ من المانحين بل من الداخل.

- لذلك على مصر — ومن خلفها واشنطن — أن تفهم أن السودان ليس منطقة فراغ استراتيجي بل فضاء سيادي له ذاكرة ومشروع، وأن زمن الوصاية قد انتهى، أما من يظن أن هندسة السودان ممكنة من الخارج فقد نسي أن هذه البلاد صاغت وعيها في وجه الطغيان مرتين: مرة حين أسقطت المستعمر، ومرة حين أسقطت المستبد، وسوف تُسقط أيضًا كلّ من يحاول إعادة إنتاج عبودية جديدة باسم التنمية أو الشراكة الاقتصادية.

● ختامًا: إن مقالة أماني الطويل مع حفظ ألقابها، بما تحمله من نَفَسٍ استخباريٍّ أكثر منه بحثيٍّ، تكشف المأزق الحقيقي للعقل الرسمي المصري: أنه ما زال يتعامل مع السودان باعتباره “ملفًا أمنيا” لا “دولة”، ومع شعبه كمُتغيّر في معادلات الأمن لا كشريك في صناعة المستقبل، لكنّ السودان، الذي وُلد من رحم الثورة، قادرٌ على أن يكتب نسخته الخاصة من المستقبل — دولةٌ مدنية ديمقراطية ذات سيادة كاملة واقتصاد وطني مستقلّ وشراكات ندّية تُبنى على المصالح المتبادلة لا على الوصاية المقنّعة، فمن أراد أن يتحدث عن “هندسة السلطة في الخرطوم”، فليعلم أن الخرطوم لا تُدار بالهندسة، وإنما تُبنى بالإرادة، والإرادة السودانية لا تُستورد، ولا تُستأجر، ولا تُدار عن بُعد.

 

أدناه الرابط إلى مقال أماني
أماني الطويل | اندبندنت عربية
أماني الطويل | اندبندنت عربية https://www.independentarabia.com/articles-author/%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D9%8A%D9%84

السبت، 25 أكتوبر 2025

رحيل الناظر عبد القادر منعم منصور ... غياب ري الحكمة في زمنٍ يصدى إليها الوطن

بسم الله الرحمن الرحيم 
رحيل الناظر عبد القادر منعم منصور ... غياب ري الحكمة في زمنٍ يصدى إليها الوطن
بقلم: عروة الصادق
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥م 
يوم ليس ككل الأيام وليل من أحلك الليالي وصباح كئيب من صباحات السودان الجريحة، ترجّل فارسٌ من فرسان الحكمة، وغاب صوتٌ من أصوات الرشد التي طالما أطفأت نيران الفتنة بكلمة، وجمعت شتات القلوب بنظرةٍ من عينٍ بصيرة. رحل الناظر عبد القادر منعم منصور، ناظر عموم دار حَمَر وأمير من أمراء السودان، بعد عمرٍ مفعم بالعطاء والإصلاح. وبرحيله ترك وراءه فراغًا مهيبًا لا تملؤه الكلمات، ولا تسدّه المقامات، في وقتٍ أحوج ما يكون فيه الوطن إلى صوت العقل وحكمة الشيوخ.
الناظر الراحل عبد القادر منعم منصور كان رمزًا للحكمة والاعتدال، وظلّ ثابتًا في أرضه وبين أهله حتى فارق الحياة تاركًا إرثًا من القيم والتجارب.
رجلٌ بحجم الوطن
في زمن صديء وصادٍ وصديّ لم يكن الراحل مجرد ناظرٍ في حدود قبيلة أو دارٍ بعينها، وإنما كان – بحقّ – رمزًا وطنيًا جامعًا بحجم الوطن بأسره، جسّد صورة القائد الأهلي الذي تجاوز حدود العصبية الضيقة؛ فكانت داره في النهود والتي يُطلق عليها «فروة النمر» مفتوحةً للجميع دون تمييز. تربّع على نظارة دار حَمَر عام 1985م خلفًا لشقيقه الأمير منصور منعم منصور، الذي ورث النظارة بدوره عن والدهم منعم منصور منذ عام 1926م – أي أن الراحل حمل راية تقليدية عمرها يقارب القرن، مضيفًا إليها حكمته الخاصة. وطوال أربعة عقود من توليه المنصب، لم يكن حاضرًا فقط في شأن قبيلته الضيّق، ولكنه انغمس في الشأن الوطني. لقد مثّل الناظر عبد القادر القيادة الأهلية في أبهى صورها: زعيمٌ شعبيٌّ يجمع بين الإرث والتجديد، وبين الحكمة والشجاعة، يوظّف الأعراف الراسخة لخدمة السلم الاجتماعي وترسيخ الاعتدال. وكان اسمه قرينًا بالسلم الأهلي وبالصلح بين الناس وبالوسطية في القول والموقف، حتى اختير بين أقرانه بلقب “أمير الأمراء” تكريمًا لحكمته ورجاحة رأيه.

