الخميس، 5 مارس 2026
انعكاسات الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران على حرب السودان
الخميس، 12 فبراير 2026
إعادة إعمار الخرطوم- هل يستقيل الفريق جابر كما استقالت سلمى؟!
إعادة إعمار الخرطوم- هل يستقيل الفريق جابر كما استقالت سلمى؟!
عروة الصادق
● المدينة التي خرجت من تحت الركام يخضبها الدم والدموع ويكسوها الفقر والجوع، تتقدم مشاريع الصيانة وإعادة التأهيل تحت إشراف سلطة أمر واقع يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان وأركان "قسمته" الضيزى، وفي قلب هذا المشهد يبرز اسم إبراهيم جابر كأحد أكثر الشخصيات حضوراً في ملف إعادة إعمار العاصمة.
أضحت الخرطوم اليوم ورشة مفتوحة، جسور، طرق، محطات مياه، شبكات كهرباء، مرافق حكومية، عقود تتداول بالملايين من الدولارات في بيئة تعاني شح النقد الأجنبي وانهيار العملة المحلية، هذا التناقض وحده يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الأرقام إلى بنية القرار ومنظومة التنفيذ.
بعد تناسل جماعات "اقتصاد الحرب" برزت جماعات اقتصاد الإعمار في ظل سلطة انتقالية لانقلاب أكتوبر ٢٠٢١م وحرب إبريل ٢٠٢٣م، سلطة بلا مؤسسات رقابية فاعلة، ولا مسؤولية محددة، انخرطت تلك الجماعات في اقتصاد إعادة الإعمار وهي عملية عادة تمر عبر ثلاث طبقات، قرار سياسي، عطاءات تنافسية، رقابة مالية مستقلة، في حالتنا السودانية يبدو المشهد مختلفاً، اللجنة العليا لإعادة تأهيل العاصمة أصبحت مركز ثقل مالي وتنفيذي في آن واحد، تركيز الصلاحيات داخل دائرة ضيقة يخلق بيئة مثالية لتغول شبكات المصالح، في ظل غياب برلمان معين أو منتخب أو جهاز رقابي مستقل بقدرة حقيقية على المراجعة تتحول ملفات الإعمار إلى ملفات مغلقة أمام الرأي العام، حجم التمويل المعلن محدود مقارنة بحجم الحركة المالية الفعلية في السوق الموازي.
و استشرت وانتشرت بالمقابل شبكة الوسطاء و"الجوكية" والمتنافسين في: "من يحرس بوابة المشروع؟"، وذلك في ظل اقتصاد يعاني تعدد أسعار الصرف ويتحول الدولار إلى سلعة بحد ذاته، كل عقد صيانة مسعّر بالدولار مثل صيدا ثمينا لهؤلاء عبر سلسلة تحويلات، تسويات، مقايضات، إعادة تقييم بالعملة المحلية، وقد ظهرت هنا فئة من الوسطاء يطلق عليهم بالسوداني "جوكية" وفي الأدبيات الاقتصادية "Gatekeepers"، أشخاص يتحكمون في الوصول إلى القرار، في منح التراخيص، في اعتماد المستخلصات المالية، في تسريع الدفعات، وجودهم مرتبط بالبرهان وشقيقه وأصدقائه وهو داء دائما ما يصيب الأنظمة ذات المركزية العالية، هذه الشبكات تنشط عبر شركات مسجلة حديثاً طُبخت أوامرها التأسيسية وسجلت في أضابير المسجل التجاري العام للجمهورية ، ونشطت في تأسيسها مكاتب استشارات هندسية مرتبطة بالنخبة السياسية التي تدير الحرب ظاهرا وباطنا، ويخدمهم سماسرة عملة في السوق الموازي، قنوات تحويل عبر تطبيقات مصرفية مثل "بنكك" التابع لـ بنك الخرطوم، تسييل المخصصات الدولارية وبيع الذهب داخل اقتصاد محلي منهك ولّدوا برمشة عين أرباحاً استثنائية لكل من يتحكم في التوقيت والسعر وقنوات التحويل، وبأمره شخصيات.
نحن نستصغر حجم الأموال التي يتحدثزن عنها "١١- ١٢" مليون دولار مقارنة بحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في العاصمة الخرطوم تجاوز 60–80٪ من القدرة التشغيلية في قطاعات المياه والكهرباء والخدمات الحضرية، والتقدير الأولي لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية في المدينة يضع الرقم في حدود 300–350 مليون دولار كمرحلة إسعافية، بينما ارتفعت الكلفة الكلية لإعادة إعمار الخرطوم إلى نطاق يتراوح بين 100 و300 مليار دولار وفق تقديرات متباينة تشمل الطرق والجسور والمباني الحكومية وشبكات الصرف الصحي والاتصالات والمطار، وفي قطاع المياه وحده، تعرّضت محطات استراتيجية مثل محطة سوبا إلى أضرار واسعة، وتطلبت عمليات إعادة الضخ إدخال مضخات صناعية جديدة، تأهيل خطوط ناقلة بطول مئات الكيلومترات، استيراد محولات كهربائية، وأنظمة طاقة شمسية لتشغيل الآبار، ضمن تقديرات جزئية تشير إلى عشرات الملايين من الدولارات جميعها نفذها شخص واحد وليس شركة واحدة يشرف عليه إبراهيم جابر مباشرة.
