● مقدمة:
إن الإلقاء بالبرهان في سلة القمامة سيكون أولى خطوات بنيامين نتنياهو والاستعاضة عنه بجنرال آخر، لأن الأخير قد بدأ حملة الكشف عن فضيحة لقائه مع قائد انقلاب السودان الجنرال البرهان في أوغندا بدايات العام 2020م، للتطبيع بين الخرطوم وتل أبيب فقد ذكر نتنياهو في مذكراته: «في 3 فبراير 2020م كنت قد زرت أوغندا للقاء قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، أحد القادة السودانيين الذين قادوا الحركة للإطاحة بالديكتاتور عمر البشير. تم ترتيب هذا الاجتماع بتكتم من قبل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني ». وأضاف: «خلال الغداء مع البرهان ناقشت المزايا التي يمكن أن تعود على السودان من إقامة علاقات مع إسرائيل بما في ذلك شطبها من القائمة الأمريكية للدول الداعمة للإرهاب. بطبيعة الحال، لم استرجع قراري بقصف مطار الخرطوم قبل سنوات قليلة. كان البرهان مهتماً بشكل واضح. ولكن مع تقدم الغداء رأيت أنه كان يواجه مشكلة في إصدار حتى البيان الموجز حول اجتماعاتنا التي تم الاتفاق عليها مسبقاً». وتابع: «”ما هي المشكلة؟” سألت الدبلوماسية الأوغندية القديرة نجوى قدح الدم التي فعلت الكثير لترتيب الاجتماع. قالت: “لديه معارضة محلية”. الشريك الآخر في ائتلافه خائف أن التطبيع مع إسرائيل سيثير احتجاج المسلمين”».
● كل هذا الأحاديث السرية نشرها بنيامين نتنياهو بعد يئس من عودته لرئاسة الوزراء، فجعل منها كرت أخير هي وعدد من الصلات الدبلوماسية والأمنية مع دول أخرى وأجهزة مخابرات في المنطقة، ليتخذ منها رافعا إنتاخبيا يحفز الداخل الإسرائيلي للتصويت له في الانتخابات العامة.
● إلا أن نتنياهو نفسه يدرك أن الممانعة الداخلية لما أسماء عملية السلام مع تل أبيب كبيرة جدا وتمثل عقبة كؤود أمام التطبيع، على عكس ما صوره له الجنرال البرهان، الأمر الذي أعاقه البرهان بنفسه بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، والذي لم يستطع تكوين حكومته التنفيذية لتكمل عملية الاتفاقية الإبراهيمية.
● بعد انقلاب 25 أكتوبر انكشف الغطاء الأوغندي عن الجنرال البرهان وتحركاته تجاه إسرائيل، فقد ظلت على الدوام أوغندا البوابة الخفية للتعاون الإسرائيلي مع جماعات سودانية سواء كانت حكومية أو معارضة كالحركة الشعبية لتحرير السودان، وبسوء علاقة الحكومة السودانية مع الاتحاد الافريقي اتخذ الرئيس موسيفيني خطوات للوراء في لعب دور الوساطة الإسرائلية السودانية وبخاصة بعد موت مستشارته نجوى قدح الدم الفاعلة في هذا الملف.
● كما أن سوء علاقات الخرطوم مع إثيوبيا، قد أعاق الترتيب للتعاون المباشر لتل أبيب مع الخرطوم، إذ يتواجد في أديس أبابا وحدها حوالي ألف من الخبراء والتقنيين والمستشارين الإسرائيلين كانوا يعدون العدة للتعاون مع السودان وتدريب بعض العناصر السودانية في أديس أبابا أسوة ببعض ملحقي البعثات الإفريقية في مقر الاتحاد الإفريقي.
● كذلك لم يعد لإريتريا ذلك الدور الفعال في استهداف عناصر سودانية حكومية ومعارضة واستقطابهم للعمل مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية في أسمرا، وقد حاولت بعض الجهات في شرق السودان التواصل منفردة مع تل أبيب إلا أن تلك المحاولات لم تثمر، ولكن الخطوات التي تسير نحو المطالبة بحق تقرير المصير في شرق السودان تتسق تماما مع توجه الإدارة الإسرائيلية التمزيقية للسودان، ومثل الجنرال البرهان أحد روافع الإحتقان واستغلال الشرق في التحضير لانقلابه المشؤوم.
