الأربعاء، 23 أبريل 2025

العدالة للمعاشيين( 4)

`العدالة للمعاشيين (4)`
في حضرة العدم… حين يصبح الحق رفاهية

https://x.com/orwaalsadig/status/1914970194495107428?t=WT9_T6nftcecasnIxOCK5A&s=19



● ما الذي يعنيه أن تكون معاشيًا في السودان اليوم؟ يعني أن تُنزَع من الحاضر، وتُركَن في زاوية النسيان، كأنك ماضٍ بلا ذِكرى، كأنك فائض بشر لا تستحق سوى العيش على فتات الوعود، أن تكون معاشيًا هنا هو أن تدخل في موسم انتظار أبدي، بلا تقويم، بلا أفق، بلا دولة تسمعك أو حتى تتذكر أنك كنت فيها شيئًا يُذكر. ومن يدعون تمثيل حقك مرفهون في العواصم وأنت تقتات الحصرم.

- الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن صاروا غرباء في وطنهم، لا يجدون وطناً في الدولة، ولا دولة في الوطن، والذين كان يفترض أن يكونوا في آخر أعمارهم أكثر طمأنينةً واستقرارًا، صاروا يتوسلون جرعة دواء، وكسرة خبز، وكرسيًا في مركز علاج لا يطلب "كرت تأمين فعّال".

- الحرب كشفت كل شيء، خلعت ورقة التوت عن كل مؤسسات الدولة، الصندوق القومي للمعاشات بدا كجثة بلا روح، مؤسسة بلا ذاكرة، تُدار كما تُدار أكشاك المصلحة، بلا رؤية، بلا عدالة، بلا حرص حتى على التمثيل الصوري للمنطق.
صار يُدار بمنطق السوق السوداء: من له واسطة يقبض، ومن لا، فعليه بالصبر والدعاء.

- معاشيات ومعاشيون قضوا عقودًا بين المكاتب والمشافي والمدارس والمصانع، يقال لهم اليوم: عليكم الحضور لبورتسودان لإثبات حقكم وتكلفة الوصول إليها تساوي معاش نصف عام أو يزيد، وكأننا نعيش في بلد لم تنهشه الحرب، وكأن التنقل بين الولايات متاح، وكأن جيب المسن يحتمل تكلفة تذكرة، أو أن عظامه تحتمل سفرًا وسؤالًا وتذللًا لا يليق إلا بالذلّ.

- هذا ليس خطأ إداريًا، بل سلوكٌ ممنهج، عقيدة حكم كاملة اسمها: "عقيدة الإهمال" وسماها الاستاذ الهادي وطني "اللكز بعصا الحوجة"، وهي شكل جديد من أشكال العنف السياسي، أن تُنهك المواطن إلى أن يُسقط حقه بيده، أن يُرهق المسن إلى أن يُسلم للعجز، أن يُعامَل الموظف الذي تقاعد كأنه متسول يطلب إحسانًا، لا كشريك في بناء الدولة.

- بل، الأسوأ من ذلك، أن الدولة بدأت تعتبر الصندوق "ذراعًا استثمارية" لها، لا أمانة لأصحاب الحقوق، تُسخّره للإنفاق كما تشاء، وتدير موارده كما لو كانت ملكًا خالصًا لها، تصرف منه دون مشاورة، وتحجز منه دون تبرير، وتزرع فيه من تشاء من فلول الأنظمة المنهارة، ليعيدوا هندسة النهب القديم بأسلوب جديد، لذلك تجد سدنة النظام السابق يحاولون إسكات كل صوت يعلو ليكشف سوء تدبيرهم، لأن تركة المعاشيين ينبغي أن تكون لهم وحدهم لا شريك لهم.

- من ذا الذي أعاد تلك الوجوه إلى إدارة الصندوق؟ من سمح برجوع عناصر النظام المباد تحت غطاء لجان جديدة بأسماء براقة؟ كيف يكون إصلاحًا أن نعيد السارق لحراسة الخزنة؟ وهم ذاتهم الذين عطلوا المشاريع الكبرى وضيعوا حقوق العاملين فبها.

