سفير واشنطن بالخرطوم
◇ قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تقوم بقطع قناة التواصل الدبلوماسي مع السودان، وهذا القرار الذي اتخذ منذ الديمقراطية الثالثة في حينما رأى السفير الأمريكي وقتئذ أن الخرطوم ليست آمنة وقرر تحويل سفارته إلى كمبالا الأمر الذي استغربه رئيس الوزراء وقتذاك السيد الصادق المهدي والذي أخبر السفير بأن الخرطوم بأي حال من الأحوال أكثر أمانا واطمئنانا من كمبالا.
◇ وظل التمثيل الدبلوماسي الأمريكي في السودان كذلك حتى العام 1996م، بالتزامن مع حادثة محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك، ما حدا بالأمريكان لتقليص التمثيل ليكون بمكتب قنصلي وقائم بالأعمال، فيما عززت السفارة تواجدها الأمني في الخرطوم لتصبح اليوم أكبر سفارات العالم تواجدا عسكريا وأمنيا في الخرطوم بتواجد أشبه بقاعدة عسكرية في منطقة سوبا جنوبي الخرطوم.
◇ بعد الثورة وفي حكومة الفترة الانتقالية صار السودان دولة مرغوبا التعامل معها وزالت عنها الوصمات وعوامل الزعزعة والإضطراب وعناصر التنظيم الإرهابية التي أدخلتنا قوائم الحظر والعقوبات، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية وكندا لرفع تمثيلهما الدبلوماسي من قائم بالأعمال إلى سفير معتمد، وقد سبقت كندا أمريكا في التنفيذ بإرسال سفير معتمد للخرطوم.
◇ وهو ما يؤكد أن الإدارة الأمريكية لها محمولات أمنية وسياسية كانت تحول دون تسمية السفير، فلا زال الأمريكان يتذكرون أصداء اغتيال السيد غرانفيلد في شوارع الخرطوم ومحاولة تصفية رئيس الوزراء السابق د. حمودك، فضلا عن الاضطراب السياسي الذي تشهده البلاد منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021م.
◇ وتضع أمريكا أيضا تصاعد الأصوات التي تنادي برفض أي دور لها في الشأن السوداني عين الإعتبار، وكذلك المطالبة المستمرة من جماعات إخوانية بطرد البعثة الأممية وتلويح رئيس مجلس السيادة بإمكانية طرد السيد فولكر بيريتس رئيس البعثة ويخشون أن يفعل البرهان ذلك ويلوح للسفير الأمريكي جون جودفري كما لوح الرئيس أوردغان بطرد فرانسس رتشاردوني، السفير الأمريكي وقتها في تركيا.
◇ لقد قوبل وصول السفير جون جودفري للخرطوم بحملة احتفائية كبيرة من فلول النظام البائد وسدنة الإنقلاب العسكري باعتباره إقرار بحكومة الأمر الواقع واعترافا بالعسكر ممثلين لحكومة السودان، وهو الأمر الذي سيزول بمرور الأيام لأن تحرك السفير في الخرطوم وجدول أعماله المزدحم باللقاءات والتصريحات التي تصدر عنه وعن الإدارة والخارجية الأمريكيتين ستعكس كل تلك التصورات، فالسفير يتحرك بقرار مؤسساتي رفض الإنقلاب وأدانه وموقف موحد من الإدارة والكونجريس بضرورة تكوين حكومة مدنية تحظى بالصدقية، وليس بالأمزجة والأهواء ولن تنطل عليهم خدع العسكر التي ظلوا يمارسوها مع المبعوثين الدوليين ففي اليوم الذي التقوا فيه المبعوث الأمريكي فلتمان في 24 أكتوبر 2021م كانوا يخططون لانقلابهم المشؤوم في اليوم الذي تلاه.
◇ إن ملف الموقف السياسي للسودان في اعتقادي ليس على سقف أولويات الإدارة الأمريكية وذلك لأنها تهتم بشكل كبير أولا: بتحجيم الدور الروسي والصيني في السودان والمنطقة، وثانيا: يظل ملف مكافحة الإرهاب والجماعات الإرهابية ثاني أهم الملفات التي تشغل الإدارة الأمريكية ويأتي الشأن السياسي السوداني ودعم الانتقال في المرتبة الثالثة، تلي كل ذلك ملفات التعاون الاقتصادي والتنموي والأستراتيجي.
◇ لذلك ستكون اللقاءات السياسية المضروبة روتينية ومجدولة ومعلنة وفق ترتيب طاقم السفارة بالخرطوم، ولكن ستكون هنالك لقاءات حثيثة وغير معلنة مع القادة العسكريين تحديدا (البرهان) و (دقلو) كل على حدة بصورة مستمرة، ولقاءات تنسيقية مع الحلفاء في ألترويكا، ولقاءات للضغط عبر الرباعية تضم السفير الأمريكي وسفراء كل من المملكة المتحدة والإمارات والسعودية.