وقطاع الكهرباء تكبد خسائر أولية قُدّرت بأكثر من مليار دولار تشمل محطات تحويل، كابلات ضغط عالٍ، شبكات توزيع داخل الأحياء، ومولدات احتياطية للمستشفيات. الطرق والجسور تحتاج إلى إعادة سفلتة مئات الكيلومترات وصيانة هياكل خرسانية متضررة، بعقود فردية تتراوح بين عدة ملايين إلى عشرات الملايين للدولار للمشروع الواحد، ما يعكس الفجوة بين التمويل المتاح وحجم الاحتياج الفعلي. في ظل تعدد أسعار الصرف وتذبذب قيمة الجنيه السوداني، فإن أي عقد مسعّر بالدولار يخضع عملياً لفارق تقييم قد يتجاوز 20–40٪ بين السعر الرسمي والسوق الموازي يذهب هذا الفارق والهدر إلى جيوب حفنة البرهان وجابر، وهو ما يضخم الكلفة الفعلية عند تسييل المبالغ داخل السوق المحلي. هذه الأرقام تعكس فجوة ضخمة بين الحاجة التمويلية والقدرة المؤسسية، وتبرز أهمية الشفافية في إدارة عقود الإعمار، ونشر تفاصيل المدخلات من معدات، مواد بناء، خدمات استشارية، أجور تشغيل، وكلف تحويلات مالية، لضمان حماية المال العام في مرحلة إعادة البناء.
هذا الأمر ليس عرضا طارئا ولا داء آني وإنها هو الإرث الثقيل من الحركة الإسلامية وتنظيمها المحلول وواجهاتها التي مكنها البرهان وعصابته من التحول إلى شبكات النفوذ الجديدة، وذلك لأن تفكيك دولة النظام السابق لم يكتمل، المؤتمر الوطني ترك خلفه شبكة اقتصادية ممتدة داخل القطاع المصرفي، الأراضي، المقاولات، شركات الخدمات، تجربة ثلاثة عقود من حكم المخلوع عمر البشير أنتجت طبقة من رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة يجيدون العمل داخل اقتصاد الامتيازات والاحتكار، اليوم توفر إعادة الإعمار بيئة مشابهة، أموال عامة، عقود طارئة، شفافية محدودة، سوق عملة مضطرب، حاجة ملحّة للخدمات، وهو المناخ الذي مهد لتجدد الأدوار بأسماء مختلفة وأدوات حديثة علنية وخفية هذه المرة.
ولأن ملف العملة هو الحلقة الأكثر ريعية في هذه المعادلة والأكثر حساسية، لأن كل مشروع مسعّر بالدولار يعني سؤالاً بسيطاً، من يوفر الدولار، بأي سعر، وأين يُصرف الفارق، تعدد أسعار الصرف يخلق هامش ربح خفي بين السعر الرسمي والسوق الموازي، أي جهة تملك القدرة على الوصول المباشر إلى النقد الأجنبي تملك ميزة استثنائية في بيئة تضخمية، ورغم تضخم الكتلة النقدية بالعملة المحلية مقابل انكماش حاد في الاحتياطي الأجنبي، كل أعمال الصيانة تم تقديرها بالدولار وليس العملة الأجنبية، هذا الاختلال يفتح الباب أمام اقتصاد ظل موازٍ يتغذى على فروق الأسعار.
هذا يجعل ملف إعادة الإعمار في محك بين الضرورة والمساءلة، لأن لخرطوم تحتاج إلى المياه والمشافي والمدارس والكهرباء والطرق، ولكن السؤال الجوهري يتعلق بكيفية إدارة المال العام في ظرف سياسي استثنائي، لأن غياب الإفصاح التفصيلي عن أسماء الشركات المتعاقدة، هيكل الملكية، قيمة العقود الكاملة، آلية الطرح، تقارير المراجعة، يجعل الرأي العام يعتمد على التسريبات والانطباعات، في الدول التي لم تخرج من الحـ.ــرب بعد، ومعلوم أنه ترتبط أخطر مراحل الفساد بفترة ما بعد الحرب، تدفق الأموال يقابل مؤسسات ضعيفة، التاريخ الحديث في عدة دول أفريقية يقدم نماذج واضحة لذلك، يستلهم منها جابر وزمرته نماذجهم في التحويلات والتلاعب الشكلي والجوهري يشرف عليه وعلى عمليات الحماية التغطية والتعمية رأس مجلس السيادة شخصيا، يخمه في ذلك والي الخرطوم وبعض موظفيه ومدراء الشركات الذين ليس لديهم حسابات بنكية حتى ولكنهم يديرون عمليات استبدال العملة المحلية والدولار عبر حسابات أشقائهم وشقيقاتهم بأرقام فلكية خدمة للفريق إبراهيم جابر الذي يحاول منافسوه من صغار سماسرة حكومة الأمر الواقع تعريته.
● ختاما: إن إعادة إعمار الخرطوم تمثل اختباراً حقيقياً للسلطة الحالية، ولأنها عملية مستعجلة سبقت وقف الحرب وبرامج هدنة حقيقية سـ تستنزف خزينة الدولة وتثقل الحياة على كاهل المواطن، ومع ذلك طالما أصرت سلطة الأمر الواقع على المضي في هذه العملية الشائهة عليها إما أن تحول عملية إعادة الإعمار إلى مشروع وطني شفاف يخضع للرقابة والمساءلة، أو أن تصبح فرصة لإعادة تدوير شبكات النفوذ التي عرفها السودانيون طوال عقود، المعركة حول الخرطوم ليست فقط معركة خرسانة وحديد، إنها معركة إدارة المال العام في ظل سلطة انتقالية تواجه امتحان الثقة.
ولي عودة...
