الأربعاء، 7 ديسمبر 2022

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل (١)

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل (١)

● النزاعات السياسية في الصراع المحلي والإقليمي والدولي، إما أن تحل بطرق قضائية في ظل أنظمة مستقرة وبها مؤسسات عدالة راسخة، أو عن طريق سلمي وسليم للحد من النزاعات وفك الاشتباكات بطرق وأنماط متعارف عليها، إما عن طريق التفاوض الذي يتخذ المفاوضات والمساومة للخصوم، أو الاقناع للرافضين، أو النقاش للمستفهمين، أو المباحثات مع الحلفاء، أو الحوار مع المختلفين، أو الاتفاق على قضايا حد أدنى مع الشركاء، ويتخذ التفاوض أنماط كثيرة ثنائية، جماعية إقليمية دولية، إما أن تكون بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما حدث في السودان بمساعي حميدة من الثلاثية الدولية والرباعية، اللتيم مثلتا وساطة وميسرة للنقاش والحوار ومسهلا للتعاطي البيني بين الفرقاء، وكليهما الآن تتخذان نهجا توفيقيا بين الفرقاء ومحاولة تطوير كل المسودات والمبادرات والرؤى والآراء المطروحة لتوضع كأساس للوصول للحل السياسي الشامل، وفي ذلك تم بذل جهود سياسية مقدرة من قوى داخلية ومطلبية، ودفع دبلوماسي من الأصدقاء والأشقاء في المنطقة والإقليم والعالم، كل هذا بعيدا كل البعد عن الإملاء بقرار دولي من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن وهو أمر كان ممكنا ومحتملا وواردا في حالة كالسودان، ويمكن أن يكون تحت قرارات قسرية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك ظلت أرضية التواصل سودانية داخل السودان على أراضيه بتجرد سوداني، على عكس كل الاتفاقات السابقة التي مرت على تاريخ السودان.




● مثل الدور الدولي أقوى تجليات التسيير للعملية الجارية فالأمم المتحدة لها تجربة كبيرة في إدارة مثل هذه العمليات، منها ما تم تحقيق نجاح فيه ومنها ما فشل ومنها ما نجح ثم انتكس، ويعمل معها الاتحاد الإفريقي الذي بادر بتجميد عضوية السودان عقب الإنقلاب كأول وأقوى الإجراءات الإقليمية ضد الإنقلابيين، فيما غضت الجامعة العربية كالعادة الطرف، ومثل الضلع الثالث منظمة الإيقاد أحد دعائم الإسناد الثلاثي ولكن هيمن على قرارها العسكر فجعوها سكرتارية تنفيذية لرأس الإنقلاب، وأقول بصراحة دوما يظل الدور العربي والإفريقي من عوامل إجهاض التحولات السياسية نحو الديمقراطية لهيمنة كثير من دكتاتوريي القارة على القرار الإفريقي، فإلى الآن لم تصل القارة للالتزم واضح وعملي بمعاهدة عدم الاعتداء والدفاع المشترك، ولم تفلح في إنشاء قوة إفريقية مسلحة مشتركة، ولم تواصل أنشطتها فعليا في مكافحة الإرهاب بل سمحت التمدد إلى بعض الدول عبر أراضي بعضها، كما هو الحال في مالي وموزمبيق ونجيريا وغيره، ولم تر استراتيجية النيباد للتعامل مع الأزمات النور بالصورة الفعالة، كما أن التعاون الإفريقي مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة والمنظمات الإقليمية الفرعية يشوبه بعض الغموض في كثير من الأحيان إلا أن الحالة السودانية الآنية أرغمت المؤسسات الإفريقية للتعاطي الجاد والمشترك والشفاف والواضح مع المحيط الإقليمي والدولي.