الإدارة الأهلية كحكمةٍ سودانية خالدة
جاء عبد القادر منعم منصور إلى سدة القيادة في حقبةٍ كانت فيها الإدارة الأهلية تُحاصر بتحديات العصرنة ومركزية الدولة التي قللت من دورها. لكنه لم يرفع الراية البيضاء، فقد أعاد إلى الإدارة الأهلية بهاءها القديم ودورها الفاعل. وكان يؤمن بأن الإدارة الأهلية ليست مجرد «سلطة قبلية» جامدة، وإنما هي منظومة حكمٍ شعبيٍّ راشد، قاعدتها الأعراف والتقاليد المجتمعية التي صاغتها التجربة السودانية عبر القرون. لقد فهم أن هذه الإدارة تمثّل حكمةً خالدةً متوارثة، وصمّام أمانٍ اجتماعي يكمل مؤسسات الدولة ولا ينافسها. لذا حينما تهاوت مؤسسات الدولة في المحنة الأخيرة، ثبت هو وغيره من حكماء الإدارة الأهلية في مواقعهم كالطود الشامخ. ظلّ الناظر عبد القادر في مدينته النهود رغم المخاطر، رافضًا مغادرة داره حتى مع اشتداد القصف وانفلات الأمن من حوله. وكان يردد عبارته التي ستظل تُروى كوصية للأجيال: «أموت في بيتي ومع أهلي».
لم تكن هذه مجرد عبارة معبرة عابرة، إلا أنها كانت موقفًا فلسفيًا راسخًا في الوطنية والكرامة. بهذا الموقف، وقراره البقاء مع أهله حتى الموت، وازى كبار زعماء التاريخ الذين آثروا الموت بين الناس على النجاة بالفرار أو المنفى. وما أشبه موقفه بموقف غيره من زعماء الإدارة الأهلية في أقاليم السودان الأخرى: في شمال كردفان، رفض الناظر سليمان جابر جمعة سهل (ناظر قبيلة المجانين في المزروب) أن ينحاز لأي طرف في الحرب، وجعل من بلدته المزروب واحة سلام خالية من العنف، يديرها العقلاء من أهلها؛ وبقي فيها حتى لقي حتفه مع عشرات من زعماء قبيلته في قصف غادر استهدف اجتماعًا أهليًا كانوا يعقدونه لإصلاح ذات البين واحتواء التوترات. وفي غرب دارفور، سجل التاريخ موقفًا مشابهًا حين اغتيل سلطان دار مساليت سعد عبد الرحمن بحر الدين بعد أن رفض مغادرة الحي الذي كان يدافع عنه، وترك جثمانه في العراء أيامًا خلال الفوضى. مثل هذه المواقف البطولية أكدت أن حكماء السودان ظلوا يتقدمون الصفوف وقت المحن، يواجهون الخطر بثباتٍ منقطع النظير، واضعين أرواحهم على أكفهم من أجل حماية مجتمعاتهم والحفاظ على ما تبقى من كرامة الوطن.
رمزُ السلمِ والتنوع
في عهد الناظر عبد القادر منعم منصور، لم تُعرف دار حَمَر بالحروب أو الثأر، ولكنها عُرفت بالصلح والتعايش. كان الراحل شعلة سلام كلما أوشكت نارُ نزاعٍ قبلي أن تندلع؛ يطفئها بذكاءٍ فطريٍّ ونزاهةٍ نادرة. امتدت سمعته وصيته إلى ما هو أبعد من حدود قبيلته، فكان يُستشار في قضايا النزاعات بأقصى الغرب كما في أقصى الشرق والشمال. كم من خصومةٍ عصية لانَت كلماتُه عقدتها، وكم من صراعٍ كاد يستفحل أطفأته حكمتُه قبل أن يستعر. لم يكن يملك جيشًا ولا سلاحًا؛ لكن كلمته كانت سلاحًا وهيبته كانت جيشًا، وسمعته بين الناس كانت ضمانًا لأي عهدٍ يُكتب أو ميثاقٍ يُعقد. لقد وحّد بين مكونات مجتمعه المختلفة، وصار رمزًا للتنوع والتآخي بين القبائل. في حضرته تلاشت فوارق الانتماءات الضيقة، وسمت راية الوحدة الاجتماعية. كيف لا وهو الذي قال فيه أحد كبار زعماء السودان يومًا: “عبد القادر منعم منصور رجلٌ أمّة في رجل”. لقد كان أمةً في رجل حقًا، حيث اجتمعت فيه خصالُ الزعيم العادل، والكريم المضياف، والحكيم المتبصّر بأحوال زمانه.
كردفان تفقد ركائزها
خلال بضعة أشهرٍ فقط، فُجعت كردفان الكبرى بفقدان ثلاثة من كبار نُظارها وحكمائها واحدًا تلو الآخر: رحل الناظر عبد المنعم موسى الشوين في الفولة (ناظر قبيلة المسيرية الفلايتة)، ثم لحقه الناظر سليمان جابر جمعة سهل في المزروب (ناظر قبيلة المجانين)، واختتمت الفاجعة برحيل الناظر عبد القادر منعم منصور في النهود. إنها ليست مجرد وفياتٍ متفرقة حدثت مصادفةً، بل هي انطفاء أعمدةٍ من الحكمة والاتزان في إقليمٍ عُرف تاريخيًا بالاعتدال والتوازن. وسط وطنٍ تتقاذفه أمواج الحرب والانقسام، يغيب عن المشهد رجالٌ كان وجودهم