كلمتي لله والتاريخ والسودان
عروة الصادق
مقدمة: ما تشهده بلادنا هو تكرار لاستنساخ أكثر الأوجه قساوة من القهر والاستبداد والإجرام والتنكيل والانتهاكات والتدمير للإنسان والبنيان فـ "الإنسان بنيان الله ملعون من هدمه"، دون مراعاة لحرم دم أو مال أو حتى اكتراث لسيادة وطن، لذلك نجد أن تأثير المظالم والغبائن التاريخية والاعتداءات الآنية وحملات وخطابات الكراهية تضاعف، ولم يعالج ذلك الظلم المتراكم وعجل وجعل من توجهات الشعوب نحو تقرير المصير أكبر من كل احتمال لطاقة البشر السوي، والذي تحفزه رباعية ذهبية للحياة الكريمة والأمل في الاستقرار وهي: التطلع نحو الحريات والنهوض سلميا بالثورات الشعبية، واستشعار الكرامة وحقوق الإنسان، والنضال من أجل الاستقلال وسيادة الشعب على نفسه، وتحقيق مقاصد الحكمانية بالسلام والديمقراطية والحكم الرشيد، ولكن المظالم السياسية والاجتماعية والتهميش والتفاوت الطبقي والتنموي واختلال التوازن جميعها أو منفردة تقود إلى تراكم الاحتقان الشعبي، وتولد شعورًا عميقًا بالظلم والاستبعاد والاستعبا،. هذا بدوره يدفع الشعوب المظلومة إلى التفكير جدياً في خيار تقرير المصير، سعياً لتحقيق العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.
وقد استخدمت الأنظمة الاستبدادية آليات التأثير أو ما أسمية أدوات الطرد المركزية السياسية التي أعملت في جنوب السودان حتى فصلته وفي المنطقتين وإقليم دارفور حتى أيقنت شعوب تلك المناطق ألا شيء يوحد وجدانها أو يوحدها إلا الغبائن والمظالم المتوارثة والتركة الاستعمارية، لذلك عمد المستبدون والطغاة إلى تفكيك تلك السبيكة الاجتماعية، وتحطيم الممسكات الوطنية، وتعزيز الفرقة والتشتيت عن طريق تفعيل أدواته السامة، وهي:
تضخيم الشعور الهوياتي وتقزيم الحس الوطني، لعلم ساسة وسدنة الأنظمة المستبدة أن هذه المظالم تعمل على تحفيز الهوية الجماعية للشعوب المظلومة، وتقوي الروابط الاجتماعية والثقافية بين أفرادها، وهذا الشعور بالهوية المشتركة يزيد من الوعي بالقضية المشتركة، ويشجع على التضامن والمقاومة ومن ثم اختيار أدوات المناهضة.
تحطيم المؤسسات وبنية الدولة في الأقاليم المهشمة لتتآكل الثقة في النظام، حتى تفقد الشعوب المظلومة ثقتها في الأنظمة الحاكمة، وتشعر بأنها لا تمثلها ولا تحمي مصالحها، وهذا يؤدي تلقائيا إلى تآكل الشرعية السياسية للنظام، ويزيد من رغبة الناس في التغيير أو التقرير.
ارتكاب كل فظيعة تولد الشعور بالظلم انطلاقا من التهميش الساسي والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي لتولد شعور عميق بالظلم والاستبعاد لدى الشعوب المظلومة، وهذا الشعور يدفعهم إلى المطالبة بحقوقهم المشروعة، ويساهم في رفع الأصوات الإنحيازية المنغلقة.
التمييز بين المناطق لتحفيز تزايد المطالب بالمساواة، وذلك بإفشال النظم المحلية والإقليمية والولائية والحاكمة في الاستجابة لمطلوبات شعوب الحيز المكاني أو تأخيرها نموها زمانيا، وهنا نجحت الإنقاذ في تحويل الشعور بالظلم إلى غضب وحقد، وهو ما يدفع الناس إلى البحث عن بدائل.