الخميس، 29 يناير 2026
تصنيف الجماعة إرهابية .. دلالات ومآلات
تصنيف الجماعة إرهابية - دلالات ومآلات
✍ عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
يحمل تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية في السودان دلالات تمتد إلى عمق البنية السياسية والأمنية والاقتصادية، لأن الحركة الإسلامية السودانية تمكنت من احتلال مركز السلطة منذ انقلاب عام 1989م، وأعادت تشكيل أجهزة الدولة على أساس مشروعها الأيديولوجي التمكيني الامنجي المتخندق الممتد لثلاثة عقود، مما يجعل أي خطوة دولية أو إقليمية في اتجاه تصنيف التنظيم خطوة ذات أثر مباشر على مسار الصراع في السودان، خاصة بعد انخراط كوادره وميليشياته في النزاع المسلح منذ أبريل 2023م، هذا أولا.
● ثانيًا: لو نظرنا التطور التاريخي للتنظيم وبنيته الفكرية والتنظيمية فقد بدأت الحركة كامتداد مباشر لفكر حسن البنا في أربعينيات القرن الماضي داخل الوسط الطلابي، ثم تطورت إلى حركة ذات حضور سياسي منظم عبر أطروحات قادها الدكتور حسن الترابي، واستطاعت بناء منظومة فكرية شكّلت قاعدة للتمكين داخل الدولة، واعتمدت الحركة تكتيكاً يقوم على تغيير الواجهة السياسية كلما تبدل المناخ العام، مع الإبقاء على الجوهر التنظيمي، الأمر الذي أتاح لها قدرة عالية على المناورة ضمن مسارات الحكم، وسمح لها بتوسيع نفوذها داخل المؤسسات الرسمية.
● ثالثًا: إن المراحل المحورية في البناء المؤسسي للإخوان في السودان مُعملة للفكر وتجيب على كل تساؤلات اليوم؛ فقد مرت الحركة بعدة مراحل تنظيمية، حيث بدأت في الفترة الممتدة بين 1944م و1954م تحت مسمى حركة التحرير الإسلامي، وهي مرحلة ارتبطت بالنشاط الطلابي وبالتأثر المباشر بإخوان مصر.
ثم دخلت مرحلة جديدة ما بين 1964م و1969م عبر جبهة الميثاق الإسلامي وقتئذ انخرطت في مقاومة النظام وشاركت في انتفاضة أكتوبر، وهي مرحلة انتقلت فيها نحو العمل السياسي المهيكل مع تبني مشروع دستوري إسلامي، وفي الفترة بين 1977م و1985م، توسع نفوذ الحركة عبر مسمى الجبهة الإسلامية القومية، إذ تمكنت من التغلغل داخل أجهزة الدولة والجيش والقطاع المالي أثناء المصالحة الوطنية.
ثم جاءت مرحلة الإعداد للاستيلاء على السلطة بين 1985م و1989م عبر بناء جهاز سري عسكري يعمل خلف المشهد، وبعد نجاح الانقلاب العسكري عام 1989م، دخل السودان مرحلة حكم الحزب الواحد، حيث أنشأ التنظيم مشروع التمكين، وسيطر على مفاصل الدولة، وأنشأ قوات الدفاع الشعبي وواجهات أمنية مجتمعية أخرى. واستمر الأمر إلى أن أججت الجبهة الإسلامية الحريق في جنوب السودان بمشروعها الجهادوي العنصري حتى قرارات رمضان الشهيرة التي زجت بموجبها الحركة عرابها غياهب السجون والمعتقلات، وفي الفترة الممتدة بين 1999م و2019م، انقسمت الحركة إلى المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي بعد ما عُرف بالمفاصلة، إلا أن هذا الانقسام لم ينهِ نفوذها الفعلي، ثم عادت عبر بوابة العمل العسكري خلال الحرب الأخيرة من خلال كتائب ذات ولاء عقائدي، أبرزها كتيبة البراء بن مالك والقعقاع والبرق الخاطف و البنيان المرصوص ونحوها.
● رابعًا: لسبر أغوار العلاقة مع التنظيم الدولي للإخوان نجد أن الحركة الإسلامية السودانية تعتبر نفسها جزءاً أصيلاً من المنظومة الفكرية العالمية للإخوان، مع التزام بالأصول الفكرية العامة التي أقرها مكتب الإرشاد العالمي، إضافة إلى هامش واسع من الاستقلال البراغماتي في القرار المحلي، وشاركت في مل مؤتمرات التنظيم العالمي وآخرها في لاهور/ باكستان 2025م، والتي اعتمد فيها التنظيم استراتيجيته الجديد للتعامل مع المتغيرات القُطرية والإقليمية والدولية، ومع اتجاه الولايات المتحدة في بداية عام 2026م نحو تصنيف فروع التنظيم في المنطقة ككيانات إرهابية ( الأردن، مصر ، لبنان، المغرب .. للخ)، يجد الفرع السوداني نفسه ضمن شبكة متشابكة تتعرض لموجة ضغط دولي متصاعدة، ما يفرض على كوادره التمهيد للتعامل مع تبعات تصنيف محتمل وهو ما أقرته اجتماعات أمينه العام في مطلع العام 2026م بولاية نهر النيل.
