الجمعة، 26 أغسطس 2022

البرهان والنهاية

البرهان والنهاية

1. من الجوسسة إلى العبث بالأمن القومي:

أ. في العام يونيو من العام ٢٠١٢م، اعتقلنا النظام وعدد كبير من كوادر القوى السياسية والنشطاء على خلفية احتجاجات انتظمت مسجد الإمام عبد الرحمن المهدي بود نوباوي في أم درمان، كانت تلك التظاهرات تطالب برحيل نظام البشير، وفي إحدى الجمع سميت بشذاذ الآفاق تم إلقاء القبض علينا، ومن ضمن الاتهامات التي كيلت وقيلت لأهلنا علمناها فيما أننا نتخابر مع إسرائيل، ولنا صلات خفية مع الكيان الصهيوني، وعقوبة الأمر لا تقل عن المؤبد، وما هي إلا أيام حتى تم إطلاق سراحنا حتى دون محاكمات.

ب. تكرر الأمر في العام ٢٠١٦م، وكيلت ذات التهم والتي من ضمنها التخابر مع دولة العدوان، وكان محور البلاغ مقالة نشرت بصحيفة حريات الإلكترونية السودانية، بها حديث عن صلات جهاز المخابرات العامة بالموساد، فأمضيت حوالي العام في السجن الاتحادي، تحت إجراءات عقيمة وفي أوضاع حبس أليمة، بمرور الأيام تم اسقاط التهم وإطلاق سراحي، وتوالت الأيام حتى سقط المخلوع في إبريل ٢٠١٩م، وخلفه الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، والذي تسلم مقاليد الحكم وورث تركة البشير الاقتصادية والسياسية والأمنية وترسانته المسلحة، وعلاقاته الخارجية المعلنة والخفية، واحتفظ بكافة العناصر الممسكة بتلك الملفات حتى وإن سرحهم ظاهريا فهم إلى الآن يقولون كلمتهم الفصل في أي ترتيب أو تحرك أو تخطيط جميعهم من ربائب الحركة والتنظيم المحلولين.

ج. اتخذ البرهان في سبيل تمكينه من مفاصل الحكم في البلاد أقصر الطرق في ظنه ، وقد كان إعلان التطبيع مع إسرائيل أهم الطرق لتوطيد دعائم حكمه خلفا للبشير، واستعان في ذلك بعرابة العلاقة مع الكيان الصهيوني السيدة نجوى قدح الدم التي منحها المخلوع في آخر أيامه وسام النيلين من الدرجة الأولى بوصفها ابنة السودان البارة، ولم تك نجوى لوحدها من فتحت باب هذه العلاقة، فهي كانت تعمل ضمن طاقم على رأسه المحامي نايك كاوفمان الذي مهد مع قدح الدم عملية وصول الرسائل من نتنياهو إلى البرهان وبالعكس.

د. كانت الراحلة تتحرك بوثائق خاصة (جواز سفر دبلوماسي) كونها سفيرة فوق العادة تقوم بهام خاصة وتحظى بمعاملة خاصة كذلك، وبالإطلاع على حركة الدخول والخروج من مطار الخرطوم اتضح أن نجوى نشطت في حوالي ١٠ رحلات مكوكية من وإلى الخرطوم، حاملة معها معلومات ووثائق ورسائل، تسلمها مستشار نتنياهو للأمن القومي، مئير بن شبات ورئيس "الموساد" يوسي كوهين، وموفد نتنياهو السري للعلاقات مع الدول العربية الذي يُعرف باسم "معوز"، وكان البرهان وحده من بين عسكر المجلس السيادي يعلم تفاصيل الأمر.

ه. تواصلت الجوسسة لصالح نتنياهو وحكومته بصورة أضحت أكثر سفورا إلى أن تم اللقاء الشهير في عنتبي، بين البرهان ونتنياهو الحائر الذي كان يبحث عن توسع واعتراف بكيانه ودولته في دولة إفريقية مهمة كالسودان، وحينما حاول بعض المحامون السودانيون رفع قضية ضد البرهان لمحالفته نص المادة (2) من قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958م، تحصن البرهان بأنه قادر موعود برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب وربط الاستمرار في الأمر بتكليف د. نصر الدين عبد البارئ وزير العدل بتشريع قانون يلغي القانون الذي استند عليه من جرموه، وقد كان.

و. هذا التحرك الإنفرادي من الجنرال البرهان وضع السودان في موضع عداء تلقائي مع عدد من الجماعات المتطرفة والدول الجارة، كما أن هذا الأمر حفز من يجهلون بماهية التواصل مع دولة العدوان يجتهدون لخطب ودها، من رجال أعمال وشخصيات عامة وساسة وقادة قوات الدعم السريع الذين تجاوزوا التحرك في الخفاء لتحريك رحلات في العلن إلى تل أبيب، كما عقد في الخرطوم مؤتمر للتطبيع دعمه ودعا إليه عضو مجلس السيادة المقال أبو القاسم برطم.