التدمير المعرفي ساهم بدوره في تزايد الوعي بالحقوق، ونهضت الشعوب المظلومة للمطالبة بحقوقها، وخاصة حقهم في تقرير مصيرهم، هذا الوعي يدفعهم إلى المطالبة بتحقيق هذه الحقوق، ويساهم في رفع روح المقاومة، وتنامي وتيرة الرفض سلما أو حربا.
إشاعة خطاب المظلومية لتقليص التأييد للقومية لصالح تزايد الدعم الشعبي للحركات التحررية، لأن النضال من أجل التحرر يحظى بدعم شعبي واسع، خاصة عندما يشعر الناس بأنهم ضحايا للظلم والاستبداد.
تراكمت كل تلكم العوامل المؤثرة لتقصم ظهر الوجدان الشعبي وتعجل بالتفكير في اتخاذ قرار تقرير المصير، فقد اشتدت المظالم وتراكمت وكلما زادت حدة المظالم التي يتعرض لها الشعب، زادت رغبته في التغيير، وانتفى كيان الدولة ليتقوقع في خدمة مصالح عصابة محدودة المكان والوصف والتأثير وتضاءلت طبيعة النظام الحاكم، وكلما كان النظام الحاكم أكثر قمعًا واستبدادًا، زادت رغبة الشعب في الفكاك منه والتخلص من كل علائقه، وتناظر هذا الموقف أشواق لقادة مستحدثين في الصراع ومتحمسين، وكذلك وجود وجود قيادة حقيقية على الأرض أو افتراضية في الوسائط قوية وذات تأثير قادرة على تنظيم الجماهير وتوجيه نضالها وتحييد آرائهم ف طيف الصراع وتسليحهم بالأسلحة المختلفة سلما أو حربا، كل هذا يزيد من فرص نجاح التحركات الإنفصالية أو لنقل الاستقلالية، وهنا يلعب الدعم الخارجي للأطراف دورًا مهمًا في تقوية موقفها، وتسهيل تحقيق أهدافها، خاصة إنه إذا طابق بجهل أو بعلم تصورات تمزيقية إنفصالية وأجندة مخابرات دولة الاحتـ.ـلال كما صرح بذلك آفي دختر مسؤول الموساد الأسبق، أو تلك الرؤى التوسعية والأشواق الاستعمارية للجيران.
أولا: انطلاقا من هذه الافتتاحية أقول أن بعض القوى الساسية والعسكرية السودانية والقوى المسلحة والنخب المنحازة لطرفي الصراع، وبناء على ما تفضلنا به من أجندة ذاتية وموضوعية وأخرى أمنية تآمرية تروج لفرضيتين الآولى؛ مواصلة الاستئثار بالسلطة والاستمرار في الحرب حتى سحق التمرد لتحقيق الاستقرار، والثانية؛ مناههضة الظلم وتعبئة الشعوب المهمشة حتى انتفاء الدكتاتورية لإقامة دولة مستقرة، ولو كان ذلك الأمر على حساب وحدة السودان وسلامة أراضية، وفي ذلك مضت حكومة الأمرالواقع في بورتسودان في وقت مبكر منذ اندلاع الحرب لترقيع الوثيقة الدستورية (2019م تعديل 2020م الممزقة في أكتوبر 2021م)، ولفتح نقاشات سرية وجهرية عجزت عن تنفيذ مقرراتها فور ما انتقلت بالعاصمة الإدارية شرقاً، فقد أوعز بعض الساسة والسدنة لمعسكر الشرق بتكوين حكومة تصريف أعمال، أو حكومة طواريء، أو حكومة حرب.. الخ، وترددت قيادات الحرب الحالية في اتخاذ ذلكم القرار لأن النظام منزوع الشرعية والاعتراف الإقليمي وهو لا زال نظام إنقلابي منذ أكتوبر 2021م، وائتمر أولئك في ورش داخلية وخارجية (أركويت، القاهرة، أسمرا، بورتسودان) لإيجاد تكييف قانوني ودستوري، يكفل للبرهان صيغة مقنعة للمحيط الإقليمي والدولي من ضمن مخرجاتها حكومة طواريء، ومنعا للتيار المناويء عسكريا في تكوين حكومة أمر واقع في مناطق سيطرته، وقطعا للطريق أمام التيار الآخر الذي كان متوقع منه منذ الانقلاب أن يرفض الإنقلاب ويتمسك بشرعية حكومة الثورة المنقلب عليها، ولكن تم تفتيت