● تسعى حكومة بورتسودان لتسريع إصدار تشريع يشرعن وجود ما سمي بالمقاومة الشعبية، وينبغي قراءة هذه الخطوة مع التاريخ القريب والمماثل لسن تشريع كهذا قام بتقنين دور جماعات حرس الحدود وانتقالها لوضع جديد تحت مسمى الدعم السريع والمصادقة عليه عبر برلمان سلطة النظام المباد، ولأن العقل الذي يدير البلاد هو ذات ذهنية السلطة المبادة وواجهاتها القانونية والتشريعية التي تمت استعادتها بعد انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، هاهم يكررون ذات الأخطاء بغية شرعنة مليشيات جديدة تأتمر بأمر أمراء الحرب ومنسقيها وقادة كتائبها، وجعل الأمر ذو صيغة مقبولة للمتسائلين من المحيط الإقليمي والدولي ومحاولة إضفاء بعض الشرعية عليه.
- ويبقى السؤال الملح، هل من مؤسسات شرعية لإجازة مثل هذا القانون؟ مع العلم أن المؤسسات المخولة بإصدار وكتابة هذه التشريعات من مستشاري وزارة العدل، والفقهاء الدستوريين في دوائر التشريع المختلفة، جميعهم خارج دائرة الدولاب ومؤسساتهم وإداراتهم في حالة غياب منذ اليوم الأول للحرب وبعضهم تم إبعاده منذ الانقلاب، وأتى بمن هم أهل الحظوة وعناصر التمكين من الإخوانيين، فضلا عن تمزيق المرجعية الدستورية (الوثيقة الدستورية) في أكتوبر ٢٠٢١م، فأصبح هذا التشريع بلا روافع مؤسسية ولا مرجعية دستورية، وإنما هو تفصيل يتناسب وسلطة الحرب وأجواء الاقتتال ويلبي أهواء الجنرالات.
- إن تقنين أوضاع الجماعات المتطرفة الخارجة عن القانون خلافا لكونه عملية خطرة فهو عملية حساسة ومعقدة نظرًا للتحديات الأمنية والسياسية المترتبة عليه، هذه الجماعات المسلحة "حاليا" و"المتمردة" لاحقا ونا تفرزه من ميليشيات غير نظامية بدأت منذ تكوينها تنشط خارج إطار القانون، وتسببت في فظائع وجرائم لم يجروء أحد على ذكرها أو مساءلة مرتكبيها حتى من قيادة الجيش.
- وحتما ستحقق هذه التشريعات عكس مقاصدها، لأنه إذا كان الغرض فرض القانون والنظام، فالواجب إنهاء الحرب أولا واستعادة الوضع الدستوري ومن ثم سن قوانين دستورية صارمة يمكن أن توفر الإطار القانوني الضروري لمحاسبة هذه الجماعات واستعادة النظام والأمن في المجتمع.
- وإن كان القانون المراد منه الحفاظ على الأمن، فإن التسامح مع هذه الجماعات المتطرفة وواجهاتها الخارجة عن القانون يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الجريمة وتعطيل الأمن العام، لذلك تقنين أوضاعها ينبغي أن يكون بشكل دستوري شفاف ونزيه وصحيح يمكن أن يساهم في تحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي، أما الطريقة الحالية فهي تزيين الباطل والبناء على الهواء دون عمد دستوري أو قانوني.
- وكذلك لن يوقف هذا التشريع ويمنع الانتهاكات الحقوقية التي تمارسها هذه الجماعات لأنها منحت صلاحيات تقنن الاننهاك كاستعادة صلاحيات جهاز المخابرات العامة، وكفتاوى شيوخ السلطان التي تخول لهم فعل كل ما هو مخالف للأعراف والتقاليد والأديان وتنصبهم أنهم خلفاء الله في الأرض القائمين على الغير بالحجة، والواجب هو الاتفاق محليا وإقليميا ودوليا على برامج التقنين هذه مع الكافة حينئذ فقط يمكن أن تحد السلطة المعترف بها من انتهاكات حقوق الإنسان التي قد تقع من قبل هذه الجماعات، وبالتالي تحمي حقوق المواطنين وتبسط سيادة حكم القانون، أما اختيار التوقيت الحالي وفوضى الحرب لإصدار هذا التشريع فهو تشجيع وشرعنة لممارسة المزيد من الاننهاكات بفوضى السلاح.
● ختاما: إن أخطر ما يمكن أن تتسبب فيه مثل هذه التشريعات والقوانين الحيلولة دون التحول نحو السلام وتحقيق العدالة والمصالحة، لأن بعض هذه الجماعات المسلحة سترى أن لها امتياز دستوري على أخرى وحصانات تمنعها وقادتها وأمراءها من الملاحقات الجنائية أو الدولية، والواجب هو التفكير في تحويل كافة الجماعات المسلحة السابقة واللاحقة لكيانات مدنية تتجه نحو المشاركة في الحياة السياسية بعد تقنين أوضاعها عبر عمليات الدمج والتسريع المتوافق عليها، وهذا الأمر وحده سيدعم تنمية البلاد وسيسهم في استقرارها ويدعم تحقيق عملية العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