● خامسا: مثلت الواجهات الاقتصادية والإمبراطورية المالية للتنظيم عظم الظهر للتنظيم الدولي والسوداني تحت مسمى "الأرض المباركة" وقد اعتمد مشروع التمكين على بناء شبكة اقتصادية واسعة تدير موارد الدولة عبر واجهات متعددة، بعضها حمل طابعاً خيرياً كمنظمة الدعوة الإسلامية، بينما عملت شركات أخرى في قطاعات استراتيجية، ومن أبرز هذه الواجهات مجموعة دانفوديو التي عملت في المقاولات والهندسة والخدمات البترولية ووفرت للتنظيم نفوذاً واسعاً داخل قطاع البنية التحتية والطاقة وشركات وبنوك وأسماء أعمال أخرى، وأدار رجال أعمال منتمون للحركة شركة عابرة للنقل وشريان الشمال ومجموعة شركات الزوايا التابعة لعبد الباسط حمزة، ومجموعات قابلة أخرى، وهي جهة سيطرت على حركة السلع الاستراتيجية والإمداد الثقيل، مما أتاح للتنظيم قدرة لوجستية مهمة.
وفي قطاع الأدوية، امتلك التنظيم شركة الكنار التي شكلت أداة للتحكم في مورد حيوي يدر أرباحاً كبيرة للتنظيم وجهاز المخابرات العامة فكان مدير جهاز المخابرات العامة حامل الأسهم الأكبر فيها،كما أدارت كوادره شركة جمدا المتخصصة في تجارة السيارات والمعدات، وهي جهة وفرت آليات للجهاز الإداري والعسكري، أما قطاع العقارات، فقد مثّلته أبراج الخير في الخرطوم، وهي أصول ضخمة توفر دخلاً ثابتاً للحركة على شكل عوائد إيجارية، ولم تقف يد التعدي على المال العام حتى عن الأوقاف التي تدر ملايين الدولارات للتنظيم ويستفسر بها قادته.
وفي اعتقادي أن أثر التصنيف الإرهابي على الشبكة المالية سيمتد ليضم جماعات داخل السودان وخارجه؛ لأن إدراج أي فرع من فروع الإخوان ضمن قوائم الإرهاب يؤدي إلى تجميد الأصول داخل النظام المالي الدولي، ويجعل التعامل المصرفي شبه مستحيل، مما ينعكس مباشرة على قدرات التنظيم في السودان ويقلص مصادر تمويله للأنشطة العسكرية والسياسية.
● سادسا: لا ننسى البنية العسكرية الموازية فقد بنى التنظيم جهازاً عسكرياً موازياً منذ بداية حكمه وقضائه على مهنيي القوات المسلحة بالتصفية والاغتيال والاعدامات كالتي شملت ضباط رمضان في 1990م، وبعدها امتد الأمر للتكوينات الموازية حيث تأسست قوات الدفاع الشعبي عام 1989م ككيان يجمع بين الطابع القانوني والولاء الأيديولوجي، ووصل عدد مقاتليها إلى عشرات الآلاف صرح امين حسن عمر بأن العدد حزتلي نصف مليون مقاتل.
وبعد سقوط عمر البشير، انتقلت هذه القوات إلى نسق جديد أكثر سرية تحت مسمى كتائب الظل بوصف الأمين العام للحركة الإسلامية علي عثمان محمد طه، وهي وحدات ذات ولاء شديد للحركة وشيوخها، استخدمت خطاباً يهدد بإسكات الثورة المدنية بقوة السلاح وقاد حملتها مهوسون جهادويين كـ إبراهيم محمود والناجي عبد الله وأنس عمر والحاج آدم وغيرهم، ومع اندلاع الحرب الأخيرة، ظهرت كتيبة البراء بن مالك كقوة عسكرية متقدمة تتبع للحركة وهي تقدمت الواجهة رغم وجود كتائب أخرى يقودها اللواء أنس عمر والفريق عمر نمر وآخرين، حيث ضمت آلاف المقاتلين تحت قيادة المدعو المصباح طلحة الذي برز مؤخرا يعلن التعبئة من داخل العاصمة وتلميحه بالتمرد على قرارات القيادة العسكرية، واعتمدت على أسلحة متطورة، بما في ذلك المسيرات التي لعبت دوراً مؤثراً في معارك مواقع استراتيجية، وأثار هذا الوجود العسكري تساؤلات دولية حول مدى استقلالية قرار القيادة العسكرية في السودان، لأن مشاركة هذه الكتائب تمنح الحركة قدرة على الحفاظ على نفوذها داخل الصراع.
● سابعا: إن التداعيات القانونية والسياسية للتصنيف الأمريكي الذي اتجهت إليه إدارة الرئيس دونالد ترامب في أواخر 2025م وبداية 2026م إلى تصنيف فروع التنظيم في مصر والأردن ولبنان ككيانات إرهابية ستكون كبيرة على التنظيم السوداني، مع الإشارة الرسمية إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن عملية واسعة ستطال فروعاً أخرى وفق تقييمات التهديد، ويُبنى التصنيف في القانون الأمريكي على معايير تشمل تهديد الأمن القومي الأمريكي أو مصالح الحلفاء، وتورط التنظيم في رعاية الإرهاب أو تقويض التحول الديمقراطي، وهي معايير تتوفر بلا أدنى شك في الحالة السودانية عبر استضافة أسامة بن لادن وقيادات القاعدة في التسعينيات، وتنفيذ انقلابين عسكريين، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك على طريقة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك؛ وتفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام وقصف المدمرة الأمريكية "كول" والمشاركة الفاعلة في الحرب الحالية لإجهاض الاتفاق الإطاري.