● فالقارة الإفريقية شهدت الكثير من حالات التدخل المماثل للحالة السودانية كالتي حدثت في أزمة دارفور بتسهيلات دولية وكالتي أجريت في مراحل سابقة بشقدوم وأروشا وأبوجا ونيفاشا وماشاكوس وناكورو وجيبوتي والقاهرة وغيره وصولا لأديس أبابا وجوبا، كما الحالة في الصومال وجزر القمر والحالة الليبية والصراع الاثيوبي وحديثا نموذج الوساطة لتشاد في الدوحة، وعدد لا حصر له من التدخلات من أجل إحداث التسويات السياسية وإبرام اتفاقات السلام والتي كان يتخذ بعضها طابعا مسلحا أو نجمت عنه حروب أهلية.




● لذلك أرى أن الاتفاق الإطاري الذي تشرف عليه عدد من الجهات الإقليمية والدولية وتقف على خطواته عدد من القوى السياسية والمدنية السودانية في الخرطوم، هو أقصر جسور العبور نحو الانتقال الآمن المستقر المفضي لتحول ديمقراطي كامل وسلام عادل شامل ومستدام، ويمكن أن يمهد لتحقيق العدالة الجنائية والانتقالية وعدم الإفلات من العقاب ومحاسبة الجناة، إذ أحسنت إدارته وتم توفير عوامل إنجاحه من جميع الفاعلين وتتعدد عوامل النجاح من ممكنة وضرورية وتلك الحرجة.




● فالسياسات العامة للحكومة ما بعد الاتفاق ينبغي أن تتسق والتوجه العام في كل مرافق ومؤسسات الدولة سيما الإعلامية التي يحاول فيها قادة التلفزيون القومي والإذاعة السودانية من فلول النظام السابق إجهاض الاتفاق بكل قوتهم، يشاطرهم في ذلك أذرع التنظيم في الأجهزة الأمنية والسلطات العدلية، كذلك أنشطة الحكومة الداخلية والخارجية توضح مدى جدية السلطة الإنقلابية في المضي قدما نحو اتفاق سياسي شامل، ولأن الأساس المنطقي الذي بني عليه الاتفاق الإطاري يوجب إيقاف إجراءات القمع تحت عباءة النائب العام وإجراءات كيدية من الشرطة السودانية، عليه ما لم تتخذ إجراءات فورية وعاجلة تحد من سطوة الفلول في هذه الأجهزة سيكون هذا الاتفاق مداد على ورق.




● أما أكبر الضمانات لحراسة الاتفاق هي المشاركة الشعبية والتأييد من القوى الثورية وتنسيقيات الحراك المقاوم، وتعمل كضامن للاستقرار والاستدامة وهي أهم روافع التحصين للتجربة القادمة، وتظل القوى الموقعة على الاتفاق وجماهيرها المقاومة في كل ربوع السودان والمهاجر من أهم أذرع الاتفاق التنفيذية، في هذا الصدد نشط مختطفون جذريون لعزل الاتفاق من قيادات التنسيقيات التي أصدر بعضها بيانات ناقدة أو متحفظة أو مؤيدة أو حذرة، وهو أمر مفهوم في كل عمل سياسي ومن المحتملات التي توقعها من اقتحموا مضمار التسوية السياسية.



● ولأن الموقف الدولي حاضر بقوة أتوقع صمود شديد للاتفاق حال استمر الشركاء الدوليين في دعمهم وتأييدهم وتحفيزهم للفرقاء ولجماهير الشعب السوداني، والعبرة بالخواتيم فالاتفاق محددة الأهداف والتي أهمها مدنية كامل السلطة والحكم والدولة، وإبعاد العسكر من العمل السياسي وتحقيق شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة واستعادة مكتسبات الفترة الانتقالية، وهي أهداف محددة يمكن على ضوئها محاسبة من وقعوا الاتفاق.



● لذلك نجد أن هناك من يناور بغية اكتساب المزيد من الوقت لربح المعركة وهناك من يريد الصمود وصولا ومثولا للمستقبل مهما كانت النتائج، وهناك أيضا فزاعة التوجه نحو إغلاق البلاد بأذرع السلطة وجماعات الضغط وعصابات الإجرام، كل هذا يهدد الاتفاق ويجعله عرضة للإنهيار، الواجب الذي لا غنى عنه هو الامتثال لكل ما يترتب عليه الاتفاق وإبداء الإذعان لكل نتائجة مهما كانت.




