● حادثة إبنة الأستاذ طه عثمان إسحق( المحامي)، توضح بجلاء مدى الدرك السحيق الذي وصل إليه سلكنا الدبلوماسي، وتراجع استيعابهم لمهامهم، وانغماسهم في الانحياز السياسي، وتجنيهم على صلاحيات الغير وتعديهم على الحقوق، وهو أمر لا أتعجب له، فقد كتب جهاز المخابرات ورقة بيضاء عليها أسماء من ضمنها اسمي ليتم حظرنا من السفر، وتم منعي بموجب ذلك الحظر من السفر حتى مجرد تجيد جواز أو استخراج وثائق ثبوتية وهو حق دستوري سلبته حتى يومنا هذا.
● أتحدث هنا وكلي يقين أن القناصل والسفراء في السفارات يشغلون مناصب دبلوماسية مهمة ولهم دور حاسم في خدمة مواطنيهم في المهاجر المختلفة، وهم الأجسر للعلاقات الدبلوماسية بين الدول وتعزيز التبادل الثقافي والتجاري، ولديهم سلطات تنظيمية وإدارية محدودة فيما يتعلق بالشؤون الهجرية وإجراءات السجل المدني والجوازات.
● أما سفارتنا المبجلة في الإمارات وسفيرها الموقر وقنصلها الموزع بين أبو ظبي ودبي، دأبهم الإيغال في التدخل الإجرائي لنشاط مسؤولي الجوازات شأنهم شأن سفارتنا في تركيا، وغيرها من المحطات الخارجية التي يهمن عليها عناصر وكوادر الحزب المحلول، وما حدث ضد طه وابنته فهو أمر دوافعة سياسية لأنه وبنص القانون تنعقد السلطات الحصرية لوزير الداخلية أو من يفوضه من سلك الداخلية في كل شأن يلي الجوزات والسيطرة الهجرية، وذلك لضمان السيطرة والتنظيم الكامل على هذه العمليات الحيوية، وهذا الأمر ليس الغرض منه خدمة حزب أو الحط من خصم سياسي وتجريده من حقوقه، وإنما ينبغي أن يهدف إلى حماية الأمن الوطني والمصالح العامة للدولة وضمان سلامة المواطنين وصون حقوقهم.
● لذلك سنظل ندور في فلك اللادولة واللا مسؤولية واللا قاونون واللا دبلوماسية وتتحكم فينا الأمزجة والأهواء، ومؤكد أن هذه الحادثة ليست الأولى، ولن تكون الأخير في ظل أمثال هؤلاء، لأن طه استطاع الحديث في ظل وجود كثيرين يؤثرون الصمت خوفا من صلف السلطة، إذا أراد قادة الدولة أن يسعنا هذا السودان جميعا، عليهم إعادة النظر في ممارسة سلك الدبلوماسية المتغول على صلاحيات الداخلية، وأن يجد القناصل والسفراء توجيهات صارمة بتجنب التدخل في شؤون الهجرة وإجراءات السجل المدني والجوازات، إلا في الحالات الاستثنائية التي تتطلب التعاون المشترك بين سلطات الحكومة المختلفة وترتيبات خاصة مع السلطات المختصة، وليس من المنطق أن تجدد الداخلية جوازا ويأتي سفير أو قنصل فيلغي الإجراء بمزاجية وعنجهية.
● إن تدخل القناصل والسفراء في هذه المسائل يمكن أن يسبب اختلالا في النظام القانوني والإداري للدولة أكثر مما هو حادث، وسيؤثر على تنفيذ السياسات الهجرية بشكل فعال ومنتظم، فقد رأينا (كراتين) التجديد والوثائق الاضطرارية تشحن من بعض ضباط الداخلية إلى قناصل بعينهم ليضعوها تحت طاولاتهم ويبعونها وفق ما اتفق، ولا عزاء للمواطن المنكوب في غربته، وما لم يتوقف هذا الأمر والعبث سيؤدي التدخل غير المنظم في هذه القضايا إلى انتهاك حقوق المواطنين وإشكاليات في التعامل مع الأفراد الذين يحتاجون إلى استشارة قانونية أو توجيه خاص، وستنشط جماعات ومكاتب محاماة قانونية ستكلف حكومة السودان أمولا باهظة وستكلف دبلوماسيتنا سمعتها التي لطخها سفراء (كازنو منهاتن) و(البعاتي) ونحوه.
● لسنا في معرض الدفاع عن طه وابنته وحقها في تجديد جوازها، ولكني متأكد أن هذه الحادثة يعاني منها المئات إن لم يكن العشرات، لءلك من الضروري أن يتم توعية القناصل والسفراء بمحدودية سلطاتهم في هذا الصدد، وتوجيههم بالالتزام بالقوانين واللوائح المتعلقة بالشؤون الهجرية وإجراءات السجل المدني والجوازات، ويجب أن يقتصر دورهم على تقديم الدعم اللوجستي والإداري وتوفير الخدمات للمواطنين الذين يحتاجون إلى خدمات محلية أو استشارات في هذه المسائل، لا يمكن أن يكون الحرب والهروب من جحيمها على المواطن ومن فوقها يسلط عليه سيف العقاب من دبلوماسيي بلاده.
● ونلفت انتباه السيد الدبلوماسي لو أن هذه الطفلة وتجديد جوازها يمثل خطرا على البلاد لما تم التجديد لها ولأمها في ود مدني، ونهمس في آذانكم أن ذلك تبخيس لجهود رصيفتكم وزارة الداخلية وإثبات عجزها عن حماية سيادة الدولة وتطبيق القوانين وعدم مقدرتها على تفعيل اللوائح ذات الصلة، وضعف بين لدى مسؤولي السلطات المختصة المحلية في ولاية الجزيرة ومدينة ود مدني.
● ختاما: نأمل أن تنجلي هذه الحرب، وتستعاد المؤسسات وتعود لها هيبتها واستقلاليتها وأن نشهد سلكا دبلوماسيا يضطلع بدوره نائيا عن المناكفات والمكايدات السياسية، وأن يلتزم ويحترم القانون الذي يهدف إلى تحقيق التنظيم والتنسيق الأمثل في الشؤون الهجرية وإجراءات السجل المدني والجوازات، وضمان تنفيذها بطريقة تحفظ الحقوق وتحقق الأمن والاستقرار وحماية حقوق المواطنين السودانيين في كافة مهاجرهم المختلفة، و أن يلتزم القناصل والسفراء أتفسهم بمبادئ الاحترام والامتثال للقانون عند التعامل مع هذه القضايا الحساسة، لا أن تحدوهم المحاباة والغبائن واستقلال النفوذ، وإلا إن كان هؤلاء السفراء والقناصل عبارة عناصر أمنية في ثياب دبلوماسية.
• الجمعة: ٢٣. صفر ١٤٤٥ه.
• الموافق: ٨. سبتمبر ٢٠٢٣م.