الحبيب الإمام .. كانت حياته محبة وسلام
عروة الصادق
٢٦ أكتوبر ٢٠٢١م
لم نع الدنيا بتفاصيلها إلا معه، ولم نفهم معاني الوحي والتنزيل والفكر والثقافة والأدب والرياضة والحياة بحذافيرها إلا منه، ولم نسر في طريق الحق ونتحمل وعورته إلا على يديه.
كان يجرنا إليه بحنو والأب وحنان الأم، ويمد يده لينتشلنا من درك الغلو ومزالق الاستلاب، ويجرها منا لئلا نقبلها.
عرفنا بالسودان وتضاريسه وحدوده الموروثة وعلمنا الفرق بين "الجوغان والهجليج"، "البيض والحميض"، "علوق الشدة وبوخة المرقة"، "التوقيع والترقيع"، وعفرنا بالفلكلور السوداني، وذخرنا بالأمثال والقصص، ربطنا بحلقات انتمائنا العربية والافريقية، الإسلامية منها والدينية الاخرى، جعلنا نفتخر بكوننا منشأ الإنسانية ومنبع الحضارة وكان حريصه على أبراز تلك الحضارة النوبية، فكانت حياته ثورة ثقافية كاملة لم يعشها لذاته وإنما أوقفها لله وعباده، وكيفنا للتعاطي مع كل هذا مرددا: "الما بعرف ما تدوه يغرف، بكسر الكاس وبعطش الناس".
علمنا كيف نقرأ وأن نصغي للكافة، ونكتب وندون وأن نحترم الآدمية لكونها من بنووة آدم عليها السلام غض النظر عن لونها وجنسها ولسانها وعرقها.
جعل الاعتزاز بالنساء واجبا دينيا فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وإنسانيا لأن أكرمهم/ن ليس أرجلهم بل أتقاهم/ن، وأن الحياة لن تزهر وتزدهر إلا بهن.
كان عف اللسان عفيف اليد طاهر القلب، يهزم الطغاة ويهدم الباطل دون توان أو وجل، كان موقنا أن السايقة واصلة والمطرودة ملحوقة وأن الديمقراطية عائدة وراجحة.
دفع ثمنا لمبدئيته الانقلاب عليه في ١٩٨٩م ولأجل ذلك حوكم وسجن واعتقل ونفي من البلاد، وظل رأيه في التسلط الداخلي والاعتداء الخارجي ثابتا، حتى لقي الله وهو يرفض الاعتداء على سيادة الشعوب ضد التطبيع وتقطيع الدول وتركيعها.
رأيته يجالس مبعوثي الأمم وسفراءهم ووجهاء القوم ويستمع إليهم ويحاورهم وبذات القدر يجالس الأطفال ويصغي إليهم ويهاديهم ويكتب لهم ويحكي لهم عن وطنهم ودينهم.
أحببناه حتى خشينا عليه منا، وعلى أنفسنا من فقده جراء هذه المحبة، فمن فرط هذه المحبة وفي تدافع شديد أصابه أحدهم في تدافع الأنصار حتى سال دمه فرددنا أن من المحبة ما قتل، هذه المحبة كلفتنا أحبابا وأهلا وأصحابا ظلوا يخيرونا بين العيش مترفين في كنف اليزيد أو أن نصلي جائعين خلف سبط الحسين فاخترنا الإمام الصادق الأمين.
في هذا اليوم فجعت برحيل جسده عن الفانية، ويقيني أنه خلد ما يبقي أنفاسه بيننا في حلنا وترحالنا فكثير من الحبان تلتقيه ويذكرك به، في الخضرة ترى اهتمامه بالزرع، في البسطاء تتذكر وقوفه لهم.
نذكر وصاياه لنا بأن السودان أرض الأجداد ومنبت الرزق يستحق الفداء والتضحية، وأن هذا الدين متين وعلينا أن نوغل فيه برفق، دون غلو أو تطرف، وجعل الدعوة لله على بصيرة بنهج صحوي قائم على حقائق الوحي المسطور وكتابه المنشور، تسندها المزاوجة بين العقل والنقل وبين الأصل والعصر، لم تسعفه الأيام على إكمال التفسير، وقد حببنا الحبيب في سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وعرفنا بسيرته وكأننا لم نسمع أو نقرأ عنه من قبل وقد بدأ كتابة السيرة لنبي الرحمة نسأل الله أن ترى جميع مخطوطاته النور ليرى بها العالمين هذا الرجل.
اللهم أنر وجهه بنور وجهك الكريم وارزقنا وإياه صحبة رسولك الكريم.