الخميس، 2 يونيو 2022

الخلافة الكرتية في الحركة الإسلامية السودانية


• الخلافة والاستخلاف من الأمور الإسلامية الواجبة على الجماعات والأفراد فالفرد مستخلف في الأرض لاستعمالها واستعمالها، وخليفة الله جل جلاله يومئذ قال: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) رغم اتهامه المسبق من الملائكة عليهم السلام بالفساد والإفساد حينما (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) البقرة: 30، وكذلك للجماعات دور استخلافي بشروطه الملزمة المرتبطة بعبادة الله المقرونة مع العمل الصالح الواردة في قوله تعالى: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور: 55، والناظر لكثير من الحركات الإسلامية أنها جعلت من الاستخلاف خلافا، ومن الإستعمار استحمارا للشعوب واستبدادا عليهم، وقد انتظمت فترات خلافة مختلفة في قيادتها واختيارها وأنماط حكمها من الخلافة الراشدة العادلة الراجحة إلى العهود الأموية والفاطمية والعباسية وما تبعها من أنماط الملك العضود المتناسل في خلفاء مستبدين وأمراء باطشين على مر تلك العصور وصولا للخلافة العثمانية (الخديوية) والبغدادية (الداعية) في العصر الحديث، وها نحن في السودان تطل علينا الخلافة (الكرتية) للحركة الإسلامية السودانية التي لم تقرن أفعالها بإيمان أو عمل صالح فممارسة هذه المؤسسة تغاير كل نهج قويم وتجافي كل ذوق سليم وتتحالف مع دول خلافة أخرى كالتي في السودان وغرب إفريقيا ومن قبلها ارتباطها بتنظيم القاعدة وحركة طالبان أفغانستان ولا أحد يستبعد إستئناف تواصلهم بعد إخراجهم من السجون إلى رحاب الحياة الفسيحة تحت كنف إنقلاب 25 أكتوبر 2021م.

• ولا يستطيع أحد أن يبخس تنظيم الحركة الإخوانية في السودان واشتقاقاتها التنظيمية وواجهاتها السياسية والاجتماعية والخدمية كون لهم القدرة على التنظيم المحكم والتدبير الدقيق، وقد استفادوا من تجربة التنظيمات السرية في التجربة الشيوعية والتزموا نهجا عقديا حاكما صبغوه بالتعليمات العسكرية الصارمة، تولدت عن كل ذلك قيادات قمة في المكر والدهاء وغاية في الذكاء، إلا أنهم أجابوا تلك النعم إلى نقم وصارت تلك المنح محنا وحق فيهم قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ) إبراهيم: 28، وبسوء صنيعهم وشر تدبيرهم نعيش فيما نحن فيه.


• إن "كرتي" هو أحد أولئك الذين فرختهم تلك الحركة الإخوانية التي استحالت إلى الجبهة الإسلامية القومية التي انشطرت إلى المؤتمرين ( الشعبي والوطني)، وصار كرتي أحد أهم أعمدة المشروع مكرا ودهاء وتآمرا حتى على شيخه الذي بايعه، ففي ذمة الرجل بيعة مخفورة، يريد أن يكفر عنها بمظهر (الترابي) الذي تقمص فيه شخصية شيخه، إلا أن كل ذلك العناء لن يبدل الحتمية واليقين الراسخ أن "كرتي" أحد (كروت) الإسلاميين "المحروقة" والتي يحاولون اللعب بها في طاولة السياسية السودانية.

• ومحاولة تقديم "كرتي" عبر مختصي الترويج الإعلامي وإختصاصي حرق البخور السياسي هو محاولة بائسة لوضعه كواجهة مقبولة يمكن أن تحدث اختراق في الأوساط السياسية السودانية سيما وسط الجماعات الحركية والانشطارات الإخوانية، والمجموعات السلفية، ووسط بعض البيوتات الدينية التي فقدت امتيازها الحكومي بسقوط نظام "كرتي"، ودون أدنى شك تبارى الإعلام الإخواني وآلته التنظيمية لإحداث ضوضاء لإثبات تواجد "كرتي" وتقديمه كوجه خارجي للمحيط الإقليمي والدولي يمكن التغاضي عن ظهوره على السطح.


• وفي ظهور "كرتي" أيضا مخاطبة لأشواق شتات الإسلاميين الذين يريدون تطبيق "النظام الخالف الذي تركه د. الترابي، إلا أن هذا الاقتحام السياج "النظام الخالف خلق تصادما بين أبناء البيت الاسلامي الواحد وتجلى ذلك في بوادر الانشقاق التي لاحت في أنشطة وتصريحات قادة المؤتمر الشعبي، والذين رفض قطاع عريض منهم لأي دخول لجماعة "كرتي" في هذا "النظام الخالف", لأن "كرتي" ضمن الذين تآمروا على شيخه "الترابي" وإنحاز إلى نزغ السلطة والمال وترك الفكر والشرعية ونزع عن نفسه اي توقير لحاضنته الأم.