● قبل انقلابه بساعات قليلة كان المبعوث الأمريكي السيد فلتمان يحلس مع البرهان في القصر الجمهوري وأكد له البرهان حرصهم على إكمال الانتقال وتحقيق الإستقرار في البلاد، وهو الأمر الذي دفع فلتمان بعد فترة وجيزة بنعت البرهان بالكاذب والمراوغ، إلا أن لإسرائل ومستشاريها الأمنيين الذين وصلوا الخرطوم دور كبير في خديعة فلتمان ومبعوثي الدول الأوروبية والمملكة المتحدة والداخل السوداني، إذ قدم أولئك المستشارون كافة التطمينات للبرهان بأنه لا البعثة الأممية ولا أي دولة من الدول تستطيع إعاقة الإنقلاب أو التدخل في السودان، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بعد تجربتها المريرة في الصومال قد اتخذت الإدارة الأمريكية قرار التوقف عن التدخل المباشر في الدول الإفريقية.
● كذلك كان هناك دبلوماسيون في طاقم حمدوك تواصلت معهم هيئة الإذاعة الإسرئايلية "كان"، وأن التطبيع مع إسرائيل سيستمر أيضا بعد الانقلاب، الذي من غير المتوقع أن يؤثر فيه بشكل كبير، لأن رجال الجيش مؤيدون للتطبيع، كانت هذه أيضا إحدى محفزات نتنياهو لدعم انقلاب البراهان، الأمر الذي جعل من الولايات المتحدة الأمريكية تلتفت للأمر وتعطل عملية التطبيع بدورها، باعتبار أنه كان من المفترض أن يتم توقيع إتفاقية سلام بين الخرطوم وتل أبيب في واشنطون، وهو الأمر الذي صرح به المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس : "أن هناك حاجة إلى "إعادة فحص" التطبيع بين إسرائيل والسودان في أعقاب الانقلاب العسكري في البلاد".
● اتخذ البرهان نقطة انطلاقه نحو إسرائيل من استراتيجية منطلقاتها تصريحات وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة "تسيبي ليفني"، التي أعلنتها في 24/05/2006م بإن حكومتها ستساعد في إيجاد حل للأزمة في اقليم دارفور خلال لقاء جمعها مع عدد من السفراء الأفارقة في تل أبيب حيث ناقشت معهم الأزمة في الإقليم، ومن وعود لاحقة بتوفير ضمانات تحصنه من الملاحقة الدولية، ومن خوف المشير المخلوع أن تستهدفه ضربات جوية كالتي استهدفت أسلحة وذخائر في البحر الأحمر وقصف مصنع اليرموك في الخرطوم.
● توافرات للحكومة السودانية في فترة سابقة عبر أجهزة الأمن الأردنية معلومات عن وجود إثنين من مهرّبي الأسلحة يحملون جوازات سفر إسرائيلية، تبيّن من التحقيقات التي تمت معهما تورّطهما في تهريب أسلحة لدارفور، وأن من بين المتهمين رجل يعمل بصورة مباشرة مع "داني ياتوم" الإبن الأصغر لمدير الموساد الأسبق، وهو الذي أدلى بمعلومات مؤكّدة تفيد بتورّطه و"شيمون ناور"، وهو صاحب شركة استيراد وتصدير إسرائيلية، في تهريب أسلحة لإقليم دارفور، الأمر الذي حاول البرهان استغلاله وتوظيفه لابتزاز قادة الحركات المسلحة وقطع الطريق أمامهم بالتعاون المباشر مع تل أبيب، وحاول منافسته في ذلك جاهدا قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حمدتي" وشقيقه عبد الرحيم.