هذا التوجه بإجراءات أمنية لاحقت الوزراء وتحفظت على أعضاء مجلس السيادة واعتقلتهم ومنعتهم من التواصل مع رئيس الوزراء الذي تم إخراجه من الإقامة الجبرية ليوقع وثيقة إذعان، تضادت مع روح الثورة فدفعته لاستقالة ألبست الموقف السياسي السوداني لباس الإرباك والتشويه حتى يومنا هذا، حينئذ أيقن الجميع أن أعظم النصوص تسقط إذا جُرِّدت روحها، وقديمًا جاء في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس (2 كورنثوس 3: 6) قول بولس: "الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد، لا الحرف بل الروح، لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي." ليضطر الجميع إلى التواضع على صيغة الخُدّام المعطونة في الروح الثورية والتي كانت ترضي طيفاً واسعاً من السودانيين والسودانيات للتأسيس الجديد الذي يدعم أهداف الثور ولا يهدم أركانها وفق منظومات الاتفاق الإطاري الذي شكل أكبر هواجس قوى الردة من نظام الثلاثين من يونيو وسدنة الإنقلاب وجماعات التضليل التي تنشط في دعم الحرب وترفض إيقافها أو الركون إلى كلمة سواء.
ثانيا: لا شك أن الحوجة الآن في السودان لسلطة حقيقة متراضى عليها موثوقة مأمونة الجانب، ذات سيادة يحكمها دستور وتحدها قوانيين تحدد السلطات المخولة، تستغني عن تدابير الحرب القسرية والقهرية الاستبدادية الماثلة تأسيسا لوضع دستوري جديد يحقق فصل السلطات ويكفل الرقابة الشعبية والقضائية، ولكن اللهث خلف سراب السلطة الشكلية، والذي نرى نتائجه اليومية في نموذج بورتسودان المُمتَهَن والمُرتهِن من وللخارج، سيوصلنا إلى نظام مماثل له مجحف لا كبير له إلا نزوات قادته، ولا يوجد من يسائله لأنه متجرد من كل كابح أرضي أو سماوي أو حتى وازع أخلاقي، ومن السهولة بمكان بمجاراته في مسيرته التي يتسدرج لها الناس منذ ثلاثة عقود ونصف وهي استفزاز الشعوب لتمزيق البلاد بالحرب الأهلية والسياسات الخاطئة والأيدولوجيا الواهمة، حتى يخلو لهم وجه النيل أو قل مثلث حمدي خدمة لأجندة لا علاقة له بالوطن ولا المواطن.
ثالثا: قبل الذهاب والإسهاب في موجة التقسيم ونداءات التحطيم للوحدة الجزئية والتقزيم لكيان (تقدم)، علينا الوصول لحلم السلطة المستقرة والسيادة الكاملة على الأراضي الموحدة ولن يكون ذلك إلا بإيقاف هذه الحرب الملعونة بخطوات مدروسة وملموسة، تبتديء بتوحيد التصورات المدنية حول الثوابت الوطنية وصياغة رؤية متوافق عليها من كل القوى الرافضة للحرب، عبر الحوار الشامل، الذي يشرك جميع القوى السياسية والمجتمعية في حوار وطني شامل، يحقق التراضي الوطني حول القضايا الأساسية، ويلي ذلك الحديث عن اليوم التالي للحرب وبناء الدولة المؤسسية القوية الفاعلة المسؤلة المستقلة، نزيهة القضاء موحدة الجيش وكفوءة الشرطة والأجهزة النظامية، تحقق فصل السلطات وتفعيل الرقابة عليها، بما يضمن تفكيك بنية النظام الاستبدادي الآحادي وإزالة تمكين دولة الحزب لصالح دولة الوطن، ومكافحة الفساد بإعمال سيادة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء، وألا يخشى منفذوه في الحق لومة لائم بما يبني ثقافة احترام القانون، ويستعيد الثقة في أنظمتنا العدلية وسلطتنا القضائية التي مسها رجس الإنقلابات وتجريف الطغاة.
