الأربعاء، 7 ديسمبر 2022

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل(2)

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل (2)

• ينظر كثيرون للعملية السياسية الجارية في البلاد لإبرام اتفاق نهائي ينهي الأزمة الخانقة في البلاد جراء انقلاب 25 أكتوبر على أنها فرصة لتصحيح مواقف تاريخية جلبت عداء لبعض الجماعات مع الشعب السوداني، والبعض يراها آخر سانحة يمكن أن تمنح السودانيين أملا في الانفراج السياسي والاقتصادي والمعيشي، ويراها آخرون أنها نزاعة للشوى ستقتلع سطوتهم وتنتزع سلطتهم وتجردهم من المال، وربما تزجهم في غياهب السجون، ويراها البعض خيانة لدماء الشهداء واجب إجهاضها، وأنا لا أراها سوى عملية سياسية تحتمل النجاح والفشل وقد بينت في مقام سابق ما يمكن أن يدفعها نحو النجاح وأمضي لتبيان مجهضاتها.



• أفضل الدروس السياسية التي يمكن التعلم منها هي الاستلهام من التاريخ والاعتبار من أحداثه، وفي هذا المضمار سياسيا استغل كثيرون الأزمات لجعلها زانات للقفز على الواقع ومدارج للصعود على أكتاف الجماهير والمنكوبين وتضحيتهم، ومنهم من اعترض على الحلول أشد الاعتراض لأنه يستبدل تموضع نافذين ويبعدهم عن أماكنهم بآخرين، وغامرت عدد من الدول لتصنع قادة من ربائبها في الدول التي شهدت صراعات، تاريخيا نظرت بريطانيا في عدد التسويات السياسية الممكنة، بما في ذلك تقسيم أفغانستان بين عدة حكام أو وضع أيوب خان شقيق يعقوب على العرش، ولكن في النهاية قررت تثبيت ابن عمه عبد الرحمن خان أميرا بدلا من ذلك، وحديثا نصب الأمريكان حامد كرازاي رئيسا للبلاد واتجهت مؤخرا لفتح الباب على مصراعيه لعودة طالبان للسلطة.



• الشاهد أن لبعض الدول أطماع في السودان دفعت بعضهم لدعم الانقلاب والتآمر على السلطة الانتتقالية، وهناك جهات تريد تكرار ذات التجربة البريطانية والأمريكية في أفغانستان واستنساخها في السودان، ولكن أدركت جماهير الشعب السوداني منذ 11 إبريل 2019م ذلك الأمر وإلى اليوم، وبدأوا في هندسة مستقبلهم وفق تصورات سودانية خالصة، دون إملاء أو ركون لأي جهة من الجهات رغم محاولات حثيثة من السلطة العسكرية التطبيع مع إسرائيل والركون لأجندة خارجية.



• كما أن البعض يريد أن يصبج كرمز لهذه العملية السياسية الجديدة، ويتخذ منها منطلقا لتنقية سجلاته الدامية أو لتنصيب نفسه وصيا على الشعب السوداني، وبخاصة جنرالات الإنقلاب، والذين لم يصدروا مرسوماً يقرّر إيقاف عمليات التعيين وإبطال قرارات الإنقلاب والتشديد على عدم المضي قدما في استعادة المنظومة الإخوانية لدولاب الدولة، كدليل على توجه صادق نحو سياسة واقعيه تقود للحقيقة والمصارحة وتؤسس لعدالة انتقالية.




• رغم وجود الإرادة الوطنية القوية والصادقة لإنهاء الصراع في السودان وما تحظى به من دعم خارجي إلا أن الضغوط  الدولية والتشديد الإقليمي متى ما تراجعت وتقلصت مساحة الحراك الشعبي والسياسات الوطنية فإن العلمية السياسية ستشهد تراجعا وربما انهيارا سريعا، لأن البعض لا يسير في هذه العملية السياسية عن قناعة راسخة وإنما قاده خوفه للاختباء بهذه العملية وكذلك هنالك من قادتهم الظروف للاحتماء وراء منصب تسوية سياسية سابقة، ينازعهم نزغ السلطة ذواتهم للانخراط في هذه العملية.



