𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق
رغم أهمية سوريا الاستراتيجية لروسيا والتي اتاحت لها تموضعا جيوساسيا مكنها من إنشاء القاعدة العسكرية الروسية في طرطوس وهي الوحيدة من نوعها لروسيا في البحر الأبيض المتوسط وهي حجر الأساس للوجود الروسي، وتوفر لبوتين منصة استراتيجية لإجراء العمليات العسكرية والإنسانية المعلنة وتلك الخفية التي تنطلق لدول المنطقة تموضعا وانتشار، الأمر الذي منحها وجودًا عسكريًا متقدمًا في المنطقة وتأثيرًا كبيرًا.
- رغم أن المصالح الروسية متعددة وكثيرة وكبيرة في المنطقة، لكن تتجاوز أهمية سوريا بالنسبة لروسيا الجانب العسكري لتشمل التوازن الاستراتيجي وتحديًا للمصالح الغربية في المنطقة، وتساهم بذلك في إضعاف نفوذها والحد منه، وتمنح روسيا حليفًا قويًا في قلب الشرق الأوسط، مما يقوي مكانتها كقوة عالمية تسعى لتفكيك القطبية الآحادية بتحالف (BRICS).
رغم نشاط حركة التجارة والأســ.ـــلحة الروسية في سوريا والمنطقة، والتي تمثل سوقًا مهمًا للأســ.ـــلحة الروسية بوجود شركات حكومية، وأخرى دفاعية، وشركات التعاقد الخاصة، كروزوبورون إكسبورت، ومجموعة فاغنر، وشركات تصنيع الطائرات والدبابات والصواريخ، والتي تقدم منتجاتها إلى سوريا وتسربها من مطاراتها لدول إفريقية وأخرى عربية، ورغم أن تعاونًا اقتصاديًا متزايدًا شهده البلدين طوال العقد السابق، إلا أن روسيا جوبهت بالعبء الاقتصادي والعسكري المتضاعف، فإن الحرب في أوكرانيا وضعت ضغوطًا اقتصادية وعسكرية كبيرة على روسيا، مما يحد من قدرتها على تقديم الدعم اللازم لسوريا.
- كما أن رفض الأسد التفاوض والدخول في عملية سياسية علي هدي مباحثات استانا أدخل الروس في حرج بالغ حتى مع حلفائهم في المنطقة من ضامني تلك الاتفاقات، هذا الموقف جعل من الصعب على روسيا إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، وأثار حنق الرئيس التركي ليصرح متدخلا بسفور في الشأن السوري، وعجل هذا بتدحرج كرة الثلج من الشمال الغربي السوري حتى تجتاح غالبية المحافظات الشمالية، وهو ما يُضعف موقف سلطة الأسد التفاوضي.
- انفرد النظام منذ اندلاع الثورة السورية بالأجهزة الإعلامية وخلق هالة من الأكاذيب حوله، وخوّن قوى المعارضة وشردهم ونكل وقتــ.ـــل واغــ.ـــتال من بقي منهم في البلاد، ومع ذلك تآكل الدعم الشعبي للنظام، حتى في حمص التي شهدت تصاعد الأصوات الاحتجاجية ضده، والسويداء التي لم يهدأ إنسانها يوما وظل يغلي كالمرجل، ويواجه اليوم نظام الأسد هذا التآكل بصورة تجعل من الصعب عليه الحفاظ على السلطة أو حتى التضحية بدعمه.
- وهنا تقف جمهورية إيران الإسلامية موقف المتفرج بعد اتخاذ جمهورية العراق قرارا مسؤولا منع جر قواتها النظامية وحشدها الشعبي إلى التدخل في الشأن السوري، كما أن التطورات الأخيرة في لبنان عطلت أدوات التدخل الإيراني، لأن الضربات الإسرائيــ.ـــلية أثرت بشكل كبير على قدرات حــ.ـــزب الله اللبناني واستنزفت من ناصروه من حــ.ـــزب الله السوري وكتائب فاطمــ.ـــيون وزينــ.ـــبيون وغيرها، مما أجبر بوتن على إعادة تقييم أولوياته في سوريا والمنطقة.