رابعا: هذا كله لن يتأتى إلا بتفعيل دور القوى المدنية بمسؤولية تتجاوز الأهواء والمطامع الشخصية والغبائن والتظلمات التاريخية، لأن أعظم دور يمكن أن تقوم به هذه القوى هو دور ممسلك للحمة الوطنية يرتق ولا يمزق، يجمع ولا يفرق، ويداوي ولا يجرح، وسيسهل حينئذ استرداد الدور الحقيقي للقوى المدني وتفعيل دور المجتمع المدني في الرقابة على السلطة وكفالة مشاركة الجميع في صنع القرار، وتمثيل قطاعاته الحيوية في الشباب والمرأة والنساء والفئويين والقطاعات المختلفة، وهؤلاء سيكونون المفتاح الوحيد للإستقرار والتنمية المستدامة، وبهم يمكن استعادة مكتسبات الانتقال المدني في التنمية الاقتصادية الشاملة والعدالة الاجتماعية، ومن خلالهم يمكن قطع الطريق أمام حملات الجييش والتحشيد والاستنفار العسكري لصالح التعبية التعليمية والاستثمار في التعليم وبناء جيل واعٍ قادر على المشاركة الفعالة في البناء، وإلا سيفرغ كل فريق من تكوين حكومته ليبدأ في تحشيد القوى المدنية والقطاعات الحية للاصطفاف في جانبه ودخول معسكراته التي ستكون إلزامية بموجب قانون كما كان الأمر في تسعينيات القرن الماضي.
خامسا: إن أي توجه آحادي أو تمزيقي للبلاد وتفريقي للقرار الوطني سيحول دون وضع أسس حقيقية متراضى ومتفق عليها حتى وسط قوى الكيان الجديد والسودان الوليد، وهو ما سيضع الجميع أمام تكرار أخطاء الحكومات المتعاقبة في عدم صياغة دستور دائم يحدد صلاحيات السلطات المختلفة ويضمن حقوق المواطنين، ومن المؤكد أن الأمر لن يقف عند هذا الحد بل سيلبي رغبة محيطنا الإقليمي الذي لا يرغب في انتشار الديمقراطية ونرى نموذجا إنفصاليا حال دون إجراء انتخابات حرة ونزيهة لانتخاب ممثلين للشعب في البرلمان والحكومة المحلية، وأسس لسلطة آحادية تتذيل قوائم الحريات وحقوق الإنسان، وأي محاولة لاستيلاد نظام جديد مكافي للنظام المتطرف في بورتسودان سيولد نظاما أكثر تطرفا يعذر مكافحة الإرهاب ويعجز عن حماية الأمن والاستقرار، ويهدم ما بقي من مؤسسات الدولة ويدمر القطاع الحكومي ويحول دون تطوير القطاع الخاص فيمنع خلق فرص عمل وتحفيز النمو الاقتصادي، وفي رأيي أن نظام وليد كهذا سيحول دون التعاون الإقليمي والدولي، ويقطع كل سبيل لبناء علاقات متوازنة ندية ومتكافئة مع الدول الأخرى، بل سيكون صاحب المصلحة وحده هو الداعم للقرار، وهذا سيكون على حساب موارد الشعب ورفاهه.