• ودون أدنى شك تنشط أجهزة مخابرات محلية وإقليمية ودولية وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، في مراقبة العمليات السياسية في المنطقة والإقليم والعالم، وقد رأينا ذلك في أوكرانيا وليبيا وسوريا وليبيا واليمن بصورة مباشرة، لم يتطور الأمر في السودان ليتدخلوا كتلك التي حدثت في تلك الدول، ولكن هناك دول دخلت بعمق في دولاب الدولة بانتداب موظفين وتدريبهم لاختراق دولاب الدولة، ويعمل هؤلاء على إعاقة العملية السياسية في السودان، وتنشط أذرع مخابراتهم في محاولات تصميم البدائل السيادية والتنفيذية والوزراية في الدولة، وهذا الأمر سلاح مدمر للعلاقات وللدول على حد سواء، وربما يكون أخطر معاول هدم العملية السياسية من الداخل السوداني عبر مؤسسات الدولة ودولابها التنفيذي.



• تمثل هذه العملية السياسة هدنة لأطراف الصراع يمكن الاستفادة منها لفتح الباب على مصراعيه للاحتجاجات التي تقمعها سلطة الانقلاب وحمايتها وتمكينها من الوصول إلى نقاط الالتقاء دون احتكاك أو خسائر أو دماء، وعدم اعتراض الأنشطة المقاومة من ندوات ووقفات احتجاجية واعتصامات وإضرابات تطالب بمدنية الحكم والسلطة والدولة، وهي هدنة قابلة للإنهيار حال استغلها بخبث أصحاب الأجندات المشبوهة والأيادي الملوثة بدماء الأبرياء.



• ظلت عدد من دول الإقليم والمنطقة والعالم تدعم بسخاء جهود السودانيين وبالأخص قوى المعارضة المدنية والمسلحة ويأتي على رأس تلك الدول الحكومة الألمانية ومؤسسات ألمانيا الاتحادية ويجيء الاتحاد الأوروبي ودول ألترويكا أيضا في مقدمة الدعم لهذه الجهود إلى أن تلك الجهود تكاد تذهب أدراج الرياح للاتفاف بعض القوى الثورية في عباءة السلطة الإنقلابية ما خلق اضرابا في القرار الدولي وجعل بعضهم يتردد في دعم العملية السياسية أو الالتزام نحو السودان، وهنا يأتي دور القوى الموثوقة والتي ظلت على جادة التنادي للدمقراطية ولم تلوث يدها بمشاركة في نظام قمعي أو شمولي، لتفتح الأبواب الدولية الموصدة لأن تلك الدول تعد مصدر التمويل الأكبر لنهضة السودان ووقفهم بعيدا عنا سيعجل بانهيار العملية السياسية وعدم استقرار النظام الديمقراطي القادم.



• ولما لتلك الدول من صوت عالي في مجلس الأمن الدولي، هذا يحتم عليهم الإسراع بالدعوة لاجتماع خاص بالسودان يستصدر بيانات داعمة للعلمية السياسية في السودان، تحث الأطراف على المضي قدما نحو استكمال الاتفاق وليضع المجلس بدوره كافة الأطراف أمام مسؤولياتهم ويستصدر عقوبات ضد معيقي عملية التحول الديمقراطي في السودان، وهذه المرة لا اعتقد بإمكانية عرقلة الأمر بواسطة الفيتو خصوصا وأن روسيا الاتحادية داعمة لهذه العلمية السياسية، والتي في رأيي مثل موقفها عامل إدهاش لكل المراقبين، فلم يتوقع إنسان أن تجتمع الإرادة الدولية من موسكو إلى واشنطن في رأي واحد، ولكن الخرطوم مدينة العجائب.



• كما أن هناك أنشطة تقود إلى تخفيف حدة الاحتقان وتبين جدية الأطراف في تحقيق حل سياسي شامل يقع عبئها الأكبر على السلطة الحاكمة وهي إيلاء العناية القصوى لمسألة الأمن والاستقرار، وتوقيف كافة عناصر التخريب والتحريض الذين تسببوا في إحراق مناطق في كردفان والنيل الأزرق ودارفور، وجمع كافة عصابات النهب والسلب التي أطلقت أيديهم منذ فجر الإنقلاب فعاثوا في البلاد فساد,




• ويمكن أن يشكل الاتفاق السياسي الحالي أساسا متينا للتواصل مع قادة العمل العسكري والمسلح في جنوب كردفان ودارفور الذين لم يلتحقوا بعملية سلام جوبا، وهؤلاء بالإمكان أن يرجحوا كفة العقل والاتزان والموضوعية في تلك الأقاليم التي اشتط قادتها في معارضة استعادة الانتقال للدرجة التي خططوا فيها للانقلاب مع العسكر، واتخذت مجالسهم القيادية قرارات داعمة لما سمي بالقرارات التصحيحية لقائد الجيش، كما أن هذا الاتجاه سيخلص شعوب تلك المناطق من العوز والحرمان ويسهل وصول شرايين الحياة لهم من صحة وتعليم ودعم.




