البرهان: هل يريد مصالحة الاصطفاف أم عقد الدولة؟
عروة الصادق
● فوق ركام القصر الجمهوري القديم "قصر الجلاء" وفي خطاب الأول من يناير 2026م، بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال، قدّم الفريق أول عبد الفتاح البرهان عبارة ذات وقع مريح في ظاهرها: “باب المصالحة الوطنية مفتوح” مع تأكيد أن “السودان يسع الجميع”، مترافقة مع نبرة حرب مهتزة وبصوت متهدج تصف ما يجري بوصفه معركة استقلال جديدة وتَعِد بحسم عسكري قريب. هذه الصيغة الخبيثة، في ميزان السياسة زمن النزاع، تُقرأ رسالة محسوبة السقف، تُدار بمنطق العبارة الجامعة التي تُبقي الاحتمالات متداولة، ثم تُنزَّل ميدانيًا وفق مقتضى القوة ومقتضى الشرعية معًا.
● المصالحة في هذا السياق المضطرب تكاد تنفصل عن معناها المجتمعي الذي يستدعي الاعتراف بالأذى، وترتيب جبر الضرر، وإصلاح بنية الدولة، وصيانة الحقوق بضمانات نافذة، والاعتراف بالحقيقة، لتقترب من معنى آخر يرمي إليه البرهان وهو: توسيع معسكر السلطة عبر الاستيعاب، وصناعة قبول سياسي قابل للتسويق داخليًا وخارجيًا، مع بقاء مركز القرار محروسًا بمنطق الضرورة الحربية، وهكذا تتحول المصالحة إلى عملية ضمّ سياسي أكثر من كونها عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة والمجتمع.
● في قاموس الخطاب البرهاني، تتكرر ثلاثية ثابتة رديئة الحبك: توصيف الحرب بوصفها معركة سيادة وكرامة، ثم مناداة القوى “الوطنية” للالتفاف حول الجيش والدولة، ثم فتح الباب لمن يلتحق بهذا الصف، وعند هذا المفصل تتشكل مصالحة الاصطفاف؛ مصالحة تُقاس بدرجة القرب من مركز السلطة زمن الحرب، لا بدرجة القرب من روح الوطن زمن السلم؛ ويصبح المعيار موقعك من الميدان، ثم تُمنح اللغة ما يلائمك من مفردات السعة والتسامح والبيت الجامع؛ ولكن كل ذلك ينهار أمام شحوب وجه البرهان وكلاحة وفداحة مشهده التصويري.
● في مدرسة الفكر الوطني الديمقراطي ظللنا نردد أن المصالحة عمران أخلاقي وسياسي: تتحول فيها الدولة من حَكَم طرفي إلى حَكَم عدلي، وتنتقل القوة من وظيفة غلبة إلى وظيفة حماية، وتنتظم الذاكرة الجريحة عبر مسار عدالة انتقالية يداوي ويُحاسب ويمنع التكرا، أمّا مصالحة الاصطفاف فتنقل المجتمع من انقسام إلى انقسام آخر، من انقسام السلاح إلى انقسام الشرعية، ومن انقسام الجبهات إلى انقسام المجال المدني ذاته، ومن انقسام الجغرافيا إلى انقسام الاثنيات.
● العبارة المعلنة واسعة للغابة؛ غير أن الحدود تُفهم من المرافقة الخطابية: وعد بالنصر العسكري وربط المصالحة بالسير في طريق المعركة، وعند هذه المرافقة يتخلق استثناء ضمني؛ المصالحة تُفتح أساسًا لمن يبدّل موقعه باتجاه معسكر الدولة أو لمن يُقبل ضمن ترتيبات داخل المعسكر المدني غير المسلح، بينما الطرف المسلح المقابل تُطرح معه شروط تُشبه تسوية من بوابة الانسحاب، فتغدو المصالحة معه صورة مؤجلة أكثر من كونها مسارًا تفاوضيًا متكافئًا.
● وبذلك تتوزع المصالحة على مسارين متداخلين: ترتيب الحاضنة المدنية حول القيادة العسكرية عبر استدعاء قوى إلى بورتسودان وإبعاد أخرى وتقسيم المجال العام إلى “وطني” و”مُعطِّل”، والتقاط الأفراد من الضفة الأخرى عبر منافذ عودة ووعود وظيفة وانتقال تُفكك الخصم من أطرافه مع إبقاء الرأس السياسي والعسكري خارج الاعتراف، وهذه هندسة مجال سياسي في سياق حرب طويلة أكثر من كونها إعادة تأسيس دولة على قواعد مشتركة.