- ما يجعل الحيرة تقفز إلى ذهني حتى الآن حالة الحذر الإيراني بعد عمليات القصف والرد المتبادل بينها وبين إسرائيل، ويبدو أن إيران بعد تلك الضربات ومقــ.ـــتل قادتها وقادة حزب الله، وما شهدته من تدمــ.ـــير لحلفائها في الشرق الأزسط، أصبحت أكثر حذرًا في تدخلاتها الخارجية، وتركز حاليًا على الدفاع عن أراضيها ومصالحها الأساسية وتغض إدارتها الطرف عن تحركات المعارضة السورية.
- هنا مثل التدخل الجيوستراتيجي الحاسم بالدور التركي، وربما والتوافق الروسي-التركي، والذي تجلى في الدعم التركي للمعارضة، والذي غض بوتن عنه النظر، إذ لا شك أن تركيا قدمت دعمًا كبيرًا للمعارضة السورية، سواء كان عسكريًا أو لوجستيًا، ورصدت المخابرات الروسية واستخبارتها حركة الأرتال والمركبات والأسلــ.ـــحة والمسيرات وتسربها وتحركها لتنسحب اليوم وتأمر منسوبيها بالخروج من سوريا فورا، بصورة تشبه خروج أمريكا من أفغانستان والخروج المذل لفرنسا من الغرب الأفريقي، في الوقت الذي وجدت فيه اسرائــ.ـــيل ضالتها في التخلص من أسلــ.ـــحة حزب الله وفصائل موالية لإيران ومواصلة استباحة قطــ.ـــاع غــ.ـــزة.
- ومن دلائل التوافق الروسي-التركي حديث كافة المحللين الروس والخبراء الاستراتييجين أن هناك تفاهمًا بين روسيا وتركيا حول ضرورة إيجاد حل سياسي دبلوماسي للأزمة السورية، مع اختلاف في الرؤى حول مستقبل الأسد، الذي وقف العرب الذين استضافوه في آخر قمة لهم واستقبلوه استقبال الفاتحين، وقفوا موقف الدب الروسي المتفرج، ويرجى ألا يجد مصير من سبقه من القادة العرب حتى لا يتوارث السوريين مرارات الانتقام، فميــ.ـــتة القذافي الشنيعة لا زالت تحــ.ـــرق ليبيا، وتصفــ.ـــية علي عبد الله صالح لا زالت دمــ.ـــاؤها تغرق اليمن، والحبال التي شنــ.ـــقت صدام يحاول محمد شياع السوداني أن يستنقذ أغناق الشعب العراقي من مشانقها، الواجب هو اتباع حلول سلمية تحقق الاستقرار وتحقن الدماء وتكفل الانتصاف للضحايا، وتمنع تسلل المخربين والإرهابيــ.ـــين للأوطان، وتضمن العودة الآمنة للفرين بعد أن تهيء لهم ديارهم بمشاريع إعادة إعمار وشرايين حياة تتكفل بها تضامنات دولية تدعم تلك الصناديق التعميرية، وتتوقف أيادي العبث الخارجية عن دعم النزاعــ.ـــات وتغذية الحــ.ـــروب.
- ينبغي على كل طغاة المنطقة ومستبديها، قراءة مستقبلهم في هذه المرآة السورية التي تبدي المستقبل السوري مليئلا بالتحولات الكبيرة، وتراجع ملحوظ ومدروس لنفوذ روسيا وإيران، وتزداد قوة تركيا والمجموعات المعارضة، والتي بعضها ضمن قوائم الغرب السوداء، وبعض قادتهم موصومون بالإرهـــ.ـــاب.