- لا أحد يجرؤ على الإجابة، لأن لا أحد يملك الشجاعة ليعترف أننا نعيش دولة بلا ذاكرة، بلا عدالة، بلا شرف في إدارة شؤون الأمانة.

- ونحن لا نطلب معجزة، ببساطة نطلب أن يعود الحق لأهله، وأن تُعاد كتابة العلاقة بين المعاشي والدولة، لا كعلاقة إحسان، بل كعلاقة وفاء لسنوات العطاء، نريد قانونًا لا يُكافئ الولاء السياسي، بل يُكرم المسيرة المهنية، نريد صندوقًا يُدار بمنطق الشفافية، لا بمنطق الغنيمة، نريد حماية لأموال الأجيال القادمة من الفوضى.

- نريد أن نقول: إن الحق لا يموت، وإن الذي يظن أن معاشيًا ضعيفًا بلا صوت هو فريسة سهلة، سيكتشف لاحقًا أن الكلمة قد تهدم عروشًا، وأن العدالة، حين تتأخر، تعود أكثر غضبًا، وأكثر رسوخًا.

- في المقال القادم، سنكتب عن المحكمة الكبرى للتاريخ، كيف سيُسأل كل من صمت، أو سكت، أو شارك، أو برر، أو وقّع على قرارٍ جفف دم العجائز، وأسكت أطفالهم، وساهم في بناء دولة لا تُطعم من يُطعمها.


● همسة ثانية للمعاشيين: يقول السيد المسيح بثمارها تعرفونها.. وكتابتنا هذه ليست لسبب إلا لأني أعلم أن أثرها كأثر طنين البعوض في رأس النمرود.
يتبع...

العدالة للمعاشيين( 3)

`‏العدالة للمعاشيين (3)`

صندوق بلا روح، دولة بلا عهد، وحقوق تتبخر في دخان البنادق

https://x.com/orwaalsadig/status/1914772414321582215?t=atse2tQxWSHQhnJoHy7yUA&s=19

ما الذي يحدث حين تتحول الدولة إلى فكرة بعيدة، والصندوق إلى حجرٍ أجوف، والمعاش إلى وثيقة مؤجلة بلا وعد ولا زمن؟ ما الذي يتبقى حين يُسحب العمر على مهلٍ من بين أضلع من خدموا البلاد، ثم يُطوَى في صمت؟

إننا نعيش في زمن التبخير المنظم للحقوق، لا تُسرق الحقوق دفعة واحدة، بل تتبخر كما يتبخر الماء من وعاء مهترئ، قطرة فقطرة، حتى إذا التفتَ المظلوم حوله لم يجد غير الهواء، والخذلان.

المعاش لم يعد راتبًا مؤجلًا، بل أصبح قيدًا مفتوحًا على الانتظار، وفكرة غائمة يلوكها المسؤولون في الاجتماعات ثم يغادرون ليتقاسموا ما تبقى من الصندوق، صندوقٌ يُدار كأنه ملكية خاصة، لا رقيب عليه، ولا ميزانية منشورة، ولا مراجع يتجرأ على النبش في دفاتره، بينما آلاف الأرواح تتحلل أمام بوابات الدواء، وعتبات المخابز، وداخل صالات التأمين الصحي حيث يُعطى المعاشي رقمه ثم يُطلب منه أن يموت بصبر.

من منح الدولة حق مصادرة الأمل؟ من سمح لهذا النظام ـ الذي لا يشبه الشعب ـ أن يُدخل أيديَه في جيب الرجل العجوز، والمرأة الكادحة، ثم يبتسم وهو يقول: "نحن نُدير الأزمة"؟

إنهم لا يُديرون أزمة، بل يُديرون محرقة ناعمة.

كيف يمكننا أن نفسر استخدام موارد صندوق المعاشات في تمويل الحرب؟ أليست هذه جريمة أخلاقية وقانونية؟ هل كتب الله على هذه الشريحة أن تموّل الرصاص الذي لا يصيب العدو، بل يقتل أبنائهم في معسكرات الوطن؟ هل كُتب عليهم أن يعادوا أنفسهم في مشهد سريالي، حيث تُسرق أموالهم وتُحمل على ظهور دبابات لا تعود؟

ثم يعود أولئك الذين أفسدوا النظام قبل الثورة، يتسللون من خلال لجان التسيير، ومن خلال تعيينات بلا قانون، ليمسكوا مرة أخرى بخيوط اللعبة، ذات الأسماء، ذات الوجوه، ذات الأجندة، لا شيء تغير سوى طريقة التبرير: مرة باسم الحرب، ومرة باسم إعادة الهيكلة، ومرة ثالثة باسم "المصلحة العامة".