● كما أن الشخصيات المتقدمة لهذه العملية مصداقيتها على المحك ومستقبلها السياسي ومستقبل كياناتهم وأحزابهم رهين بنجاح هذه التجربة، والتي من واجبها اسقاط كل من في الحكومة ويقف ضد الاتفاق، وأن تكون السرعة حاضرة بقوة في تنفيذ استحقاقات تهيئة المناخ وكسب التأييد الشعبي.



● أستطيع القول أن هذا الاتفاق محدد القيادة اسما ووصفا وواضح المعالم شكلا ومضمونا، فلم يتم بليل أو بشخوص مجهولين تحت جنح الظلام وتحلى قادته بالشفافية في كل مراحله، وظل الصدق حاضرا في أحاديثهم وأنهم قد تحلوا وتحملوا المسؤولية ولهم استفادة من الخبرة والتجربة المريرة الماضية كما أن الاتزان ظل حاضرا ونائيا عن الشطط، وكما للعسكر خطة لإدراة الصراع في السودان، أقول أن التخطيط حاضر في هذه العملية في كل مراحلها واحدة تلو الأخرى وليس هناك جهة تستطيع أن تثني قيادة الاتفاق من توجههم الرافض للشراكة أو عسكرة الدولة، و هناك تصميم شديد لإنهاء الإنقلاب قبل حلول العام 2023م وفق خطة واضحة، والعنصر الرئيسي في هذه الخطة هو التسوية السياسية للصراع في السودان المدني منه والتمهيد لإنهاء المسلح..




● ميزة هذه العملية السياسية أنها إلى الآن تتحدث عن كيفية إدراة العملية السياسية وكيفية حكم البلاد وإدراة الفترة الانتقالية، ولم تدخل في أجندتها أي حديث عن شخوص، وصرح قادتها بأنهم مجتمعين ضد أي محاصصة سياسية تؤسس لتقاسم سلطة وثروة وهو الأمر الذي أسست عليه كل الاتفاقات السابقة وأورد البلاد إلى ما نحن فيه من انقسام واستئثار بالسلطة والثروة، لذلك نجد أن أعلى الأصوات رفضا لها هي لمحاسيب السلطة والمقتاتين من أموال الشعب السوداني والمنتفعين من موارد ومكاسب ومناصب أمنتها لهم إما الصدفة أو اتفاقات سابقة.




● كما اتجه العالم في السنوات الأخيرة لانتهاج سياسة حل النزاعات السياسية والمسلحة بنمط مشابه لما يحدث في السودان فنجد أن الأمين العام للأمم المتحدة الحالي والسابق وقفا على كثير من النزاعات كالحالة في ميانمار التي قادت لامتناع السلطة عن استخدام القوة والبحث عن تسوية سياسية، ونذكر اعتماد خطة التسوية السياسية لكوسوفو وميتوهيا، ومواصلة الموفاوضات مع زعما بوغانفيل، وبروتوكول لوساكا لحل النزاع في أنغولا، والتسوية السياسية للصراع الجورجي – الأبخازي، كل هذه العمليات مجتمعة وغيرها كثير تمت وفق منهجية دولية معتمدة شأنها شأن أي عملية تعليمية أو علاجية لمرض من الأمراض أو جائحة من الجوائح، اللهم إلا بعض التخصيص الشكلي والفني لمناطق لها خصوصية، واجترح السودانيون طريقتهم الخالصة لخارطة الطريق الماثلة.



● ما يحمد لهذه الجهود أنها ظلت على الدوام داعمة لوحدة البلادن وسيادة أراضيها، إلا اتفاق سلام جنوب السودان الذي تم تفخيخه بمعاني وبروتوكولات حصد السودانين إنفصالا مرا أضر بالبلاد الموحدة وبالبلدين بعد الإنفصال، وهذه العملية السياسية الجارية في السودان، ما يميزها أنها أبعد ما تكون عن تأسيس توجهات إنفصالية أو انتهاك للسيادة الوطنية، فقد ظلت الأجندة داخلية ومصممة في السودان ونابعة من قوى أصيلة في التاريخ السياسي والاجتماعي والمدني السوداني.




