الاثنين، 15 أغسطس 2022

جيشنا

جيشنا
▪︎ يظل الجيش السوداني بتاريخه الطويل يمثل أحد الممسكات القومية التي حاولت جميع الأنظمة الاستبدادية والتنظيمات الأيدولوجية تدينه لصالح مشروع أحادي أو اقصائي أو تدميري، وقد رأينا كيف للسودانيين ان يشار إليهم بالبنان قي شجاعتهم وبسالتهم، فهم رماة الحدق، الذين منعوا جيوش الفتح الإسلامي من دخول السودان، وهم السبب الرئيس في دخول جيوش الخلافة العثمانية للسودان، وهم كذلك من دحروا بريطانيا العظمى، وقوضوا حكمها في السودان، وهم قوات الشعب المسلحة التي كانت تحرس الثغور شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. 


▪︎ هذا شرف الجندية السودانية التي زادت عن الأرض والمال والعرض ولم تفرط في شبر من تراب الوطن أو مياهه الإقليمية أو سمائه، ولكن ما نشهده اليوم يظل غصة في حلق الشعب وجنرالات السودان الافذاذ، فنحن نرى حال الجندي السوداني الذي يقاسي ويكابد شظف العيش، يعمل في أعمال هامشية بعد انتهاء مناوبة خدمته، وبعضهم لجأ إلى الهروب من الخدمة والعمل في مناطق التعدين ومنهم من فر خارج البلاد، إذ تقدر نسبة التسرب في القوات النظامية السودانية (شرطة ، جيش ، أمن ) بنسبة ٥% من القوة الكلية، غير المطالبات بالاجازات السنوية وطلبات الاستقالة.


▪︎ انا هنا لن أنح لاستطراد ما ارتكبته هذه القوات من فظائع في حق الشعب السوداني، وانتهاكات ظلت مسجلة على مر الدهور والعصور، حتى طلب جنرالاتها للمحكمة الجنائية الدولية ملاحقين كمجرمي حرب ارتكبوة جرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان وجرائم الحرب وتورطوا في الانقلابات العسكرية، كل هذا معلوم للقاصي والداني ويمكن الحصول عليه بكبسة زر بالصوت والصورة والأرقام المهولة لحوالي ٣٠٠ ألف قتيل وملايين النازحين واللاجئين وعشرات الآلاف من القرى التي تمت ابادتها بالكامل ومسحها مز الوجود.


▪︎ سأتحدث عن التراجع الكبير لمستوى تعليم الجندي السوداني الذي تاثر بانهيار المنظومة التعليمية في البلاد، حتى صار الالتحاق للمؤسسة العسكرية السودانية أسهل من الالتحاق بأي مليشيا مسلحة وقد انتشرت خيام التجنيد والانتساب في الأسواق مثلها مثل المذابح والمحال التجارية، وهو ما انعكس سلبا على مستويات التطوير المهني والتعليمي لهذه القوات التي كان قادتها اعلاما وادباء وعلماء وشعراء ومبدعين.


▪︎ كما ان حالة العوز والفقر التي يعيشها منتسبي ومعاشيي ومتقاعدي هذه القوات المسلحة يندى لها الجبين وينفطر لها القلب، فاليوم أقل راتب في البلاد وأدنى مستوى للأجور والمعاشات هو راتب ومعاش القوات النظامية والمعلمين والأطباء الذين يمثلون عماد البلاد وأهم أركانها.


▪︎ وانحسرت مزايا خدمة الجيش ومخصصاته ومرافقه الخدمية حتى صارت محتكرة لفئة قليلة، لا يستطيع السواد الأعظم من صف الضباط وصغار الضباط والجنود من الحصول عليها، فتجدهم يعيشون أقسى الأوضاع ويكابدون أسوأ الظروف، حتى صار الالتحاق لقوات الدعم السريع أغلى امانيهم والارتزاق في اليمن والمملكة العربية السعودية أغلى أمانيهم. 