سادسا: كل من يريد أن يمضي نحو هذا الاتجاه الاستفزازي عليه أن يضع نصب عينيه أنه مهما تمزق السودان بحجة الاثنيات والقبليات والتمايز الاجتماعي والتمييز السياسي سيكون داخل الجسم المفتت، كيانات فسيفسائية مفتتة ومتحاربة، وستستحوذ نخبة متسلطة على كيان السودان المنقسم، لذلك على كل ذي لب إدراك أن التعدد العرقي والتنوع الثقافي يمثل تحديًا كبيرًا في تحقيق الوحدة الوطنية، وأن هذا التعدد لن يستطيع إنكاره أهل دولة النهر والبحر، ولا من انفصلوا في دولة جنوب السودان، ولا من ينتون إقامة دولة جديدة في الغرب، بل حتى الشرق بصورته الحالية منقسم اجتماعيا بصورة قد تكون إنفجارية، وتحفز كل ذلك الأزمات الاقتصادية التي تؤثر سلبًا على استقرار البلاد وتتسبب في تهريب ثرواته ونهب موارده، وسيكون هذا مدخلا خبيثا وسلسا للتدخلات الخارجية، فالجميع يعلم أن هناك قوى إقليمية ودولية تسعى للتأثير على الشأن السوداني، تأثيرا استنزافيا لموارده الطبيعية وكوادره البشرية وأرضه وتشريدا لشعبه، تتنافس تلك القوى بكل أدواتها اللا أخلاقية ومن يدفع ثمن هذه الجريرة مواطن يفترش الأرض ويلتحف السماء وامرأة ثكلى تبكي فقد ابنها وزوجها وأخيها وأبيها الذين قتلتهم أيادي الغدر أو تدابير القدر بالمرض والعوز أو الغبن، هذا إن لم يكن في جسدها كية من نيران الاعتداء والعنف الجنسي.
سابعا: من يظن واهما أن هناك من يستطيع أن يدعمه في مثل هذه القرارات من أي دولة أو كيان فلينظر إلى عجز النظامين الإيراني والروسي في ترسيخ دعام أمنية قوية للنظام السوري، وهذا تؤيده قرائن الأحوال في توسعة العجز الإقليمي والدولي في دعم أنظمة الأمر الواقع أو حكومات الطواريء، وأستطيع إيراد عدد من الأمثلة التي لا تخطئها العين، فالأمم المتحدة والتي تعتبر الأمم المتحدة أكبر منظمة دولية تعمل في مجال الإغاثة الإنسانية وبناء السلام، ورغم قوة روافدها ووكالاتها المتخصصة مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، وغيرها الكثير، عجزت عن الوصول إلى المتضررين من الحرب في السودان حتى في المناطق المستقرة نسبيا وعجزت، هيئات كاللجنة الدولية للصليب الأحمر أن قتوم بدورها في حماية وحماية ضحايا النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية، وتقديم المساعدات الإنسانية لهم، وغابت الأهلة الحمراء والصليب الأحمر عن سماء السودان، ولم نر شبكة عالمية من الجمعيات الوطنية التي تقدم المساعدات الإنسانية في حالات الطوارئ، وكذا الحال ينطبق على كثير من المنظمات غير الحكومية الدولية التي تعمل في مجال الإغاثة الإنسانية، مثل منظمة أطباء بلا حدود، ووكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية (USAID)، والمعونة البريطانية وغيرها.