بمثابة ميزان العقل والرشد. لقد غابت الأصوات التي كانت تزن الكلمة بميزان الوطن، وتضع مصلحة الناس فوق نزق الساسة وطيش البنادق. وما يزيد من مرارة الفقد أن هذه الشخصيات رحلت في خضم أزمةٍ وطنية حادة، وبعضها رحل مقتولًا بقصف جوي غادر وجائر في ميادين الصلح كما حدث في مجزرة المزروب، أو حال المرض دون علاجه بسبب الحصار والعنف كما حدث للناظر عبد القادر نفسه. إن انطفاء هذه القناديل الثلاثة في كردفان خلال فترة وجيزة هو جرس إنذار مدوٍّ للسودان كله؛ فحين يرحل الحكماء ولا يخلفهم أحد، ستعمّ العتمة مهما أشرقت شموسٌ أخرى. ولا ننسى أن أركانًا أخرى من القيادة الأهلية رحلت في بقاع السودان المختلفة خلال هذه الحرب، تاركةً فراغاتٍ موحشة في دارفور وشرق البلاد وغيرها. إن ما يحدث هو استنزاف لرصيد السودان من العقلاء والحكماء الذين كان حضورهم يخفف من وطأة الأزمات.
الدرس الأخير: حين يموتُ الحكماء، تتكلمُ الفتنة
برحيل الناظر عبد القادر ومن سبقه من رجال الحكمة، يُطرح سؤالٌ وجوديّ أمام السودان: من يسدّ الفراغ حين يسكت الحكماء؟ لقد كانت الإدارة الأهلية ورجالاتها بمثابة صمّام الأمان الاجتماعي والأخلاقي في بلادنا، وحين تتهاوى مقاعدها واحدًا تلو الآخر، تنفلت العصبيات من عقالها، ويعلو ضجيج التطرف على صوت الاعتدال. أليست الفتنة هي ابنة غياب الحكمة؟ نعم، فعندما يغيب صوت العقل الرشيد، يعلو صخب الجهل والتعصب. وحين يغيب رجلٌ كعبد القادر منعم منصور كان آخر من يُطفئ النار قبل اشتعالها، سنرى النيران تندلع بلا حسيبٍ أو رقيب. في هذا المنعطف الوطني الحرج، يدرك السودانيون الآن – وربما متأخرين – قيمة أولئك النفر من الرجال الذين كانوا يجوبون البلاد شرقًا وغربًا للصلح والإصلاح. كانوا يطوفون كالملائكة يطفئون الحرائق الصغيرة قبل أن تتحول إلى حرائق كبرى. أما اليوم، فمع غيابهم، يخشى السودانيون أن تجد نيران الفتنة من يؤججها بلا وجود من يُسكتها. إن السودان في لحظته الراهنة أحوج ما يكون إلى رجالٍ من طينة عبد القادر منعم منصور وإخوانه الراحلين: رجالٍ لا يطلبون سلطةً ولا جاهًا، ولا يسعون لشهرة أو مكسب شخصي، بل يحملون همَّ الوطن في صدورهم ويعيشون له ويموتون من أجله، لا عليه.
وصيةُ الراحل
ما تركه الناظر الراحل ليس مالًا ولا جاهًا دنيويًا زائلًا، ولكنه ترك إرثًا من القيم والمواقف سيظل نبراسًا لمن بعده. ترك إرث العدل الذي تجلى في أحكامه بين الناس بلا محاباة، وإرث الصلح الذي أنقذ به أرواحًا وحقن دماءً لا تحصى، وإرث الكرم الذي شهدته داره العامرة وهي تقاسم القليل مع المحتاج، وإرث التعايش وقبول الآخر الذي عاشه منهجًا وسلوكًا. هذه القيم هي الوصية الحقيقية التي خلّفها الناظر عبد القادر منعم منصور لأبنائه ولأبناء السودان كافة. وعلى أبنائه وورثته من بعده، وعلى أهل دار حَمَر قاطبةً، أن يجعلوا من رحيله لحظةً للتماسك لا للتفرق؛ لحظةً لتجديد العهد مع الأرض والناس والوطن، لا مجرّد مناسبة للحزن والبكاء. إن أعظم وفاء لذكرى الراحل يكون باتخاذ قيمه منهاجًا عمليًا: أن يواصلوا مسيرة الصلح والسلم الأهلي التي كان رائدها، وأن يحفظوا دار حمر وسودانهم الكبير كما حفظه هو، وأن يضعوا مصلحة الجماعة فوق نزوات الذات كما علّمهم هو بحياته وسيرته.
استراتيجيات ملء الفراغ
رحيل قيادات الإدارة الأهلية المخضرمة يفرض على أهل السودان وقادته واجبًا ملحًّا لسد ذلك الفراغ وضمان استمرار دور الحكمة الشعبية في لمِّ الشمل. فيما يلي بعض الاستراتيجيات المقترحة لملء فراغ هذه القيادات:
تمكين القيادات الشابة الواعدة: من رحم كل قبيلة ودار، هناك شخصيات شابة ناضجة ترعرعت وهي ترى أولئك الحكماء في أدوارهم. يجب التعرف على هذه المواهب القيادية مبكرًا، ومنحها الفرصة للاضطلاع بمسؤوليات أكبر تحت إشراف من تبقى من الشيوخ. ينبغي إنشاء برامج تدريب محلية لصقل مهارات الوساطة وحل النزاعات لدى الشباب، حتى يحملوا شعلة الحكماء الراحلين.