▪︎ يقيم غالية جنود وضباط وصف ضباط القوات المسلحة في بيوتهم الخاصة أو مستأجرين أو في عشوائيات، لأن السكن الذي يتم بناؤه في الغالب يخصص لكبار الضباط من الرتب العليا، وحتى تلك المجمعات السكنية التي شيدت تم استثناء جزء كبير من كبار الضباط منها، ومورست في توزيعها المحسوبية وعدم الشفافية.

▪︎ نحن نطمح ان يكون نموذج السكن المستقبلي للجندي السوداني الأكثر راحة والأوفر للخدمات والأعلى تأمينا، فمن يحمي البلاد واجبنا ان نحمل أسرته في حدقات العيون، والا يلتحق بكتيبة أو فرقة أو سرية أو لواء أو متحرك إلا وهو مطمئن على عائلته ومعاشها وصحتها وأمنها. 

▪︎ ان عائلات الجيش السوداني كغالبية عائلات السودانيين ليس لها مة يمزها، فصغارهم يتعلمون في مدارس حكومية بائسة وجامعات باهظة التكاليف ورياض لا يستطيع أقدم ضابط في الجيش دفع تكاليفها ما لم يمارس مهنة أخرى كالزراعة في المواسم أو تجارة الفحم والصمغ والماشية أو غيره.

▪︎ وتمثل تعيينات القوات المسلحة ومهماتها ومعداتها وتسليحها ضربا من ضروب التخلف التقني والتكنولوجي، فجيشنا لا زالت أسلحة الجوية والبحرية وسلاح المشاة رثة وبالية لم يتم تحديثها وتطويرها منذ ثلاثين عاما أو يزيد، حتى تلك المحاولات التي تمت عبر الحرس الثوري الإيراني وغيره كانت متواضعة جدا، وكان قادة هذا الجيش لم يسمعوا بجيوش الجيل الخامس الروبوتية والمسيرة والمهيمنة على التكنولوجيا والفضاء.

▪︎ ويعد الغذاء والوجبات التي تقدم لأفراد الجيش عبارة عن معينات لحفظ حياة الجندي، فلا بها تقدير للسعرات الحرارية ولا كميات العناصر الغذائية التي تتماشى ما التدريب أو المهمة القتالية المعنية، فتستطيع ان ترى عناصر لتلك القوات في مرافق استراتيجية وحيوية كالكباري وبوايات القيادة العامة يأكلون ما بالكاد يسد الرمق ويذهب الجوعة.

▪︎ إن هذا البؤس الذي يعيشه الجندي السوداني يؤثر على صحته وبالتالي على صحة الجيش ككل، فاصابة جندي واحد بسوء التغذية أو السل كفيلة لأن تنقل عدواه لفصيلته أو سريته أو حتى رأس وحدته، واجب الدولة المحترمة تحقيق راحة ورفعة ورفاه الجندي السوداني، حتى يشعر ان هذا الوطن الذي ينعم على راحته يستحق تضحيه.

▪︎ كما أن التطوير المهني للجيش واجب الساعة، فالجيوش لم تعد مجرد كتائب مسلحة وحسب، بل صارت هناك كتائب تكنولوجية وسبرانية وقوات افتراضية، وحروب علمية وبايولوجية، وفي السودان، هنالك حرب وشيكة الاندلاع حول المياه، وهو الأمر الذي يستوجب تطوير كتائب مختصة ومتخصصة في المياه والري والحفريات والآبار والجيولوجيا، وكذلك كتائب متخصصة في التعدين والعناصر المستخدمة في التصنيع النووي واسرار الطاقة، لأن الحرب لم تعد ببندقية كلاشنكوف.

▪︎ هذا يتطلب عملا مرنا وسلسا بعيد عن انفعالات القادة الموروثة أو حماسة التدريبات، وهو ما يوجب إقامة نظام يحرص على تطوير البلاد، وينأى بعا عن المحاور التدميرية ويعقد شراكات ما دول وجيوش متقدمة ومتطورة، تهيمن على التكنولوجيا وتسلح المستقبل، وهو ما يمكن بدايته بتغيير سياسات وقوانين وشروط الالتحاق بالقوات المسلحة السودانية وكليتها الحربية، فدراسة تاريخ الجيوش لن تكون كافية لتطوير آفاق الجندي أو الضابط السوداني.