● ثامنا: موقف السلطة الانتقالية والجيش ظل يشكل غطاء سياسي وأمني للحركة وقياداتها وأمينها العام علي كرتي، وذلك مع سعى البرهان والقيادة العسكرية إلى تقديم رواية تقول إن الجيش يخوض القتال بصفته مؤسسة وطنية، وإن المقاتلين الإسلاميين مجرد مستنفرين، غير أن الظهور العلني للمصباح أبو زيد، وزيارات البرهان لعناصر الكتيبة في المستشفيات، واصطحاب الفريق ياسر العطا لعناصر الكتائب كلها أحداث تُضعف تلك الرواية أمام المجتمع الدولي، وفي المقابل رحّبت غالبية القوى المدنية السودانية بالتحركات الدولية الداعية لتصنيف الجماعة، ودشنت تحالفات تأسيس وصمود حملات لتوثيق انتهاكات الحركة لتقديمها للجهات الدولية بهدف دعم قرار التصنيف.
● تاسعا: تأثير التصنيف على العلاقات الدولية والاقتصاد السوداني سيكون الأكبر حال دخل حيز النفاذ؛ ويرتبط أي تقدم في ملف إعفاء ديون السودان وعودة البلاد إلى مسار التمويل الدولي بمدى قدرة الحكومة على تفكيك نفوذ الإخوان داخل أجهزة الدولة، كما يتأثر مسار انضمام السودان إلى الاتفاقات الإبراهيمية بوزن التيار الإسلامي داخل المشهد، لأن هذه الاتفاقات تعد شرطاً مهماً في نظر واشنطن لاستعادة الدعم الدولي، بينما يعارضها التنظيم بشدة، وعلى مستوى المساعدات، فإن أي نفوذ فعلي للحركة داخل السلطة يؤدي إلى توقف التمويل الدولي، وتعطيل قروض البنك الدولي، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
● عاشرا: بالحديث عن مستقبل التنظيم في السودان، سنجد أن "بروبغندا" الحرب تظهر أن التنظيم المحلول والحركة الإخوانية هما حامي الحما والمدافع عن بيضة الإسلام وحرائر الشعب، والحقيقة هي تراجع شعبية الحركة داخل المجتمع السوداني واضح، مع بقاء قدرتها العسكرية والمالية، مما يجعل مستقبلها مرهوناً بمسار الحرب الحالية ومواقف الفاعلين الدوليين، لذلك نجد كل هذا التعنت والرفض لأي عملية سلام أو مفاوضات.
لذلك كله سيكون أمامنا سيناريو العزلة الشاملة، إذ يتوقع أن يؤدي تصنيف دولي مباشر للحركة إلى انقسام داخلي نتيجة ابتعاد العناصر البراغماتية عن التنظيم خوفاً من الملاحقة، إضافة إلى انتقال الحركة إلى غرف سرية مغلقة يسهل مراقبتها ويضعف قدرتها على العمل السياسي، إلى جانب ضغط دولي قد يدفع الجيش للتخلص من نفوذها ودمج مقاتليها في مؤسسات أخرى بطريقة قسرية أو إنهاء وجودهم المستقل.
● ختاماً: يحمل تصنيف الحركة الإسلامية السودانية ككيان إرهابي آثاراً بنيوية تتصل بإعادة بناء الدولة السودانية، لأن الحركة حرّكت مؤسسات الدولة في اتجاه يتوافق مع مصالح التنظيم الدولي، الأمر الذي يجعل تفكيك شبكاتها المالية والعسكرية ضرورة للحفاظ على وحدة السودان واستقراره، وتحتاج القوى الوطنية والمجتمع الدولي إلى مواصلة التدقيق المالي على واجهات الحركة الاقتصادية، وإلى عزل سياسي واضح لأي كيان تورط في إجهاض التحول المدني، مع متابعة قانونية تضمن عدم إفلات القيادات من المساءلة في ظل الحرب، ويتضح أن الطريق نحو استعادة التوازن السياسي والأمني في السودان يرتبط بإزالة النفوذ الفكري والمالي والعسكري الذي راكمه التنظيم، وهو توجه تدعمه واشنطن وعدة أطراف إقليمية مع بداية عام 2026م.
الاثنين، 26 يناير 2026
تحرير الخرطوم 1885م
تحرير الخرطوم 1885م
قراءة في القيادة والسيادة والشرعية التاريخية
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
إن تحرير الخرطوم في السادس والعشرين من يناير 1885م يمثّل لحظة تأسيسية في التاريخ السياسي السوداني، تجاوزت كونها واقعة عسكرية إلى كونها تحولًا بنيويًا في ميزان السلطة والشرعية والسيادة، وهذا الحدث أعاد تشكيل المجال السياسي السوداني، وأسقط نموذج الحكم الأجنبي المفروض، وفتح أفقًا جديدًا لفكرة الدولة الوطنية المنبثقة من الداخل الاجتماعي والثقافي.
القراءة العلمية لهذا الحدث تقتضي الابتعاد عن الانفعال الخطابي، والاقتراب من الوثائق، والسياق، ومنطق القرن التاسع عشر، ومعايير حرب المدن السائدة آنذاك، ضمن هذا الإطار، تتكشف تجربة بوصفها تجربة قيادة مركّبة، جمعت بين التعبئة الشعبية، والتنظيم السياسي، والانضباط العسكري، والإدارة المدنية بعد الحسم.
الخرطوم قبل التحرير كانت مدينة سلطة ومجال صراع، فقبل 1885م كانت مركزًا إداريًا وتجاريًا يخضع لسلطة تركية–مصرية مدعومة بالقوة البريطانية، والمدينة مثّلت عقدة حكم وجباية وتجارة، أكثر من كونها حاضرة وطنية بالمعنى الاجتماعي، والتركيبة السكانية غير المتجانسة، والنفوذ الاقتصادي للأجانب، والتفاوت الحاد في الثروة، كل ذلك خلق فجوة بنيوية بين السلطة وسكان البلاد.