توثيق تراث الحكماء ونشره: على المؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني أن تسعى لجمع وتوثيق تجارب أمثال الناظر عبد القادر منعم منصور وزملائه. يمكن جمع قصص النجاح في المصالحات القبلية، والأعراف التي اعتمدوها لحل المشكلات، وتدوينها في كتيّبات وأفلام وثائقية. سيساعد ذلك في نقل المعرفة المتراكمة إلى الأجيال القادمة وفي تعليم فن الإدارة الأهلية كجزء أصيل من ثقافة السودان السياسية والاجتماعية.


دعم دور الإدارة الأهلية رسميًا: على الرغم من الظروف الصعبة، ينبغي للسلطات – سواء حاليّة أو مستقبلية – إدراك أهمية الإدارة الأهلية كشريك في إدارة المجتمعات المحلية. يمكن سنّ تشريعات أو لوائح تعزز من دور مجالس الحكماء على مستوى القرى والولايات، وتكفل مشاركتهم في لجان السلم الاجتماعي وإعادة الإعمار بعد الحرب. إن الدعم الرسمي (المعنوي والمادي) لجهود الزعماء الأهليين في فضّ النزاعات سيعطي دفعة للاستقرار، خاصة في المناطق التي تفتقر حاليًا لسلطة دولة فاعلة.