• وبدوري أحذر من اتخاذ العلمية السياسية مدخلا لعودة العملاء الذين ظلوا طوال حياتهم جنودا لأجهزة مخابرات خارجية، ويخدمون أجندة دول وأحلاف، فبعض الداعمين للعملية السياسية لهم علاقات وثيقة مع بعض أولئك العملاء ويتواصلون معهم، سواء كانوا في عواصم خليجية أو إفريقية أو غيره، وهؤلاء ينبغي الحذر منهم أشد الحذر فلربما شكلوا حصان طروادة لتسهيل دخول الطغاة مجددا كما عاد الاسلامويين للحكم بعد انقلاب البرهان.


• إن العلمية السياسية التي لم تصل لللاجئين والنازحين في معسكراتهم، وتخاطب تنسيقياتهم سيكون مصيرها الإنهيار، ولا ينبغي أن تكون المخاطبة صورية ديكورية أو ترميزية، بمخاطبة ممثلين لتلك القطاعات في العاصمة أو حواضر الولايات، بل ينبغي الوصول العاجل بتسهيل لوجستي حكومي إلى مناطقهم، والحديث معهم بصورة مباشرة في دارفور والنيل الأزرق ومعسكرات اللجوء في إثيوبيا والجنوب وتشاد وإفريقيا الوسطى، وذلك لضمان إشراكهم في القرار السياسي القادم والانتخابات المزمع قيامها بعد أربعة وعشرين شهر.




• لهذه العلمية السياسية روافع اجتماعية ففي تكوين القائمين عليها كيانات لها اتصال قومي بكل ربوع السودان، من شأنها تجديد ربط أواصر التواصل بين مكونات الشعب السوداني، وإبرام مصالحات اجتماعية تعيد آلاف المهجرين إلى مناطقهم، ليسهموا بدورهم في عملية الاستقرار المنشود، وهذه أهم موانع إجهاض الحل السياسي الشامل، وفي حال تقاعس الجميع في استغلال وجود هذه الكيانات السياسية والاجتماعية والدينية سيستمر استقطاب الجماعات الربيبة للنظام البائد وقوى الردة في مخاطبة الكيانات القبلية والمجموعات الإثنية بخطابات تحريضية تبث نزعات الكراهية والصراع المؤدي للحرب الأهلية وحينها ستبدأ الخطوات نحو الانهيار.




• ختاما: إن كلمة السر والقوة الدافعلة لعلمية الحل السياسي الشامل في البلاد وإنجاح التسوية السياسية الجارية، هي استقالة وتنحي قادة الانقلاب، من العملية السياسية وتقدم وجوه غيرهم لاستكمالها، وذلك للامتثال لإرادة وقرارات الشعب السودان، وذلك لاعتقادي الجازم أن الجنرال البرهان، ليس أهلا للثقة، وهو عرضة للاضطراب وتغير القرار والعبث بكل المشهد الحالي وإفساده، وهو يمثل أكبر تحديات الانتقال نحو الاستقرار في البلاد، وكذلك الجنرال دقلو رغم دعمه الظاهر والبين للعملية السياسية إلا أنه مشوه بمحمول سياسي دامي يجعل منه العدو الأول لحداة التغيير في البلاد، وهو الأمر الذي يتطلب تنحيه عن المشهد، أما بقية الجنرالات فقد انزووا بمحض إرادتهم إلا أن استقالاتهم لم تعلن، ولكن ظل أنشطهم الفريق جابر الذي لا يؤمن جانبه على الإطلاق وهو من فتح الباب ليتنفس الاسلامويين داخل الخدمة المدنية وينشط كوادر التنظيم في الجيش والأجهزة النظامية والأمنية، هؤلاء جميعم لهم عناصر تقتات من فتاتهم وتحتمي بظلهم، يحرضونهم على البقاء والتمسك بالسلطة، ليس حبا في سلامة الجنرالات وإنما لتأمين مواقفهم وحماية ثرواتهم التي أسسوها في فترة الانقلاب، ومنهم قوى الردة من جماعات النظام المباد.

عروة الصادق
7. ديسمبر 2022م
البقعة