هذا الواقع أنتج مناخًا سياسيًا هشًا، جعل المدينة معزولة اجتماعيًا عن محيطها السوداني الواسع، ومحاطة بحزام شعبي يرى فيها رمز السيطرة الأجنبية، لذلك جاء الحصار بوصفه أداة سياسية قبل كونه أداة عسكرية، استهدف إخضاع مركز الحكم دون تدمير المجتمع.
إن القيادة المهدية إماما وأمراء وقادة ومنطق القرار كانوا نموذجا للاتساق والاتفاق؛ فقرار اقتحام الخرطوم صدر عن قيادة واعية بميزان الزمن الاستراتيجي، مع اقتراب حملة الإنقاذ البريطانية، واستنزاف قوات الحصار، وانهيار الأوضاع داخل المدينة، كلها عناصر فرضت الحسم، هذا القرار جاء عقب مسار طويل من الرسائل والعروض التي هدفت إلى التسليم الآمن وحقن الدماء، وهي موثقة في مراسلات الإمام المهدي مع الجنرال غردون.
هذا المسار يبرهن أن القيادة المهدية تعاملت مع القوة بوصفها خيارًا أخيرًا، مرتبطًا بمسؤولية سياسية وأخلاقية، ضمن معايير عصرها، وهذا الفهم يتعارض جذريًا مع سرديات الفوضى التي صاغتها الدعاية الإمبراطورية لاحقًا.
وفي يوم التحرير كان الحسم والانضباط الذي حاولت أقلام الدعاية الحربية تصويره كاستباحة، وفي فجر السادس والعشرين من يناير شهد انهيار الدفاعات نتيجة الإنهاك الطويل لحوالي 317 يوما، ودخول جحافل الأنصار عبر محاور متعددة، وهذه اللحظة، بطبيعتها، حملت توترًا عاليًا، كما هو شأن اقتحام المدن عبر التاريخ، غير أن الفارق الجوهري يكمن في انتقال القيادة السريع من الحسم إلى الضبط.
فجميع المنشورات الصادرة قبل الدخول وأثناءه وبعده تضمّنت تعليمات صريحة تتعلق بحماية المستسلمين، وصون البيوت المغلقة، وتحريم التعدي على النساء، وتحديد أسماء شخصيات محمية، وهذه النصوص المنشورة تشكّل سياسة عامة مكتوبة، وهي عنصر حاسم في التقييم العلمي لا التضليل المزاجي.
كما أن إدارة ما بعد التحرير تجلت بوضوح أن الدولة في لحظة التكوين؛ لأن ما تلا التحرير يكشف عن وعي مؤسسي مبكر، فقد تم تعيين أمناء لبيت المال، تنظيم الغنائم، رد الممتلكات، إنشاء آليات عقاب للتفلت، وإيواء الضعفاء، كلها إجراءات موثقة في مراسلات رسمية، وهذا السلوك يضع القيادة المهدية ضمن نمط الدول الناشئة التي تدرك خطورة الفوضى على شرعيتها.
ولئلا يفهم حديثنا تبريرا وإنكار حدوث بعض المخالفات، أقول: "أن العنف الذي وقع في الساعات الأولى لفتح الخرطوم جرى التعامل معه بوصفه انحرافًا يستوجب الردع، وليس ممارسة مقبولة، وهذا الفارق يميّز بين التحرير بوصفه فعلًا سياسيًا، والاستباحة بوصفها نمطًا مستدامًا.
إن تفكيك خطاب التشويه الإمبراطوري مهمة كل سوداني يرى في المهدية إرث يخصه؛ لأن تحرير الخرطوم ومصرع غردون شكّلا صدمة داخل بريطانيا، وهذه الصدمة تحوّلت إلى حملة خطابية هدفت إلى إعادة تشكيل الحدث في الوعي العام، تمهيدًا لإعادة الاحتلال لاحقًا، وهو ما تجلى في كتب الدعاية، والصحافة، والنصوص المحررة التي استخدمت لغة إثارية، وعمّمت حوادث محدودة، وأغفلت السياق والزمن بإيعاز من ونجت باشا وأذرع السلطة، ولكن عددا من المؤرخين البريطانيين اللاحقين أشاروا إلى هذا التلوين المتعمد، وأعادوا الاعتبار للوثائق الحقيقية المجردة، وهو ما يؤكد الرواية التحليلية التي ترى في تحرير الخرطوم فعل سيادة، لا انفلاتًا همجيًا.
وبوضه الإمام المهدي عليه السلام وقيادة الدولة وقتئذٍ في ميزان التاريخ، نجد أن الإنصاف التاريخي للإمام المهدي ومن معه يستند إلى أفعالهم، لا إلى الأسطرة، فالرجل قاد حركة امتلكت عمقًا اجتماعيًا واسعًا، وأدار انتقال السلطة، وفرض الانضباط، وسعى إلى تقليص كلفة العنف، وهذه المعايير تضعه ضمن قادة التحرر في القرن التاسع عشر، الذين واجهوا إمبراطوريات بموارد محدودة، واعتمدوا على الشرعية الشعبية والتنظيم، والهجوم عليه يستند غالبًا إلى إسقاطات زمنية، أو إلى مصادر دعائية، أو إلى قراءة مجتزأة للحدث، وغبائن أسرى وضباط مخابرات؛ لذلك التحليل المتكامل يعيد الميزان إلى موضعه الطبيعي.
