في حضرة العدم… حين يصبح الحق رفاهية
https://x.com/orwaalsadig/status/1914970194495107428?t=WT9_T6nftcecasnIxOCK5A&s=19
● ما الذي يعنيه أن تكون معاشيًا في السودان اليوم؟ يعني أن تُنزَع من الحاضر، وتُركَن في زاوية النسيان، كأنك ماضٍ بلا ذِكرى، كأنك فائض بشر لا تستحق سوى العيش على فتات الوعود، أن تكون معاشيًا هنا هو أن تدخل في موسم انتظار أبدي، بلا تقويم، بلا أفق، بلا دولة تسمعك أو حتى تتذكر أنك كنت فيها شيئًا يُذكر. ومن يدعون تمثيل حقك مرفهون في العواصم وأنت تقتات الحصرم.
- الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن صاروا غرباء في وطنهم، لا يجدون وطناً في الدولة، ولا دولة في الوطن، والذين كان يفترض أن يكونوا في آخر أعمارهم أكثر طمأنينةً واستقرارًا، صاروا يتوسلون جرعة دواء، وكسرة خبز، وكرسيًا في مركز علاج لا يطلب "كرت تأمين فعّال".
- الحرب كشفت كل شيء، خلعت ورقة التوت عن كل مؤسسات الدولة، الصندوق القومي للمعاشات بدا كجثة بلا روح، مؤسسة بلا ذاكرة، تُدار كما تُدار أكشاك المصلحة، بلا رؤية، بلا عدالة، بلا حرص حتى على التمثيل الصوري للمنطق.
صار يُدار بمنطق السوق السوداء: من له واسطة يقبض، ومن لا، فعليه بالصبر والدعاء.
- معاشيات ومعاشيون قضوا عقودًا بين المكاتب والمشافي والمدارس والمصانع، يقال لهم اليوم: عليكم الحضور لبورتسودان لإثبات حقكم وتكلفة الوصول إليها تساوي معاش نصف عام أو يزيد، وكأننا نعيش في بلد لم تنهشه الحرب، وكأن التنقل بين الولايات متاح، وكأن جيب المسن يحتمل تكلفة تذكرة، أو أن عظامه تحتمل سفرًا وسؤالًا وتذللًا لا يليق إلا بالذلّ.
- هذا ليس خطأ إداريًا، بل سلوكٌ ممنهج، عقيدة حكم كاملة اسمها: "عقيدة الإهمال" وسماها الاستاذ الهادي وطني "اللكز بعصا الحوجة"، وهي شكل جديد من أشكال العنف السياسي، أن تُنهك المواطن إلى أن يُسقط حقه بيده، أن يُرهق المسن إلى أن يُسلم للعجز، أن يُعامَل الموظف الذي تقاعد كأنه متسول يطلب إحسانًا، لا كشريك في بناء الدولة.
- بل، الأسوأ من ذلك، أن الدولة بدأت تعتبر الصندوق "ذراعًا استثمارية" لها، لا أمانة لأصحاب الحقوق، تُسخّره للإنفاق كما تشاء، وتدير موارده كما لو كانت ملكًا خالصًا لها، تصرف منه دون مشاورة، وتحجز منه دون تبرير، وتزرع فيه من تشاء من فلول الأنظمة المنهارة، ليعيدوا هندسة النهب القديم بأسلوب جديد، لذلك تجد سدنة النظام السابق يحاولون إسكات كل صوت يعلو ليكشف سوء تدبيرهم، لأن تركة المعاشيين ينبغي أن تكون لهم وحدهم لا شريك لهم.
- من ذا الذي أعاد تلك الوجوه إلى إدارة الصندوق؟ من سمح برجوع عناصر النظام المباد تحت غطاء لجان جديدة بأسماء براقة؟ كيف يكون إصلاحًا أن نعيد السارق لحراسة الخزنة؟ وهم ذاتهم الذين عطلوا المشاريع الكبرى وضيعوا حقوق العاملين فبها.
- لا أحد يجرؤ على الإجابة، لأن لا أحد يملك الشجاعة ليعترف أننا نعيش دولة بلا ذاكرة، بلا عدالة، بلا شرف في إدارة شؤون الأمانة.
- ونحن لا نطلب معجزة، ببساطة نطلب أن يعود الحق لأهله، وأن تُعاد كتابة العلاقة بين المعاشي والدولة، لا كعلاقة إحسان، بل كعلاقة وفاء لسنوات العطاء، نريد قانونًا لا يُكافئ الولاء السياسي، بل يُكرم المسيرة المهنية، نريد صندوقًا يُدار بمنطق الشفافية، لا بمنطق الغنيمة، نريد حماية لأموال الأجيال القادمة من الفوضى.
- نريد أن نقول: إن الحق لا يموت، وإن الذي يظن أن معاشيًا ضعيفًا بلا صوت هو فريسة سهلة، سيكتشف لاحقًا أن الكلمة قد تهدم عروشًا، وأن العدالة، حين تتأخر، تعود أكثر غضبًا، وأكثر رسوخًا.
- في المقال القادم، سنكتب عن المحكمة الكبرى للتاريخ، كيف سيُسأل كل من صمت، أو سكت، أو شارك، أو برر، أو وقّع على قرارٍ جفف دم العجائز، وأسكت أطفالهم، وساهم في بناء دولة لا تُطعم من يُطعمها.
● همسة ثانية للمعاشيين: يقول السيد المسيح بثمارها تعرفونها.. وكتابتنا هذه ليست لسبب إلا لأني أعلم أن أثرها كأثر طنين البعوض في رأس النمرود.
يتبع...