ز. في هذه الفترة كثفت المخابرات الاسرائيلية رحلاتها للخرطوم، وقد كانت أشهر تلك الزيارات التي تزامن فيها وصول الوفد الاسرائيلي مع تواجد السيدة مولي في في يناير ٢٠٢٢م، وتلتها زيارة أخرى في إبريل ٢٠٢٢م، ومن بعدها حرص الجانبين على عدم تسريب أي معلومات عن أي تواصل خصوصًا وأن طبيعة الوفود أمنية وعسكرية وتقلصت دائرة التعامل لتنحصر في البرهان ونائبه ومدير المخابرات العامة أحمد إبراهيم مفضل.

ح. ما يؤسف له أن البرهان لم يأل جهدا لي توفير مطلوبات المخابرات الإسرائيلية التي لم تقدم له إلا( الحصرم)، وصار كالممسوس، يتخبط في قراره لحشد التأييد لانقلابه، وفي ذلك إنغلق على نفسه وضيق دائرته لتشمل منسوبي النظام البائد، ومستشاري المخلوع، وخارجيا، اتجه نحو استغلال وضع السودان كونه رئيس الإيقاد لاستمالة بعض القادة الأفارقة لتجاوز التضييق الذي ضرب عليه بتجميد عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، استمر في مد يد العون له المخابرات المصرية التي جعلت من السودان محور ارتكاز لصارعها مع إثيوبيا حول سد النهضة ومكنها البرهان من أرض وسماء ومطارات السودان سيما مروي الذي صار ثكنة حربية وقاعدة عسكرية مصرية.


2. ما لم يناسب الجنرالات:

أ. هذا الوضع المشوه ظل مسكوتا عنه لمدة طويلة رغم تذمر بعض الجنرالات الذين يهمسون برفضهم لاستباحة السودان وإهدار كرامته وامتهان سيادته، وقد صرح بعض السياسيون برفضهم الصريح لخطوات الجنرال البرهان، إلا أن البرهان حظي ببعض المؤيدين له من المدنيين الذين ظنوا أن التطبيع أو أقصر طريق لتحقيق الديمقراطية وتنمية السودان، وهو ما لم ولن يحدث، فقد رأى الجميع كيف وقفت إسرائيل بقوة خلف إنقلاب ٢٥ أكتوبر وساهمت في تضليل مبعوث أمريكا فلتمان الذي استقال فور عودته لأمريكا وتخليه عن الملف.

ب. معلوم أن أي تعاون عسكري أو أمني يتم بمقابلة النظراء من الأسلحة المشابهة والقيادات الرصيفة، إلا أن هذا الملف أدير بعناصر خاصة منحت التفويض الخاص والتسهيلات والأذونات فوق العادة، حتى صار بعض قادة هيئة الأركان لا يعلمون بما يجري في مكاتبهم وقياداتهم الفرعية، والبعض يفاجأ بقرارات تعنيه وتحركات في دوائر قراره لا يعلم بتفاصيلها، وفوجيء بعضهم باستفساره ممن هم أدنى منه رتبه عن معلومات غاية في السرية والخطورة، تطور هذا الأمر ليشمل التحري عن عدد من الوحدات والأسلحة والعناصر.

ج. تمدد في المقابل الذراع الاستخباري لقوات الدعم السريع الذي بدوره لا يريد أن يكون أقل (تعاونا) من الجيش، وحاول قادته بذل الغالي والنفيس في سبيل الحصول على مكاسب إسناد أمني وتقني وعسكري واستخباري تزيد من تمكين قيادة الدعم السريع وتسهل لهم فرص التواصل مع العالم الخارجي وتجاوز أي مطبات دولية قد تعتريهم بما في ذلك الملاحقات الدولية وقوائم الحظر، وفي سبيل ذلك انتشر جنرالات الدعم السريع وحاولوا كل ما في وسعهم للهيمنة على كافة الوحدات والمرافق الاستراتيجية والإطلاع على جميع المعلومات المتوفرة واستنتاج تلكم الغائبة واستخراج المخفية عنهم بشتى السبل، وشتى السبل هذه رفعت من وتيرة سخط بعض جنرالات القوات المسلحة.