▪︎ ليعلم جميع جنود وصف ضباط وضباط القوات المسلحة السودانية ان الشعب السوداني وقواه السياسية والمجتمعية ليسوا على عداء معه، فالصلة بينهم صلة دم ورحم وعلاقة خدمة تضبطها قوانين ونظم، حاولت أنظمة واحزاب ايدولوجية زرع فتنة بين الجيش والشعب، وتم تصوير هذا العداء بأنه أزلي في الأنظمة الديمقراطية لا توقفه إلا الدكتاتوريات وتسلط الجيش، وهو أمر منافٍ للعقل والحقيقة ومجافٍ للموضوعية.

▪︎ فطموح الشعب السوداني أن ينعم أبناؤه في القوات المسلحة بالكفاية ويتمتعوا بالدعم والعون وتمويل المشروعات القابلة للسداد، والا يحتكر الأمر كبار الضباط ويستحوذوا على شركات ومشروعات كبرى باسم القوات المسلحة، لأن في ذلك إثراء فاحش لقلة قليلة وإفقار مدقع للسواد الأعظم من منسوبي هذه المؤسسة العريقة.

▪︎ السودان وطن مترامي الأطراف ويتحمل تشييد مدن إستراتيجية زراعية وصناعية وسياحية ومحميات طبيعية، وللأسف منذ تأسيس(كنانة، الرهد، حلفا الجديدة) لم يتم تأسيس اي مدينة أو التوسع التنموي بل اضمحلت المدن لتتريف، والواجب أن تأتي حكومة تحترم شعبها وتقدر موارده وتؤسس تلك المدن الزراعية في الفشقة ومدن الطاقة الشمسية في صحاري كردفان ودارفور والشكالية ومدن صناعية في مناطق أخرى ومدن تعدين يتم تخطيطها وتنتشر فيها حاميات للجيش تحرس البلاد وتؤمن حدوده وتنعم بخيراته، والا فيتظل حدودنا مستباحة ومواردنا منهوبة ومياهنا مهدرة.


▪︎ كل ما كتبته لن يتحقق وعلى رأس هذه القوات مجرمي حرب ومرتكبي فظائع ضد الإنسانية وقادة انقلابات، وتجار ممنوعات ومخدرات، كما اننا ما لم نتخلص من جنرالات تورطوا في تهريب ثروات البلاد وانتداب الشركات الأجنبية والعصابات الدولية ونقطع حبل التواصل الخبيث بيننا وبين هؤلاء المجرمين، ستظل القوات المسلحة السودانية في تراجع مستمر، ولن نتقدم في التسليح ولن يسمح العالم الأول يتسرب تقنياته وتكنولوجيا الجيل الرابع و الخامس بالتسرب لجنرالات يحتضنون الجماعات الإرهابية ويعيدون تموضع الكيانات المتطرفة للهيمنة على القرار السياسي في البلاد، حتى وإن وجدوا القبول والحماية من دولة الاحتلال وكيانها الصهيوني.

▪︎ في الختام لا أنسى ان اترحم على شرفاء الجيش السوداني الذين ضحوا وقضوا نحبهم دفاعا عن حياض هذا الوطن وذادوا عن أرواح مواطنيه، والخزي والعار لأولئك الذين قتلوا أبناء الشعب السوداني بذخيرة سودانية أو دهسوه باليات الجيش السودان، واللعنة على كل من ادخل شاحنة مخدرات أو حاوية ممنوعات أو خرب الاقتصاد وهرب ثروات البلاد ومواردها ومواشيها وموادها الخام ليتم تصديرها عبر دول الجوار، وأرجو أن يستيقظ ضمير أولئك الذين يدمرون الغابات في ربوع السودان المختلفة ويقتاتون من الحطب والفحم ويزيلون الآلاف من الهكتارات الخضراء.