◇ المعلوم أن السفارة الأمريكية لها مخزون معرفي ومعلوماتي كبير عن السودان وبها طاقم محلي من أميز الموظفين والكوادر المهنية اللصيقة بالشأن السوداني، لذلك لن يحتاج السفير لكثير أيام لاستيعاب طريقة التعاطي مع الشأن السوداني فكل من مروا على السفارة وغادروها كانوا سودانيين بالمقدار الذي جعلهم يميزون بين البيض والحميض، وأشهرهم السفير الأسبق البرتو فرناندير الذي يضرب به السلك الدبلوماسي سودانيته.
◇ والسفير الأمريكي هو واحد من أخطر ثلاثة دبلوماسيين عملوا في محطات خارجية في ملفات حساسة وخطيرة وفي دول معقدة أهمها مكافحة الإرهاب، شأنه شأن السفير جون روس الذي عمل في اليابان وجون كينيث جالبرايث الذي عمل سفيرا في الهند، ولا أنسى أيضا رابعهم الراحل السفير كريس ستيفنز الذي تمت تصفيته في مدينة بني غازي الليبية مع ثلاثة آخرين، وهو كذلك لا يقل خبرة عن زميله في محطة كابول بأفغانستان السفير أدولف دوبس.
◇ بهذا الرصيد المهني الحافل لا يرجو السودانيين أن تكون هذه الحقبة من حياة السفير الدبلوماسية مجرد أيام ستمر وتدون في مذكرات السفير، أو فترة للاستكشاف الاستخباري في المنطقة، فالسودان ينظر لقدوم السفير السوداني فرصة للضغط نحو إحداث التحول الديمقراطي واستكمال السلام وتحسين سياسات حقوق الإنسان وتأمين الحريات، وكف آثار الدمار الممنهج الذي تمارس ضد الاقتصاد السوداني من دول صديقة وحليفة للولايات المتحدة الأمريكية.
◇ ويرنو الشعب السوداني لأن تدعم الولايات المتحدة الأمريكية عبر جون جودفري تحقيق العدالة الجنائية والدولية والانتقالية والترميمية، وألا تجنح إلى ضغط الضحايا للقبول بتسويات كما فعلت في كرواتيا، وما أعلن في مضابط شهادة السفير الأمريكي خلال محاكمة سلوبودان ميلوسفيتش، حينما رفضت السلطات الصربية المحلية إبرام تسوية سياسية من خلال المفاوضات، لتتجاوز بها المحاكمات الجنائية ومطالبات الضحايا وذويهم.
◇ كما ينبغي علينا تأكيد أمور مهمة وجدية ووضعها نصب عيني السفير، وهي أن السودانيين شعب مرحاب ومضياف ومفضال وودود إلا أنه (غشيم) في ما يمس بسيادته وكرامته، فللسودان سمت موروث وعزة مغروسة في جيناته، ولهم هياكل ثقافية وسياسية واجتماعية ودينية ورياضية وفنية تعد واحدة من أهم ممسكات الوحدة الوطنية، المطلوب العمل على تعزيزها وتطويرها لا تفكيكها، بما في ذلك المؤسسة العسكرية السودانية التي يتطلع السودانيين لأن تكون جيشا مهنيا واحدا يضبطه قانون بموجب نصوص دستورية محكمة، ومهما احتدت درجات الخلاف بين السودانيين وهذه الهياكل والمؤسسات فلن يستعيضوا عنها بأخرى صنيعة خارجية أو بديلة.
◇ ختاما: إلى ذلك لن يكون لابتعاث سفير أمريكي في السودان أثر يذكر ما لم تتعزز علاقات الخرطوم بالولايات المتحدة بصورة فعلية تتجاوز الصورية، ويتم إبرام اتفاقيات تعاون تنعكس على حياة المواطن السوداني وتعوضه فترات الحظر والعقوبات الإقتصادية والإدراج ضمن القوائم السوداء، والشروع في فتح مجالات اقتصادية وتنموية تطور العلاقة بين وزراء التعليم العالي والصحة والتكنولوجيا والاتصالات والسياحة والتجارة والصناعة والتنمية الاجتماعية والشباب والرياضة وتطوير البرلمان السوداني ومجلس الوزراء والوحدات التابعة له والتعاون الإعلامي وتطوير الصحافة والإعلام ومواصلة التعاون الدفاعي ورفع قدرات الشباب والمرأة، ويقيني التام أن هذا كله لن يحدث أو سيكون ذي جدوى ما لم يتم إسقاط الإنقلاب وإبطال إجراءاته وقراراته.
______
@orwaalsadig