وأقول: الدرس المستفاد أن تحرير الخرطوم يقدّم عبرًا تتجاوز الماضي:
السيادة تتحقق عبر القرار والتنفيذ والانضباط.
الشرعية الشعبية تمثّل ركيزة ردع داخلية.
العنف السياسي يفقد معناه فور غياب الهدف.
الذاكرة التاريخية غير المنضبطة تتحول إلى أداة صراع داخلي.
هذه الدروس مجتمعة تشكّل قاعدة معرفية لفهم مسار الدولة السودانية، وتمنح الحدث قيمته المستمرة.
ختاما: إن تحرير الخرطوم عام 1885م يقف في سجل التاريخ السوداني بوصفه لحظة سيادة مكتملة العناصر، فالحدث جمع بين القرار السياسي، والحسم العسكري، والإدارة المدنية، والشرعية الاجتماعية، ضمن هذا الميزان، يتأكد أن ما جرى كان تحريرًا مؤسسًا لدولة، وفق شروط عصره ومعاييره.
هذه القراءة لا تدافع، ولا تبرر، ولا تهاجم، إنها تزن الوقائع بميزان العلم، وتضع الرجل والحدث في موضعهما الصحيح داخل التاريخ الإنساني لتجارب التحرر.
الجمعة، 16 يناير 2026
`في ذكرى الإسراء والمعراج ٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ الموافق ١٦ يناير ٢٠٢٦م`
الخميس، 8 يناير 2026
حرب الألف يوم
السبت، 3 يناير 2026
البرهان: هل يريد مصالحة الاصطفاف أم عقد الدولة؟!
البرهان: هل يريد مصالحة الاصطفاف أم عقد الدولة؟
عروة الصادق
● فوق ركام القصر الجمهوري القديم "قصر الجلاء" وفي خطاب الأول من يناير 2026م، بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال، قدّم الفريق أول عبد الفتاح البرهان عبارة ذات وقع مريح في ظاهرها: “باب المصالحة الوطنية مفتوح” مع تأكيد أن “السودان يسع الجميع”، مترافقة مع نبرة حرب مهتزة وبصوت متهدج تصف ما يجري بوصفه معركة استقلال جديدة وتَعِد بحسم عسكري قريب. هذه الصيغة الخبيثة، في ميزان السياسة زمن النزاع، تُقرأ رسالة محسوبة السقف، تُدار بمنطق العبارة الجامعة التي تُبقي الاحتمالات متداولة، ثم تُنزَّل ميدانيًا وفق مقتضى القوة ومقتضى الشرعية معًا.
● المصالحة في هذا السياق المضطرب تكاد تنفصل عن معناها المجتمعي الذي يستدعي الاعتراف بالأذى، وترتيب جبر الضرر، وإصلاح بنية الدولة، وصيانة الحقوق بضمانات نافذة، والاعتراف بالحقيقة، لتقترب من معنى آخر يرمي إليه البرهان وهو: توسيع معسكر السلطة عبر الاستيعاب، وصناعة قبول سياسي قابل للتسويق داخليًا وخارجيًا، مع بقاء مركز القرار محروسًا بمنطق الضرورة الحربية، وهكذا تتحول المصالحة إلى عملية ضمّ سياسي أكثر من كونها عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة والمجتمع.
● في قاموس الخطاب البرهاني، تتكرر ثلاثية ثابتة رديئة الحبك: توصيف الحرب بوصفها معركة سيادة وكرامة، ثم مناداة القوى “الوطنية” للالتفاف حول الجيش والدولة، ثم فتح الباب لمن يلتحق بهذا الصف، وعند هذا المفصل تتشكل مصالحة الاصطفاف؛ مصالحة تُقاس بدرجة القرب من مركز السلطة زمن الحرب، لا بدرجة القرب من روح الوطن زمن السلم؛ ويصبح المعيار موقعك من الميدان، ثم تُمنح اللغة ما يلائمك من مفردات السعة والتسامح والبيت الجامع؛ ولكن كل ذلك ينهار أمام شحوب وجه البرهان وكلاحة وفداحة مشهده التصويري.
● في مدرسة الفكر الوطني الديمقراطي ظللنا نردد أن المصالحة عمران أخلاقي وسياسي: تتحول فيها الدولة من حَكَم طرفي إلى حَكَم عدلي، وتنتقل القوة من وظيفة غلبة إلى وظيفة حماية، وتنتظم الذاكرة الجريحة عبر مسار عدالة انتقالية يداوي ويُحاسب ويمنع التكرا، أمّا مصالحة الاصطفاف فتنقل المجتمع من انقسام إلى انقسام آخر، من انقسام السلاح إلى انقسام الشرعية، ومن انقسام الجبهات إلى انقسام المجال المدني ذاته، ومن انقسام الجغرافيا إلى انقسام الاثنيات.
● العبارة المعلنة واسعة للغابة؛ غير أن الحدود تُفهم من المرافقة الخطابية: وعد بالنصر العسكري وربط المصالحة بالسير في طريق المعركة، وعند هذه المرافقة يتخلق استثناء ضمني؛ المصالحة تُفتح أساسًا لمن يبدّل موقعه باتجاه معسكر الدولة أو لمن يُقبل ضمن ترتيبات داخل المعسكر المدني غير المسلح، بينما الطرف المسلح المقابل تُطرح معه شروط تُشبه تسوية من بوابة الانسحاب، فتغدو المصالحة معه صورة مؤجلة أكثر من كونها مسارًا تفاوضيًا متكافئًا.