3. الإنقلابات والتحولات العظيمة:
كان لابد للجنرال برهان من تحصين نفسه وقراره وسلطته وحماية مصالحه وأعوانه فخطى عدد من الخطوات السياسية والأمنية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية، على النحو التالي:
أ. استعان البرهان سياسيا بكافة خبراء النظام المباد ومخططيه الاستراتيجيين، وإعلامييه وأبواقه، وضم لصفوفه كافة الذين سقطوا مع المخلوع من مساعدين ومستشارين ووزراء وبيادق من سدنة النظام البائد، واعدا إياهم بالتحصين والحماية وإعادة المكتسبات والوعيد بأن هذا الشارع الهادر إذا سمحنا له سيجرفهم ويجرفه.

ب. أحضر البرهان كافة آليات التصدي الأمني للحراك الشعبي واستحضر لذلك كافة عناصر التنظيم والحركة الإخوانية وكتائب ظله، ومكنهم من مفاصل التعامل الأمني، وأبعد عناصر رغم الاختلاف معها إلا أنها ظلت مهنية وتمارس عملها في إطار مسؤولياتها، إلا أن الجماعات الإخوانية أتت محمولة بغبائن سقوط نظامهم وسجن رئيسهم، فمارسوا الفظائع والبطش والتنكيل تحت مرأى ومسمع البرهان.

ج. تخلص البرهان تدريجيا من كافة ضباط القوات المسلحة السودانية الذين يمكن أن يعرقلوا مشروعه أو ينحازوا لمشاريع مناوئة له، وآخرهم جنرالات الدفعة (٣٣) زملاء الفريق ياسر العطا عضو مجلس السيادة الانتقالي، ومن قبلهم ضباط يشغل أحدهم وكيل وزارة الدفاع وجنرالات لم يدخلوا الخرطوم إلا بعد الثورة لكونهم مغضوب عليهم، وجنرالات أوقفوا تسرب السلاح للمجرمن ومنعوا المتفجرات أن تسرق وتباع لشركات التعدين، وبعضهم مبتعث لتمثيل السودان كونه أميز قرنائه، وآخر أفضل من يفتش الأسلحة والذخائر في السودان ويعرف تفاصيلها ويعكف على ملف الترتيبات الأمنية، جميعهم انقلب عليهم البرهان ليخطوا آخر الخطوات التي خطاها المخلوع في نوفمبر ٢٠١٨م، إلا أنه لا زال فريق أول ولم يرق نفسه لمشير كما فعل البشير، وبحكم الترقيات التي تمت لهيئة الأركان كان عليه فعل ذلك، ولكن هذه الرتبة نذير شؤوم لكل جنرالات السودان والمنطقة.

د. واجتماعيا تراجع البرهان ونائبه لولاءات أضيق من الولاء للوطن أو المؤسسة العسكرية أو مجلس السيادة ليتقوقعا في دوائر أسرية ضيقة، يتحكمون في القرار والتخطيط والتنفيذ وبعضهم لا صلة له بالدولة إلا صلة دم بالبرهان، وقد خلف هذا التراجع الاجتماعي تخلفا في التفكير القومي وصار البرهان يستنصر ببعض البيوتات والقبائل وصار حضوره للمناسبات الاجتماعية الأهلية في دوائره الجغرافية وكذلك السيد دقلو، والذي انحسر نشاطه في الآونة الأخيرة في دارفور، وصار المقربون منه أهل دارفور وحركاتها والأقرب قبيلته والأدنى خاصته من آله وهو تراجع لم يشهده السودان منذ أن كان ممالك وسلطنات.

ه. أما اقتصاديا فقد ارتكبت في هذه الفترة جريمة ترقى لأن تكون جريمة أمن قومي، فما تم تبديده من مكاسب اقتصادية لا يقدر بثمن، وفي سبيل الهيمنة والاستحواذ على موارد البلاد حاول البرهان أن يكون الوريث الأوحد لأموال الحركة والتنظيم المحلولين، نافسه في ذلك الجنرال دقلو، وأطلت شراكات النظام المباد برأسها، ليرثوا أخبث الشركات الأجنبية والجماعات الاقتصادية المشبوهة وحاولوا تكييف الشركات الرمادية لصالحهم، وبذلك تسربت من بين أيديهم مئات الملايين من الدولارات، ومئات الاطنان من الذهب وموارد البلاد، وضيعوا قروضا تنموية ومنحا وهبات، كادت تنتشل المواطنين من فقرهم المدقع، وقد نسفوا أهم موسم زراعي حصيلته مليون فدان قطن ومثله ملايين الأفدنة من محاصيل أخرى وضيقوا على المنتج حتى صار عدد كبير منهم تلاحقه بلاغات البنوك لتودعه إلى السجن.