إعلاء قيم الوحدة ونبذ العصبية: ملء الفراغ لن يكون فقط بتعيين شخص مكان آخر، بل الأهم هو ملء فراغ القيم والمبادئ. على قادة الرأي والمجتمع – من معلمين وخطباء وإعلاميين – نشر رسالة مفادها أن طريق الحكماء الراحلين هو الذي ينبغي أن نسلكه: طريق الوحدة والتسامح. يمكن إطلاق مبادرات للمصالحة المجتمعية تحمل أسماء أولئك الراحلين تكريمًا لهم (مثل مبادرة منصور للصلح الأهلي أو منتدى الشوين للحكمة الشعبية) بهدف جمع القبائل والمكونات في حوار منتظم لتعزيز النسيج الاجتماعي.


تحصين المجتمعات من الفتن: الفراغ الذي يتركه الحكماء قد تحاول ملؤه أصوات الفتنة والتطرف. لذا، على المجتمعات المحلية تشكيل لجان أهلية للمتابعة والرصد المبكر لأي بوادر فتنة أو نزاع، والتحرك سريعًا لإخمادها عبر العرف والتقاليد المجرّبة. ويمكن لهكذا لجان أن تسترشد بوصايا وتجارب الزعماء الراحلين، بل وتستعين بهم كرموز ملهمة لتهدئة النفوس (على سبيل المثال: “كان الناظر فلان سيقول لنا افعلوا كذا”). إشاعة هذا النوع من التفكير الجماعي واستدعاء حكمة الراحلين عند كل منعطف متوتر سيجعل وجودهم الرمزي مستمرًا حتى بعد رحيلهم.


هذه الاستراتيجيات وغيرها كثير، لا بد أن تصاغ وتُناقش على مستوى الوطن ككل. فرحيل كوكبة الحكماء هذه جرس إنذار بضرورة الانتقال من الاتكال على أشخاص بعينهم – مهما كانوا عظماء – إلى بناء مؤسسات وآليات جماعية تستلهم نفس قيمهم لضمان استدامة السلم الأهلي.
ختامًا: رحم الله الناظر عبد القادر منعم منصور، الذي عاش أميرًا بين أهله ومات مكرَّمًا عزيزًا في أرضه، ثابتًا كالجبال التي تطوّق مدينة النهود. رحل الرجل الذي كان آخر من يُطفئ النار قبل أن تشتعل، وأول من يُصلح قبل أن يتصدّع البنيان. رحل صوتُ الحكمة في زمنٍ علا فيه الصخب، وغابت شجرةُ الظلّ في صحراءٍ تزداد عطشًا إلى أمثالها.
«إنا لله وإنا إليه راجعون»
وإنا – والحق يُقال – إلى فراغه أيضًا راجعون؛ نبحث عن حكمته فلا نجدها، وعن صوته فلا نسمع إلا الصمت. لكنه صمتٌ يحمل في طياته رسالةً ونداء: أن كونوا على ما كان عليه الراحل من حكمةٍ وبصيرة، وأن اجعلوا ذكراه وقودًا لمزيدٍ من العمل من أجل وطنٍ تسوده قيم العدل والتعايش والسلام. غياب الحكيم نبَّه الجميع إلى قيمة الحكمة، ولعلّ في ذلك الدرس الأخير بوادر أملٍ أن ينهض جيلٌ جديدٌ يسد الفراغ ويكمل المسيرة على هدي من سبقوه.