● دون أدنى شك الأروقة السياسية والاجتماعية في السودان تشكو افتقارها إلى ثقافة التسوية السياسية، وفي مايو 2022م حينما كتبت عن ضرورة إحداث تسوية سياسية شاملة ناهضني كثيرون ووصموني بما وصموا، وحينها بينت وجهة نظري في مطلوبات تسوية الصراع في السودان، قبل إن نصل إلى مرحلة انهيار السلطة المركزية انهيارا مفاجئاً سيقود البلاد إلى درك سحيق من الصراع الدامي والفقر المدقع والدمار الشامل، أو ربما تدخل مجلس الأمن كما فعل في عهد البشير تحت غطاء البند السابع.




● لم يكن هناك أحد يستبعد أن تتم في هذه الجولة مناقشة إعلان مبادئ يرسي أسس تسوية سياسية أو أن يتم التوقيع عليه، لذلك جاءت ردود الأفعال متباينة تتسم تارة بالحد وتارة بالموضوعية وتارة بالتأييد، وما يعزز من نجاحها هو إحراز تقدم جاد وسيقود ذلك بدوره إيجاد تسوية سياسية وطنية شاملة تهيئ البلاد والعباد لانتخابات حرة نزيهة. و هو ما يوجب التوقف عن استخدام لغة القوة والتعنيف التي انتهجها قادة الإنقلاب قبل وبعد إنقلاب 25 أكتوبر 2021م، والعودة إلى مسار التسوية السياسية والدبلوماسية المتحضرة التي تشمل كل السودانيين إلا من أبى أو استثنته أجندة الثورة.



● ولم يكن الوصول لهذا الأمر سهلا وإنما قلصت الموجات الجماهيرية والحراك المستمر منذ فجر الإنقلاب وضغوط الأسرة الدولية والأزمات الاقتصادية وجهود الثلاثية والرباعية وألترويكا والاتحاد الأوروبي من مساحة الشقة السياسية بين القوى الوطنية وقادة الانقلاب، وتغيرت معالم الساحة السياسية كليا وتبدلت أجندة الصراع بشكل حاسم لصالح مشروع الحل السياسي الشامل، بعد أن عجزت السلطة الانقلابية في تكوين حكومة ذات مصداقية أو المضي قدما في إكمال الإجراءات الانقلابية.



● كل ذلك أكد أننا نحن بحاجة ماسة إلى مقاربة جديدة للصراع السياسي في السودان حيث توجب على السلطة الانقلابية تسويه سياساتها التي تولد الأزمات باستمرار وذلك بأسرع وقت ممكن وإن لم تستطع مواجهة الأزمات واتخاذ الخيارات والقرارات الصعبة والمنضبطه والتي يحتاجها الوطن وتدعمها الأسرة الدولية فسيكون مصير البلاد قاتما وسينتهي المطاف بجميع قادتها إلى السجون والملاحقات الدولية والمطاردات الجنائية، فلم تنح السلطات إلى المناورة وعدم التوقيع على هذا الاتفاق واتجهت نحوه بعضها راغب وآخر راغم، وهو ما يعني أننا خطونا نحو جحر للأفاعي السامة لاستخلاص عقاقير تداوي وتبريء جراح الوطن، فإما ظفر السودانيون بالعلاج وداووا الوطن أم قضت تلك الأفاعي بسمها الزعاف على العملية السياسية وعلى من يقف عليها من قيادات وكيانات.




● سأواصل في تشريح هذه العملية السياسية مستصحبا العديد من الآراء والنظريات والتصورات، آملا أن أكون من الذين يسهمون ولو بالقليل في المسار السياسي تقييما وتقويما، فالحاجة ماسة لتكاتف الجهود، وليس بالضرورة أن نتفق على الوسائل أو الطرق للوصول إلى غايتنا المشتركة، وهذا الطريق السياسي من الطرق المجربة وتحتاج أن نعمل نقدنا لها أو نقلها للسودان بوعي وتجرد.



يتبع

عروة الصادق
7. ديسمبر 2022م
البقعة