ثامنا: لم تستطع جميع هذه المنظمات فور اندلاع الحرب الوصول إلى للموانيء والمطارات فرار خارج الحدود أو الوصول لملاذ آمن في بورتسودان، وتقاعست عن تقديم المساعدات الإنسانية كالغذاء والدواء والمأوى والرعاية الصحية، حتى بعد فتح المعابر، وبعضها استجاب لاستفزازات حكومة الأمر الواقع ورضي بالركون إلى قراراتها في تأخير الاجراءات الإدارية ومنح ومنع الفيزا وصولا للطرد، وإلى يومنا هذا تقف جميع هذه الكيانات الأممية والمنظمات الدولية ومن خلفها دولها عاجزين عن حماية المدنيين وضمان سلامتهم وتوفير الحماية لهم، ومن باب أولى سيتجلى عجزهم في فرض أي عملية أو بناء للسلام، لأن من واجباتهم تحقيق الاستقرار ومن ثم العمل على المصالحة الوطنية وإعادة بناء المجتمعات المتضررة، ودعم جهود الإغاثة وتنسيق الجهود وتقديم الدعم اللوجستي والمالي، وحماية الشعوب وسيادتها وصون قراراتها وكفالة سيادة القانون وحقوق الإنسان ورأينا كيف عجزت الأمم المتحدة طوال فترات الإنقلاب عن إدانته أو تسميته إنقلاب وفرض عقوبات على مرتكبيه وصمتت حتى اندلاع الحرب الإدارة الأمريكية عن تفعيل قانون حماية الانتقال الديمقراطي في السودان، إلى أن تفاجأ الجميع باندلاع الحرب في 2023م.
تاسعا: أي إنسان يظن أنه بإنشائه سلطة جديدة وكيان دولة دون وضع تلك الاعتبارات والعوامل التي ستعيق عمل مؤسساته غير الحرب التي ستستمر باستمرار حالة الانقسام الوجداني والتدابر الاجتماعي، لأن أي قوة في الدنيا ستقف عاجزة عن تجاوز طبيعة الأزمات في السودان والتي تختلف طبيعة الاستجابة لها ، والسودان تتناسل فيه الأزمة تلو الأزمة (نزاع مسلح، نزاعات قبلية، حروب على الموارد، كوارث طبيعية، وهو بلاد مترامية الأطراف يتعذر على أي قوة في الدنيا الوصول إلى المناطق المتضررة فيها طالما أن هناك أزمات ولنا في انقطاعنا إنسانا ووجدانا حتى بعد الثورة عن منطقة جبال النوبة التي ظلت فاقدة ليد السودان الأم وعطائها الجم، هذا عن حكومة فما بالك بالمنظمات الأممية والمحلية التي ستواجه صعوبات في الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب انعدام الأمن والتحديات اللوجستية، ولا يوجد شخص في هذا العالم مستعد لتمويل كيان أو دولة دون ضمان مصالحة، فما سيعطيه لعرابي التقسيم سيكون خصما على موارد البلاد وثرواتها، وهذا ينطبق تماما على تمويل أنشطة التأسيس للدولة وتمويل المنظمات العاملة في مجالات إنسانية.
عاشرا: العالم برمته لن يدعم توجها دكتاتوريا إلا بعض المشيخيات والإمارات والسلطنات والممالك والدول الدكتاتورية، وهذه جميعا ستتجه لدسترة أوضاعها السلطوية والملكية لتوسع دائر المشاركة السياسية استجابة لأهداف التنمية المستدامة التي تنتظم الأمم المتقدمة، بل حتى تلك الدول الديمقراطية الراسخة ككوريا الجنوبية حينما أراد رئيسها تسور السياج الديمقراطية ألجمه حزبه قبل المعارضة وقوض البرلمان قراره القاضي بتفعيل الأحكام العرفية (أحكام الطواريء)، وفي ذات الأسبوع اتجهت قوى اليمين واليسار في فرنسا للتحالف وقطع الطريق أمام الرئيس لئلا يستخدم الفصل السادس عشر من الدستور الفرنسي، وإجراء تدابير معينه (عرفية) بالتشاور مع رئيس الوزراء وهو ما عجل بموقف قوي سحب الثقة عن الحكومة الفرنسية، وقاد للحديث عن استنطاق المجلس الدستوري واستشارته في تحجيم مثل هذه الخطوات الآحادية التي غالبا ما يمارسها سلطويون متسلطون، وهو ما يقودني إلى أننا لسنا بحاجة إلى شرعية أمر واقع حربا أو سلما بل نحن في أمس الحوجة لشرعية توافقية تنطلق من أسس الشرعية الشعبية المستمدة من الثورة السودانية، وأي ذهاب لتوجه مماثل لتوجه البرهان سيكون عبارة عن سلطة طواريء غير مدسترة، ستستمر كاستمرار الدبيبة والمشري وخليفة حفتر في ليبيا أو تكرار تجربة جنوب السودان (سلفا/رياك)، وحينها سنكون موعودون بحروب بينية في تلك المناطق مغذاة من الخارج في كل الجزر المعزولة، لأن امتدادات النظام المباد متشعبة في كل التكوين الجيوسياسي السوداني، ونرى تغلغله في الكيانات الاجتماعية التي هرعت لدعم الحرب والتكسب منها، أو الشخصيات الانتهازية التي تسلقت مؤسسات الدولة ومالأت أحد الفريقين.
