• يعزي الجميع أسباب التردي في التعليم للأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد،وهو أمر مجاف للحقيقة ومناف للعقل، إذ أن العام 2022م وحده تم صرف ما يقارب الستة ترليونات بالجنيه السوداني على الصرف الأمني والاستعداد العسكري، وهو ما يعادل ميزانية التعليم لعام دراسي كامل بما فيها الإجلاس وطباعة الكتاب وإطعام التلاميذ، وهو ما يبين إختلال ميزان القيم والأخلاق عندنا كسودانين، فالتلاميذ بلغ بهم الجوع ما أوصلهم لفقر الدم والسل والأمراض المتخلفة، وجلسوا القرفصاء تحت ظل الأشجار وزمهرير البرد وهجير الشمس، يفترشون الأرض.
• أدخل هذا الأمر كثير من المعلمات والمعلمين في نزاع ذاتي، وبعضهم آثر السلامة والفرار بجلده، فلا مرتباتهم تكفي لشراء وجبات للتلاميذ الجوعى ولا يستطيعون شراء كسوة أو كتب للأيتام، ولا يستطيعون حتى تحفيز النوابغ في فصولهم بشراء هدايا، وبعضهم لا يستطيع حتى تجديد ثيابه وأحذيته للعام الجديد، هذا النزاع الأخلاقي دفع ببعض المعلمين إلى الجنون والفرار من فصول الدراسة إلى حفر التنقيب عن الذهب أو الهجرة وركوب البحار.
• العالم حولنا يتحدث عن فصول مهيئة للتلاميذ تؤهلهم لأن يكونوا بشر أسوياء لا يعانون من أزمات نفسية أو اجتماعية أو أخلاقية، ونحن تلاميذنا في الفصول، يفكر أحدهم طوال ساعات الدرس كيف يقضي حاجته إذا خرج في فترة الراحة، وأين يقضيها، والمعلمات والمعلمين بين نزاع أن يمنحوهم "مراحيضهم" أو يمنعوهم عنها لئلا تتسخ، وحتى تلك المراحيض الموصدة أمام التلاميذ عرضة للإنهيار، وقد حدثت عدة حوادث أودت بحياة معلمين وتلاميذ.
• وبعض المعلمين لا يستطيعون أن يأكلوا في المدارس، وبعضهم تتحجر اللقمة في حلقه وهو يرى أطفالا في بعض مدارسهم يجمعون فتات الطعام من المقاصف وبقايا أكل زملائهم، وهنا تثقل كواهل المعلمين والمعلمات بعبء أخلاقي ليس لهم فيه يد سوى أنهم إختاروا أن يكونوا رسلا، ولكن بلا رسالة، فكل عمليات الرسالة معطوبة ومعطلة ومثقلة بالعيوب.
• إن العوز الذي تشهده البلاد مصطنع بامتياز ومقصود، فذات المعلمين الذين يرون آلاف المعدمين في مدارسهم، يرون مؤسسات تصرف ملايين الدولارات في عمليات بذخية وأوجه صرف ترفية وحشود سياسية، ومؤتمرات تفاخرية، وتمويل لجماعات سياسية ومليشيات مسلحة، بل بعض الأنشطة التي لا علاقة لها بالتعليم تجد وزير التربية مشاركا ومباركا، وهو ما يؤكد أن لهذا الصراع في ملف التعليم أبعادا أخلاقية تتراص من أعلى سقوف الدولة وصولا أدنى مستوياتها في أقصى "كرنك" يستخدم كفصل دراسي نواحي "كُبم" في أقصى الغرب.
• ختاما: نحن من جيل تعلم في فصول الدراسة أقوال الأدباء والحكماء والشعراء وظللنا نردد ونكتب في جدران فصولنا ومدارسنا ما سطره أمير الشعراء أحمد شوقي:
والصدقُ أرفع ما اهتز الرجالُ
لهُوخيرُ ما عوّدَ ابناً في الحياةِ أبُ
وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ
فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا
• ونظل نردد على الدوام مقولة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعاليَ الأخلاقِ، و يَكرَهُ سَفْسافَها)،وهو ما يوجب الخروج من سفاسف التحشيد القبلي والتسليح ودعم خطابات الكراهية إلى دعم التعليم والمؤسسات التي تجمع أبناءنا بدون تمييز للجنس أو الدين أو العرق، ونتمثل قوله صلي الله عليه وسلم: (إنَّ أَحَبَّكُم إليَّ، وأَقرَبَكُم مِنِّي في الآخِرَةِ: أحاسِنُكُم أخلاقًا)، وهو ما يوجب نهوضا أخلاقيا وخلقيا في العملية التعليمية وأن يتسق الاحتجاج الماثل من معلمات ومعلمي بلادي وجليل الأخلاق، وأن يقابل أيضا بمسؤولية من الأهل والأسر وأهل الخير
عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM