صندوق بلا روح، دولة بلا عهد، وحقوق تتبخر في دخان البنادق
https://x.com/orwaalsadig/status/1914772414321582215?t=atse2tQxWSHQhnJoHy7yUA&s=19
ما الذي يحدث حين تتحول الدولة إلى فكرة بعيدة، والصندوق إلى حجرٍ أجوف، والمعاش إلى وثيقة مؤجلة بلا وعد ولا زمن؟ ما الذي يتبقى حين يُسحب العمر على مهلٍ من بين أضلع من خدموا البلاد، ثم يُطوَى في صمت؟
إننا نعيش في زمن التبخير المنظم للحقوق، لا تُسرق الحقوق دفعة واحدة، بل تتبخر كما يتبخر الماء من وعاء مهترئ، قطرة فقطرة، حتى إذا التفتَ المظلوم حوله لم يجد غير الهواء، والخذلان.
المعاش لم يعد راتبًا مؤجلًا، بل أصبح قيدًا مفتوحًا على الانتظار، وفكرة غائمة يلوكها المسؤولون في الاجتماعات ثم يغادرون ليتقاسموا ما تبقى من الصندوق، صندوقٌ يُدار كأنه ملكية خاصة، لا رقيب عليه، ولا ميزانية منشورة، ولا مراجع يتجرأ على النبش في دفاتره، بينما آلاف الأرواح تتحلل أمام بوابات الدواء، وعتبات المخابز، وداخل صالات التأمين الصحي حيث يُعطى المعاشي رقمه ثم يُطلب منه أن يموت بصبر.
من منح الدولة حق مصادرة الأمل؟ من سمح لهذا النظام ـ الذي لا يشبه الشعب ـ أن يُدخل أيديَه في جيب الرجل العجوز، والمرأة الكادحة، ثم يبتسم وهو يقول: "نحن نُدير الأزمة"؟
إنهم لا يُديرون أزمة، بل يُديرون محرقة ناعمة.
كيف يمكننا أن نفسر استخدام موارد صندوق المعاشات في تمويل الحرب؟ أليست هذه جريمة أخلاقية وقانونية؟ هل كتب الله على هذه الشريحة أن تموّل الرصاص الذي لا يصيب العدو، بل يقتل أبنائهم في معسكرات الوطن؟ هل كُتب عليهم أن يعادوا أنفسهم في مشهد سريالي، حيث تُسرق أموالهم وتُحمل على ظهور دبابات لا تعود؟
ثم يعود أولئك الذين أفسدوا النظام قبل الثورة، يتسللون من خلال لجان التسيير، ومن خلال تعيينات بلا قانون، ليمسكوا مرة أخرى بخيوط اللعبة، ذات الأسماء، ذات الوجوه، ذات الأجندة، لا شيء تغير سوى طريقة التبرير: مرة باسم الحرب، ومرة باسم إعادة الهيكلة، ومرة ثالثة باسم "المصلحة العامة".
لكن ما من مصلحة تُبنى على سحق من لا يملكون أن يصرخوا.
نحن أمام لحظة وطنية فاصلة، إما أن نعيد تعريف مفهوم الدولة الاجتماعية، أو نستسلم لتحول السودان إلى دولة جرداء من الرحمة، ومن العدالة، ومن القيمة. إن الصمت عن ما يجري للمعاشيين هو صمت عن جوهر الفكرة التي بُنيت عليها الدولة: أن تُكافئ من يخدمها، لا أن تُفرغه من كرامته.
ليس المطلوب الآن إصلاحاً شكلياً، بل تفكيكاً جذرياً لمنظومة التحقير، ومنظومة التوظيف السياسي للصندوق، ومنظومة الغموض التي تحجب الحقيقة عن الملايين.
يجب أن تكون كل موارد الصندوق علنية، منشورة، محمية.
يجب أن تُنشأ هيئة رقابة شعبية من المعاشيين أنفسهم.
يجب أن يُفصل الصندوق بالكامل عن الدولة السياسية، وأن يتحول إلى مؤسسة ذات قانون سيادي.
يجب أن يُعاد هيكل الأجور والمعاشات وفق معيار الكرامة لا الكفاف، ومعيار العدالة لا المزاج.
يجب أن تُحمى أموال الأجيال القادمة من أيدي العسكر، والساسة، والمغامرين.
نحن لا نكتب مقالة، بل نرسم خريطة نجاة، لأن الذين يموتون الآن في الظلال، سيكونون نحن غدًا، حين لا يتبقى شيء، لا مال، ولا وعد، ولا صندوق، بل فقط ورقة صفراء تقول: "كان لك معاش".
وهذا ما لن نسمح له بالحدوث.
● همسة للمعاشيين: لا تنظروا للاسم فهو زائل وانظروا للرسم فهو باقِ!..
يتبع...