أخيرا: ما أطرحه هنا الخروج من حالة الالتباس الماثلة، وعدم الركون للاستفزازات التي تمارسها توجهات الإنفصاليين وأوهام الأيدلوجيين، وغبائن الأخطاء والفظائع والجرائم، والمضي بمسؤولية نحو مساومة تاريخية تحفظ وحدة البلاد وسلامة أراضيه وتصون سادته وتتخلص من نوازع الارتهان للخارج العربي أو الغربي أو الشرقي، وتنهي النزاع الحالي كما انتهت النزاعات في كل العالم بتصورات ككوديسا جنوب أفريقيا وحقيقة ومصالحة رواندا وسلام كوديفوار، يحقق الجميع فيه إنهاء وصاية السلاح والأيدولوجيا وتحجيم نفوذ سلطة التمكين وسلطات العسكر، تتحدث تلك الرؤية عن عدالة انتاقالية وعدالة إجرائية تمهد الطريق للمحاكمات العادلة مثلما فعل تحالف (لا) في شيلي ضد دستور الديكتاتور أوغستو بينوشيه بعد انقلاب عام 1973م، والسبيل الأوحد لذلك هو تماسك المؤسسات المدنية ولن تستطيع أي قوة في الأرض فعل أي شيء، وإلا فالجميع سيمضي في الاستفزاز وانعدام الإرادة ويضل في طريق عدم الواقعية السياسية، مع يقيني التام أن هذا الحل ليس هو الحل المثالي، وإنما هو حل يمكن أن يوصلنا للحل السياسي الشامل تدرجا، والذي يخاطب هواجس السودانيين في حقن الدماء وتحقيق الأمن والاستقرار، ويلبي أشواق الضحايا في الانتصاف العادل، ويجبر ضرر المتظررين، ويعيد شتات اللاجئين والنازحين، ويكفل مطلوبات التحول الديمقراطي في السودان ساسيا واقتصاديا ونظام حكم راشد يتخلص من المركزية القابضة لفدرالية تؤمن مشاركة جميع أبناء وبنات السودان.
ختاما: حتى تحقق ذلك علينا جميعا أن ندافع وندفع نحو وحدة السودان، لأن يكون السودان للسودانيين، وأن نتحمل مسؤولياتنا ولا نتنصل عنها بالهروب إلى الحلول السهلة، وهو نصحي لكل جنرال عسكري أو زعيم كيان سياسي أو ديني أو قبلي فالقائد لا يُستفز ولا يُستثار، وتقع على كاهل كل سوداني داخل وخارج البلاد، التصدي لخطابات الكراهية، والكتابات والمسودات منزوعة الروح، والمشاركة الفعالة تأثيرا لا تأثرا في قرار الحرب والسلم، فالسودان للجميع وليس لحزب أو كيان أو جهة، والوعي بهذه المعاني سيحبط كل محاولات المزيق والتفريق والتقسيم التي تنشط بها أيادي عابثة خارجية وداخلية، وأدعو الله أن يحسن خلاص بلادنا من كل شر ويحميها من كل ضر وأرجو مرددا: (رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ) (سورة الأنبياء الآية 112)، صدق الله العظيم.