ختاما: نحن في طور متأخر جدا من أطوار الجنرال المجنون، ما لم يتم تداركه سنجد أنفسنا قد عدنا إلى ما قبل ١٩٨٩م، وتم إخراجنا من ديارنا بفعل الحروب أو الأزمات أو الكوارث أو بإغراقنا، أو أن يخرج بعضنا فارين بمحض إرادتهم ليعملوا في الخارج، وأن تعود البلاد لقوائم الإرهاب والحظر الدولي، وأن تفتح على مصراعيها لمتطرفي القاعدة وداعش وبوكو حرام، أو صرنا نخدم أجندة تأسيس قاعدة عسكرية أجنبية وحينها سنكون في مرمى نيران الحوثي اليمني الذي ينظر إلى السودان إلى الآن ببعض الفض الذي قدمه أولون، لذلك الواجب هو:

أ. على القيادة السياسية والاجتماعية والدينية في البلاد تقدم الخطوط الأمامية للتصدي للإنقلاب وردع البرهان قولا وفعلا ومنعه من التمادي في تضييع مكتسبات البلاد، والإسراع في وقف عمليات القتل والسحل والاعتقال والتعذيب التي تطال السودانيين في كل بقاع الوطن، وعليهم استخدام كل الوسائل السلمية الممكنة والمتاحة عبر التحرك والاضراب والعصيان والتشبيك الاجتماعي والسياسي والانساني وأن تضطلع المؤسسات المدنية المتحالفة مع السياسين من محاميين وأطلاء والصحافة بدورهم القوي الداعم للثورة والرفض للبؤس الذي خلفه الانقلاب.

ب. على الجميع الكف عن ادعاء المثالية وأنهم وحدهم من يتصدون للانقلاب، فالمعيار الرئيس لتجميع الكتلة الثورية هو الأسس والمبادئ التي استشهد الثوار لأجلها، وأهمها الحرية والسلام والعدالة، وهذه لن تتحقق في ظل وضع انقلابي، واجبنا جميعا أن يتسق قولنا مع فعلنا وأن تتسع صدورنا وأضابير تحالفتنا ومؤسساتنا لجميع من يشاركنا هذه المباديء حتى وإن اختلفت وسائلنا ما لم تتجاوز السلمية.

ج. نحن أمام أصعب التحديات في أحرج الفترات التارخية تواجهنا أزمات وكوارث ومصاعب جميعها لا تنتظر توقيتا للحل، وببقاء الانقلاب تزيد استفحالا أي أن هناك حدود لوقت الاختبار وإذا تجاوزتنا هذه الأزمات ستنهي بلادنا وتهلك حرثها ونسلها، وحينئذ لن يجدي أي نصر على الإنقلاب إلا لمن يطمح لحكم القبور والأطلال.

د. إن كافة التحالفات السياسية في البلاد منقسمة على نفسها، بل حتى الأحزاب أصابها داء التشظي والإنقسام، وكل هذا بفعل رغائبية جنرالات السلطة وانتهازية بعض الساسة والنخب، وهو الأمر الذي يوجب التصدي لكل النداءات الانقسامية المتماهية مع السلطة الانقلابية ودعم الوحدة التنظيمية أو التنسيقية بين قوى الثورة وضرورة تكوين منصة لوحدة إنسانية عاجلة لغوث المنكوبين في ربوع البلاد المختلفة.

ه. ما لا شك فيه ان رأس الإنقلاب صار مترددا ومضطربا وخافا حتى من ظله الحكومي، وها هو يبدأ بتقصير كل تلك الظلال الأمنية والسياسية والاجتماعية ليتقوقع في قبيلته وأهل بيته، وهو أمر رغم انه مفيد لإنهاء الإنقلاب الا انه يشكل خطرا لاستخلاصها منه، فرجل في مثل حالته يمكن أن يدمر البلاد وإنسانها وإغراقه بالأزمات أو إغلاقها وحجبها عن العالم كما يفعل عدد من الطغاة في العالم والمنطقة، وربما نشهد طردا لمنظمات وبعثات وفضائيات دولية. 

أخيرا: واجبنا بذل أقصى جهد في سبيل الدفاع عن البلاد الموحدة وإنسانها وعدم السماح بالمساس بها أو إنسانها أو ثرواتها وإيقاف تسرب مواردها وإنسانها بالتهريب، وقطع كافة الأيادي التي تريد استغلال غياب السلطة لتبديد ثروات البلاد، وفي هذا يظل النداء الأعلى هو (أصحا يا ترس) في الشمال والشرق والغرب والجنوب والوسط والمهجر، وفي معسكرات النزوح واللجوء، علينا حماية هذه الأرض التي امتهنها غيرنا واستباحوا مياهها وأرضها وسماءها وثرواتها.

والسلام