• وتعد عودة الإسلاميين إلى الممارسة السياسية عبر شخصية مثل "كرتي"، ضربا من ضروب البؤس والتعاسة، مجافيا للحكمة والفطنة والكياسة، وهذه الفكرة تعيد للناس أصداء سيرة الرجل الدموية والعنصرية الملطخة بالانتهاكات والموصومة بالفساد والإفساد وبيع المرافق والمؤسسات، ومهما قيل وكتب فإن "كرتي" من الذين أسقط الشعب السوداني نظاماً ظل أحد عرابيه وقادته ونافذيه مصمما لكثير من الخطط والأنشطة السياسية والأمنية التي أورثت البلاد ما نحن فيه من تهالك وتمزيق لأوصالها.

• فإن كان للإسلاميين رغبة للعودة إلى العلن بعد تجربة البطش والتنكيل والفساد والاستبداد وتقسيم البلاد التي استمرت ٣٠ سنة، فعليهم إعمال المراجعات السياسية والفكرية والاعتذار للشعب السوداني وقبول أي إجراءات عقابية في مواجهة المفسدين "ككرتي" عوضا عن ترميزهم وإعادة تدويرهم من جديد، وهذه المراجعات ينبغي أن تتسم بالجدية والموضوعية والمواءمة لواقع الأمة المعاش.


• وهنالك نماذج إسلامية في العالم أعادت صياغة منهجها وتفكيرها وتدبيرها، كحزب "الرفاه" في تركيا الذي تم حله ليصبح "الفضيلة" ومن بعد حله مرة أخرى صار "التنمية والعدالة" الذي دفع بأردغان لسدة السلطة، وهناك نموذج المنادين بتقييم تجاربهم كالشيخ الدكتور "عبد الفتاح مورو" وغيره ممن أدركوا خطر الاستبداد السياسي باسم الإسلام وتقدموا من قوالب "الغلاة" إلى نهج "الصحاة"، وحتى المراقب لحركة "النهضة التونسية" وجماعة "الإخوان المصرية" وحركة "الشباب الصومالية" يجد أن هناك تنادي لمراجعات وتقييم للتجربة وتغيير للشخوص بل حتى الأسماء التنظيمية والهياكل المؤسسية، واجترحوا لذلك أسماء تتماهى مع شعارات تنموية وإنسانية وبعضهم أجاز الديمقراطية والإقرار بحقوق الإنسان ضمن صيغته الجديدة.


• ما لم تحدث تلك المراجعات ويطرأ ذلك التغيير في المنظومة الإخوانية ككل وواجهاتها، حتى وإن عاد "كرتي" بالطريقة "الترابية" فهذا لن يكف بل سيعلي من أصوات السخط عليه وعلى الحركة والتنظيم، لأنه من أكثر المبخسين للثورة وأشد المستهزئين بالشباب، ولم ينس الجميع استحوازه على آلاف الأمتار السكنية وعشرات الآلاف من الأراضي الزراعية وتاريخه السيء في الأمن الشعبي والدفاع الشعبي والعمل الجهادوي والعمليات الخاصة وعبثه الدبلوماسي في الخارجية السودانية وترسيخه لمنظومة التمكين التي دمرت مرافق الدولة.

• كما أن الأمر الصادم للجماعات الإسلامية ذاتها في ظهور "كرتي" هو تقمصه لدور "المرجعية" لحركة دينية هو أبعد ما يكون فيها عن العلم والاجتهاد وسبر أغوار الدين، فأنى له أن يتقدم إن طبقت فيه حتى شروط القيادة النظرية الظاهرية للحركة الإسلامية؟؟؟!! فتولي قيادة تنعقد ولاية الأمر فيها ببيعة يشهدها الله والناس أجمعين ليست أمراً عبثيا عند الكيانات الإسلامية حتى يكون "كرتي" شيخا كما أطلقوا عليه أو أميرا مبايعا.

• فكرتي لم يصنف يوما واحدا من شيوخ الدين أو عرف عنه حتى في الجماعات الإسلامية بأنه شخص (صالح) بل ظل دوما من (جماعة المصالح)، ويقيني أن نعومة التظاهر التي بدا بها "كرتي" تخفي خلف طياتها تاريخ من المؤامرات والدسائس التي أودت بالزبير محمد صالح ومجذوب الخليفة وإبراهيم شمس الدين وغيرهم من قادة الحركة والتنظيم، وما يؤسف له أنه "كرتي" لا زال ذلك الحبل السري لمصالح الإسلاميين في المؤسسة العسكرية وواجهاتها الأمنية وظل المسرب الذي يغذي بعض الجنرالات ويتغذي من خلاله التنظيم والحركة وتحفظ مصالحه الشخصية على أسس قبلية وإثنية ضيقة فكما أسلفت فالرجل عنصري حتى النخاع.

باختصار كرتي (كرت) محروق زاد تأليب الشارع على الإسلاميين، وسيجلب لهم مزيدا من الهتافات التي ظلوا يرتعدون منها لثلاث أعوام مضت ك (أي كوز ندوسو دوس)، وبهذه الصورة الفوقية الاستغفالية الاستفزازية لن يعود الإسلاميين إلى الساحة ولن تقوم للجماعة الإخوانية قائمة حتى تشرق شمس السودان من مغربها، وأمامهم التغيير (الجذري) وإلا فالاقتلاع (الجذري)، ولن تفيدهم تقديمات الانقلاب لهم ووكلائه للمنطقة والإقليم والعالم حتى وإن وفروا لهم سبل التفاوض المباشر في ابوظبي والرياض والقاهرة وتل أبيب وواشنطن.

@orwaalsadig