● إن اختيار البرهان منصة الاستقلال السبعينية لإطلاق خطاب المصالحة يمنح العبارة أدوارًا ثلاثة في آن واحد:
داخليًا، تُصنع شرعية الصبر؛ ففي حرب تطول يتضخم الإرهاق الشعبي ويحتاج مركز السلطة إلى خطاب يوازن بين التعبئة والتنـفيس، فتعمل المصالحة صمامًا اجتماعيًا يمنح جمهورًا متعبًا أفقًا سياسيًا من غير تغيير جوهر المعادلة الميدانية.
خارجيًا، تتشكل لغة قابلة للتسويق الدبلوماسي؛ فالعواصم والوسطاء يبحثون عن مفردات مرونة، وجملة “باب المصالحة مفتوح” تصلح للاقتباس وتغليف الموقف بوصفه قابلًا للحل السياسي.
تنافسيًا، تُسحب مركزية الحل نحو القيادة العسكرية بوصفها الممر الإجباري لأي تسوية، فتتحول المصالحة إلى مظلة تصنيف: شراكة لمن يدخل تحتها واعتراض معزول لمن يقف خارجها.
● لذلك أقول: أن المصالحة الجذرية تُقاس بأفعال قابلة للتحقق، فالمعيار برودة الإجراء المنضبط لا حرارة العبارة، وعلاماتها العملية تشمل القبول بهدنة ووقف إطلاق النار وحماية المدنيين بإجراءات معلنة قابلة للرصد، وفتح مسارات إنسانية موثقة، وجدول ترتيبات أمنية تدريجي واضح المعالم يضع السلاح في موضع وظيفي داخل الدولة، والتزامًا صريحًا بعدالة انتقالية تشمل الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، إضافة إلى تفكيك اقتصاد الحرب عبر شفافية الموارد وضبط الجبايات وتحييد التمويل المسلح وفتح ملفات التعاقدات العامة وتفكيك الدولة الخفية الاي أججت الحرب ويحتمي البرهان بظلالها. في المقابل تظهر المصالحة التكتيكية في لجان بلا ولاية، ومؤتمرات بلا ضمانات، وحوارات تُدار لتجميل صورة السلطة ثم تُترجم إلى حصص ومقاعد وواجهات، حيث يتحول الحق الجماعي إلى عرض سياسي، والعقد المُلزِم إلى حملة علاقات عامة، وتتجسد مناورة الشرعية.
● كما أن طرح الواجهات المدنية والشبابية والمهنية والنسوية يحمل قابلية عالية للاستعمال زمن الحرب ضمن مشروع مصالحة على مقاس السلطة: إنتاج مجتمع مُعترِف بدل بناء دولة مُنصِفة. هنا تتبلور مفردة تصلح للتداول: شبكات القبول؛ شبكات تُصاغ عبر التمويل والرعاية والإعلام، ثم تُقدَّم للعالم باعتبارها الصوت المدني، بينما المجتمع الحقيقي يتفكك تحت وطأة النزوح والجوع والخوف، وعندئذٍ تصير المصالحة إعادة هندسة للمجال المدني: من يمثل ومن يتحدث ومن يجلس قرب الطاولة ومن يُترك خارج الصورة.
● في ضوء بنية الخطاب البرهاني، تميل التطورات إلى ثلاثة اتجاهات كبرى:
مسار استيعاب سياسي يتوسع عبر لقاءات ولجان بعنوان المصالحة مع انتقاء مدروس للمدعوين وتدوير خطاب السعة بوصفه تفويضًا لتجميع الحاضنة كما حدث في حوار الوثبة البشيري،
ومسار تصلب عسكري مع بقاء العبارة متداولة بينما يظل الميدان الحكم الفعلي،
ومسار ضغط خارجي يفرض إجراءات جزئية مثل هدن إنسانية محدودة وخطوات إجرائية تحت ضغط الوساطة مع احتفاظ مركز السلطة بسقف سياسي مرتفع. هذه الاتجاهات تُظهر كيف تعمل الكلمة السياسية زمن النزاع: تُفتح الأبواب لغويًا وتُقفل الممرات بنيويًا.
● ختاما: أؤكد أن المصالحة التي تليق بالسودان تقوم على قاعدة واحدة: الدولة تتسع للجميع عبر القانون والحقوق، لا عبر الاصطفاف. فإذا بقيت المصالحة رهينة الالتحاق بالصف تحولت إلى مشروع لإعادة ترتيب الولاءات، وصار الاستقلال شعار تعبئة، وتحول الوطن إلى مساحة امتحان للانتماءات. الميزان الحاسم يظل ميزان التحقق: حماية المدنيين، خارطة ترتيبات أمنية، أساس عدالة انتقالية، وتجفيف اقتصاد الحرب. عند تحقق هذه العلامات يدخل السودان بوابة مصالحة تعيد بناء الدولة، وعند بقائها في حدود العبارة يلوح فصل جديد من مناورات الشرعية في زمن حرب ممتدة.