● وبذلك تتوزع المصالحة على مسارين متداخلين: ترتيب الحاضنة المدنية حول القيادة العسكرية عبر استدعاء قوى إلى بورتسودان وإبعاد أخرى وتقسيم المجال العام إلى “وطني” و”مُعطِّل”، والتقاط الأفراد من الضفة الأخرى عبر منافذ عودة ووعود وظيفة وانتقال تُفكك الخصم من أطرافه مع إبقاء الرأس السياسي والعسكري خارج الاعتراف، وهذه هندسة مجال سياسي في سياق حرب طويلة أكثر من كونها إعادة تأسيس دولة على قواعد مشتركة.
● إن اختيار البرهان منصة الاستقلال السبعينية لإطلاق خطاب المصالحة يمنح العبارة أدوارًا ثلاثة في آن واحد:
داخليًا، تُصنع شرعية الصبر؛ ففي حرب تطول يتضخم الإرهاق الشعبي ويحتاج مركز السلطة إلى خطاب يوازن بين التعبئة والتنـفيس، فتعمل المصالحة صمامًا اجتماعيًا يمنح جمهورًا متعبًا أفقًا سياسيًا من غير تغيير جوهر المعادلة الميدانية.
خارجيًا، تتشكل لغة قابلة للتسويق الدبلوماسي؛ فالعواصم والوسطاء يبحثون عن مفردات مرونة، وجملة “باب المصالحة مفتوح” تصلح للاقتباس وتغليف الموقف بوصفه قابلًا للحل السياسي.
تنافسيًا، تُسحب مركزية الحل نحو القيادة العسكرية بوصفها الممر الإجباري لأي تسوية، فتتحول المصالحة إلى مظلة تصنيف: شراكة لمن يدخل تحتها واعتراض معزول لمن يقف خارجها.
● لذلك أقول: أن المصالحة الجذرية تُقاس بأفعال قابلة للتحقق، فالمعيار برودة الإجراء المنضبط لا حرارة العبارة، وعلاماتها العملية تشمل القبول بهدنة ووقف إطلاق النار وحماية المدنيين بإجراءات معلنة قابلة للرصد، وفتح مسارات إنسانية موثقة، وجدول ترتيبات أمنية تدريجي واضح المعالم يضع السلاح في موضع وظيفي داخل الدولة، والتزامًا صريحًا بعدالة انتقالية تشمل الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، إضافة إلى تفكيك اقتصاد الحرب عبر شفافية الموارد وضبط الجبايات وتحييد التمويل المسلح وفتح ملفات التعاقدات العامة وتفكيك الدولة الخفية الاي أججت الحرب ويحتمي البرهان بظلالها. في المقابل تظهر المصالحة التكتيكية في لجان بلا ولاية، ومؤتمرات بلا ضمانات، وحوارات تُدار لتجميل صورة السلطة ثم تُترجم إلى حصص ومقاعد وواجهات، حيث يتحول الحق الجماعي إلى عرض سياسي، والعقد المُلزِم إلى حملة علاقات عامة، وتتجسد مناورة الشرعية.
● كما أن طرح الواجهات المدنية والشبابية والمهنية والنسوية يحمل قابلية عالية للاستعمال زمن الحرب ضمن مشروع مصالحة على مقاس السلطة: إنتاج مجتمع مُعترِف بدل بناء دولة مُنصِفة. هنا تتبلور مفردة تصلح للتداول: شبكات القبول؛ شبكات تُصاغ عبر التمويل والرعاية والإعلام، ثم تُقدَّم للعالم باعتبارها الصوت المدني، بينما المجتمع الحقيقي يتفكك تحت وطأة النزوح والجوع والخوف، وعندئذٍ تصير المصالحة إعادة هندسة للمجال المدني: من يمثل ومن يتحدث ومن يجلس قرب الطاولة ومن يُترك خارج الصورة.
● في ضوء بنية الخطاب البرهاني، تميل التطورات إلى ثلاثة اتجاهات كبرى:
مسار استيعاب سياسي يتوسع عبر لقاءات ولجان بعنوان المصالحة مع انتقاء مدروس للمدعوين وتدوير خطاب السعة بوصفه تفويضًا لتجميع الحاضنة كما حدث في حوار الوثبة البشيري،
ومسار تصلب عسكري مع بقاء العبارة متداولة بينما يظل الميدان الحكم الفعلي،
ومسار ضغط خارجي يفرض إجراءات جزئية مثل هدن إنسانية محدودة وخطوات إجرائية تحت ضغط الوساطة مع احتفاظ مركز السلطة بسقف سياسي مرتفع. هذه الاتجاهات تُظهر كيف تعمل الكلمة السياسية زمن النزاع: تُفتح الأبواب لغويًا وتُقفل الممرات بنيويًا.
● ختاما: أؤكد أن المصالحة التي تليق بالسودان تقوم على قاعدة واحدة: الدولة تتسع للجميع عبر القانون والحقوق، لا عبر الاصطفاف. فإذا بقيت المصالحة رهينة الالتحاق بالصف تحولت إلى مشروع لإعادة ترتيب الولاءات، وصار الاستقلال شعار تعبئة، وتحول الوطن إلى مساحة امتحان للانتماءات. الميزان الحاسم يظل ميزان التحقق: حماية المدنيين، خارطة ترتيبات أمنية، أساس عدالة انتقالية، وتجفيف اقتصاد الحرب. عند تحقق هذه العلامات يدخل السودان بوابة مصالحة تعيد بناء الدولة، وعند بقائها في حدود العبارة يلوح فصل جديد من مناورات الشرعية في زمن حرب ممتدة.