لكن ما من مصلحة تُبنى على سحق من لا يملكون أن يصرخوا.

نحن أمام لحظة وطنية فاصلة، إما أن نعيد تعريف مفهوم الدولة الاجتماعية، أو نستسلم لتحول السودان إلى دولة جرداء من الرحمة، ومن العدالة، ومن القيمة. إن الصمت عن ما يجري للمعاشيين هو صمت عن جوهر الفكرة التي بُنيت عليها الدولة: أن تُكافئ من يخدمها، لا أن تُفرغه من كرامته.

ليس المطلوب الآن إصلاحاً شكلياً، بل تفكيكاً جذرياً لمنظومة التحقير، ومنظومة التوظيف السياسي للصندوق، ومنظومة الغموض التي تحجب الحقيقة عن الملايين.

يجب أن تكون كل موارد الصندوق علنية، منشورة، محمية.

يجب أن تُنشأ هيئة رقابة شعبية من المعاشيين أنفسهم.

يجب أن يُفصل الصندوق بالكامل عن الدولة السياسية، وأن يتحول إلى مؤسسة ذات قانون سيادي.

يجب أن يُعاد هيكل الأجور والمعاشات وفق معيار الكرامة لا الكفاف، ومعيار العدالة لا المزاج.

يجب أن تُحمى أموال الأجيال القادمة من أيدي العسكر، والساسة، والمغامرين.

نحن لا نكتب مقالة، بل نرسم خريطة نجاة، لأن الذين يموتون الآن في الظلال، سيكونون نحن غدًا، حين لا يتبقى شيء، لا مال، ولا وعد، ولا صندوق، بل فقط ورقة صفراء تقول: "كان لك معاش".

وهذا ما لن نسمح له بالحدوث.

● همسة للمعاشيين: لا تنظروا للاسم فهو زائل وانظروا للرسم فهو باقِ!..
يتبع...

العدالة للمعاشيين( 2)

`العدالة للمعاشيين (2)`
اقتصاد العظام، وسياسة الطمس البطيء

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

https://x.com/orwaalsadig/status/1914613524975812632?s=19




ما عاد في الأمر سؤال، بل صار يقينًا جافًا كالصحراء، إنهم لا يريدون لهؤلاء أن يعيشوا، لا موتٌ يُنهي آلامهم، ولا حياةٌ تُبرر هذا الذلّ، إنها سياسة الطمس البطيء، حيث لا يُغتال الإنسان برصاصة، بل يُفرّغ من الداخل، قطعة قطعة، حتى يُصبح ظلًا باهتًا لحياة كان يستحقها.

المعاشيون ليسوا قضية مالية، بل قضية إنسان، قضية ذاكرة وطن. اقتصاد العظام هو المصطلح الوحيد القادر على توصيف ما يجري: أن يتحول ما تبقى من كرامة المتقاعدين إلى وسيلة لتدوير العجز، أن تُضرب استثماراتهم باسم المجهود الحربي، أن تُدار صناديقهم كغنائم لعودة الطفيليين من بوابة الحرب، أن يُحرموا من حقهم تحت بند التقشف، بينما تُصرف المليارات لحرب لا تنتهي.