- لذلك لا مناص من التوجه الفوري لــ(فورملا) الحل السياسي السلمي الشامل في المنطقة جميعها، والعمل على خلق منطقة خالية من الصراع (No Conflict Zone)، ومثلما أصبح الحل السياسي للأزمة السورية ضرورة ملحة، هو الأمر كذلك في السودان، واليمن، وغزة، ولكن تحقيق ذلك يتطلب جهودًا دولية كبيرة وضغطا كبيرا يحقق حلا جذريا وتوافقًا حقيقيا بين الأطراف المتحــ.ـــاربة.
- إن المشهد الذي نراه من موجات بشرية لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين وخروجهم خفافا وثقالا من تركيا لوطنهم والتي مثل خروجهم منها تخفيفا لأعباء استضافة امتدت لسنوات، يرينا هذا المشهد التحديات المستقبلية الكبيرة التي تواجه العالم وكل المنطقة في الفترة المقبلة (العراق، مصر، ليبيا، تشاد، جنوب السودان، تشاد، وكل دول جوار الدول الملتهبة)، فجميع هذه الدول موعودة بهزات منها أو إليها جراء هذه الموجات وتحديات كثيرة، والتي من بينها إعادة إعمار ما دمرته الحــ.ـــرب، ومكافحة الإرهــ.ـــاب، وعودة اللاجئين.
- لذلك مثلما لن يستطيع أي شخص بالتكهن لأي مدى ستستمر روسيا في دعم نظام الأسد، سيعجز أي نظام في المنطقة عن دفع استحقاقات الحماية الروسية، فلا ذهب السودان أهم من تموضع روسيا في البحر الأحمر ولا المصالح والمصانع والمفاعلات النووية السلمية في مصر أجدى من قواعد عسكرية بحرية وبرية في ساحل البحر الأبيض المتوسط، بحميميم وطرطوس واللاذقية وغيرها من المدن السورية.
- سيحمل انهيار نظام الأسد وانسحاب روسيا العديد من التداعيات والتأثيرات المحتملة على المنطقة برمتها، وستؤثر التطورات الأخيرة في سوريا على العلاقات بين تركيا وروسيا، وسنشهد تنافسا( كسرويا، قيصريا، خديويا)، كل منهم يستعين بأدواته وخادميه وعملائه في المنطقة، وهنا سيهرع كل من له مصلحة مع دولة لعرض خدماته لصاحب النفوذ والقوة والمال والسيطرة، وإلى ذلك الوقت لن يكون هناك دور يذكر للمجتمع الدولي في حل الأزمة السورية، بل سيقفون موقف المتفرج والصمت دلالة على الرضا عن تقدم المعارضة السورية لحين استلام دونالد ترامب المنطقة (نظيفة) من كل الهواجس المزعجة ليتفرغ في ولايته التي تبدأ فبراير ٢٠٢٥م للمعركة الاستراتيجية مع الصين.
● ختاما: على الطغاة في المنطقة الاتعاظ من هذا المشهد، واستعادة عقولهم الطائشة إلى رشدها، وتوطين الحلول السلمية والدبلوماسية والتوافقية، وعدم الاستمرار في تحشيد القدرات الأمنية والعسكرية، فجميع الأســ.ـــلحة الاستراتيجية المسموح بها والمحرمة دوليا لم تمنع الاستيلاء على المدن في سوريا كما شاهدنا، وفي حالتنا السودانية هناك فرصة كبيرة للاتقاط القفاز، واستئناف التفاوض على أسس سابقة وحقن دماء السودانيين والسماع لصوت الحكمة والعقل، فمن يعول على الســ.ـــلاح سيجد أن هناك قوى أخرى ستزود مناوئيه بســ.ـــلاح أفتك، وتستمر رحا الحــ.ـــروب لتحرق ما تبقى من الأوطان، وتهلك الحرث والنسل وتشرد الإنسان.