من الذي منح الدولة حق التصرف في أموال المعاشيين دون مساءلة؟ من سمح بتحويل عائدات صناديق التأمين والضمان إلى "رأسمال تعبوي" يُستخدم لتمويل آلة الخراب؟ كيف يُستباح مال خاص، ساهم فيه العامل بإبرة وقلم وجرعة صبر، ويُعاد تدويره في مصانع الفقر القسري؟

الذين خرجوا للمعاش في 2022، و2023، و2024، و2025… لم يتسلموا شيئًا، لا مستحقات، لا فروقات، لا حتى وعود تُقنعهم بالبقاء أحياء. يقال لهم: عليكم الذهاب إلى بورتسودان، كأنهم ينتمون إلى وطن آخر، كأن الخرطوم، والجزيرة، ودارفور، لم تكن يومًا ساحات خدمتهم وتضحياتهم. وكأن التنقل في بلدٍ مقسوم بالحرب أمرٌ يسير، كأن المرض لا ينهش أجسادهم، ولا الفقر يُحاصرهم.

هذه ليست إدارة دولة، هذه هندسة للخراب، وسيناريو مكتمل لإعادة إنتاج الظلم باسم "اللجان" و"التوصيات"، بينما الحقيقة الوحيدة هي أن دولة ما بعد الحرب تحاول أن تبني نفسها على رماد المُستحقين.

في عمق المأساة، لا أحد يتحدث عن جوهر المعاش، عن أنه ليس إحسانًا من الدولة، بل حقٌ مؤجل، وأجرٌ قانوني، واستثمارٌ تعاقدي. تُعامل المعاشات كما تُعامل فائض الطحين، يُوزع أو يُمنع حسب المزاج السياسي، لا وفق التزامات واضحة.

وما يحدث اليوم هو أخطر من ذلك، هناك محاولة إعادة التمكين الناعم عبر الصندوق، وعودة رموز النظام البائد، لا كمستشارين، بل كصنّاع قرار يتحكمون في مصير الملايين، تحت راية الكفاءة الزائفة، وهم ذاتهم من عبثوا بالموارد سابقًا، ومن باعوا أصول الصندوق، ومن جعلوا "العجز" شماعة لسرقة المعاشي باسم القانون.

المنظومة بأكملها تحتاج إلى هدم مفاهيمي قبل إعادة البناء، فالمعاشي لا يجب أن يكون مرهونًا بلجنة أو توقيع وزير، بل يجب أن تكون هناك آلية تلقائية للحقوق، لا تتأثر بالتقلبات السياسية أو الحرب، آلية مستقلة، ذات سلطة، محمية بالدستور، لا تُدار من المالية، ولا من الرعاية، بل من أهل المصلحة أنفسهم، بتمثيل مباشر، وبشفافية تُنشر شهريًا، وبقانون لا يُعدل إلا باستفتاء أصحاب الحق.

يجب أن يُمنع استخدام استثمارات الصندوق في أي تمويل عسكري أو أمني أو سياسي. ويجب أن تُفعل المحاسبة العكسية، أي أن يُحاسب كل مسؤول صرف من أموال المعاشيين دون إذنهم، كما يُحاسب من ينهب من الخزينة العامة.

يجب أن يُسقط الوصي الكاذب، ذلك الذي يتحدث باسم "الحفاظ على الموارد" وهو ذاته من سرقها، يجب أن نعيد تعريف العلاقة بين المواطن ودولته: ليس تابعًا، بل شريكًا، ليس عالة، بل أساس.

في المقال المقبل، سنكتب عن الاستراتيجية البديلة، لا للفراغ، بل لمنظومة معاشات سودانية حديثة، محمية، عادلة، قائمة على العدالة الاجتماعية لا على التسول الإداري، مؤسسة لا تزول بزوال الحكومات.

لأننا نكتب باسم كل من قالوا "قضيتنا لله"، نكتب لنقول: قضيتكم لنا، ولن تضيع.

يتبع…

العدالة للمعاشيين (1)

`العدالة للمعاشيين (1)`
حين يُنتزع العمر، وتُسرق نهاية الطريق

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

https://x.com/orwaalsadig/status/1914283155835494451?t=BGrIpf7sNWm7GQ0SsqwT5g&s=19


لا يُولد الإنسان ليحيا من أجل الصمت، ولا يشتغل في خدمة البلاد لأربعة عقود ليُكافأ بالتجاهل، وليُكفن في وجع الانتظار، هذا الذي يُدعى المعاش، لم يعد معاشًا، بل مقصلةٌ مؤجلة، واليد التي تكدست عليها تراب السنين والكدح والعرق، باتت تُصافح الخواء، وتنتظر بصبر القبور لا باب الرواتب.

نحن هنا لا نكتب كلامًا طيبًا، بل نقرع أجراسًا عاتية، نكتب لأن هناك شريحة بأكملها تموت وهي واقفة، شريحة أحنت ظهورها في خدمة البلاد، ثم سُحبت تحتها الأرض ببطء، من معاشيي 2021 إلى 2025، لا يعرفون حتى الآن ما إذا كانوا أحياءً في دفاتر الدولة أم أمواتًا بلا رقم، بلا استحقاق، بلا صوت، وهم ما عادوا يطرقون أبواب المسؤولين، بل طرقوا أبواب السماء.

الحرب ليست سببًا في كل شيء، الحرب عذرٌ مُعلب، أما الجريمة فهي التواطؤ، التباطؤ، النسيان، التلاعب بحقوق الناس باسم اللجان، باسم القرارات، باسم "جاري التنفيذ"، بينما الجوع لا ينتظر، والدواء لا يُؤجل، والكفاف لا يعرف الوعود.

نحن أمام فصولٍ مؤلمة من عبث الدولة بأكثر الفئات هشاشة، هل تصدق أن معاشيي 2022 و2023 و2024 بل و2025 لم يتسلموا مستحقاتهم بعد؟ هل تعلم أن من نزلوا على المعاش لم تُدفع لهم تعويضاتهم ولا فروقاتهم؟ وهل تعلم أن بعضهم يُطلب منهم أن يسافر إلى بورتسودان لمجرد أن "يقابل إدارة الصندوق"، بينما هو يعيش في حرب، أو في قرية لا تصلها المواصلات، أو يعاني المرض الذي لا يرحم؟

لماذا تُعامل هذه الفئة كأنها خارج الحسابات؟ لماذا تُهمش وكأنها ليست امتدادًا للدولة بل عبئًا عليها؟
أين وزارة المالية؟ أين وزارة الرعاية الاجتماعية؟ أين الصندوق القومي للمعاشات؟ أين الذين يُقسمون ليل نهار أنهم يحكمون باسم الشعب؟

بل أين الشعب؟

ثم تأتي الطامة: يتم استخدام أموال الصندوق التي هي أموالهم –نعم أموالهم– لتمويل أنشطة الحرب، يتم سحب عائدات الاستثمارات لتُدار بها معارك لا شأن لهم بها، بينما المعاشي يُحرم من علاجه، من دوائه، من لقمة عيشه، من كرامته.

يُعاد تشكيل الصندوق القومي ليُعاد تسليمه لمنسوبي النظام البائد، ممن نهبوا هذه الأموال من قبل، يعودون من النوافذ بعد أن طُردوا من الأبواب، ولا يزال المعاشي ينتظر في الطابور، لا ليتسلم معاشه، بل ليموت واقفًا كالشجر الذي لا يعرف الظل.

العدالة للمعاشيين ليست ترفًا، هي مسألة أخلاق، مسألة بقاء دولة، لأن الدولة التي لا تفي بالعقود المؤجلة، لا تستحق الولاء، ولا البقاء، ولا الاحترام، هذه مأساة لا يجب أن تمر بعبارة "نحن نتابع"، أو "تمت التوصية"، أو "جاري الحصر"، بل يجب أن تُواجه بقانون، وأن تُعاد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة: هل هي علاقة نهب أم علاقة نفع متبادل؟

إننا هنا نعلن أن هذه السلسلة لن تصمت، وسنتابع ملف المعاشيين بندًا بندًا، ووثيقةً بوثيقة، وسنكتب من قلب المعاناة، وسنفضح، ونسمي الأسماء، ونكشف الصفقات، ونطالب بالقانون، وسنقترح الحلول، فهذه ليست شريحة عابرة، هؤلاء هم الجيل الذي بُني عليه هذا السودان، وحين يسقط الجيل المؤسس، يسقط معه المعنى.

إلى من ظلموهم، إلى من سرقوا حقوقهم، إلى من يتجاهلون أنات المرضى والأرامل واليتامى، نقول:
العدالة قادمة، والكلمة نار، ولن نصمت بعد الآن.

يتبع…