● في الوقت الذي يعلم فيه البرهان ونائبه أن اسرائيل بغيتها في التعاون مع السودان ليس تحقيق مصلحة مشتركة مع الخرطوم، وإنما رغبة في كسر حدة العزلة الدولة المفورضة عليها وكسب قواعد للتأييد والمساندة، والعمل على تحقيق أهداف أيدولوجية توراتية خاصة بنمذجة دولة شعب الله المختار، والسعي لتحقيق مطلوبات الأمن الداخلي الإسرائيلي وتيسير هجرة اليهود الأفارقة إلى دولة الإحتلال، وبناء قاعدة استراتيجية لتحقيق الهيمنة الإقليمية لإسرائيل في إفريقيا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.
● وكذلك يعلم هؤلاء الجنرالات أن إسرائل قد استندت على موروث مرير تجاه السودان في ذاكرة الحكومة الإسرائلية وضعت لتحقيق تلك الأهداف عشرة لاءات وهي تضمر لاءات الخرطوم الثلاثة، فكانت لاءاتهم:
١. لا للانسحاب الكامل إلى حدود 1967.
٢. لا لتقسيم القدس.
٣. لا لسيادة عربية كاملة على جبل الهيكل (المسجد الأقصى).
٤. لا لدولة فلسطينية ذات استقلال كامل.
٥. لا لإيقاف علميات الاستيطان أو تفكيك المستوطنات.
٦. لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين.
٧. لا لتحالف إستراتيجي عربي يضم بعض أو كل دول المواجهة والعمق العربي.
٨. لا لامتلاك أي دولة عربية برنامج نووي.
٩. لا لأي خلل في الميزان العسكري القائم حالياً بين العرب وإسرائيل.
١. لا لحرمان إسرائيل من مطالبها المائية في الأنهار العربية.
● كل ذلك مقروءا مع المحاضرة التي ألقاها وزير الأمن الإسرائيلي ( آفي دختر) في معهد الأمن الإسرائيلي 4 سبتمبر 2008 فيما يخص إستراتيجية تعامل دولة الاحتلال مع السودان، إذ قال: " كانت هناك تقديرات إسرائيلية حتى مع بداية استقلال السودان في منتصف عقد الخمسينات، أنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي، لأن موارده إن استثمرت في ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب، وفي ضوء هذه التقديرات كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الإختصاص أن تتجه إلى هذه الساحة وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة، حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد، كون السودان يشكل عمقا استراتيجيا لمصر. هذا المعطى تجسد بعد حرب الأيام الستة 1967م عندما تحول السودان إلى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصري وللقوات البرية هو وليبيا. ويتعين أيضاً أن نذكر بأن السودان أرسل قوات إلى منطقة القناة اثناء حرب الإستنزاف التي شنتها مصر 1968- 1970م." و وعندما سئل دختر ماهي نظرته إلى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستعصية في الجنوب وفي الغرب والإضطراب السياسي وعدم الاستقرار في الشمال وفي مركز القرار في الخرطوم؟ هذا السؤال طرحه نائب وزير الدفاع السابق جنرال الاحتياط افرايم سنيه، رد دختر على هذا السؤال: هنالك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف في السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقل جنوب السودان، وكذلك إقليم دارفور على غرار إقليم كوسوفو. لا يختلف الوضع في جنوب السودان وفي دارفور عن الوضع في كوسوفو. سكان هذين الإقليمين يريدون الاستقلال وحق تقرير المصير قاتلوا الحكومة المركزية من أجل ذلك.
● كل هذه الشواهد تؤكد أن البرهان عبر خطواته وسياساته التي اتخذها بعد الإنقلاب واستعادته بتنصيب منسوبي النظام البائد في دولاب الحكومة والجهاز التنفيذي والمؤسسات الأمنية والعسكرية، وما تم ارتكابه من فظائع في غرب دارفور والنيل الأزرق وكردفان واستثارة الشرق وتحفيز النداءات الإنفصالية، يريد أن يسرع بتحفيز تلك الأقاليم للمطالبة بالإنفصال الأمر الذي ساعدته فيه بعض الإدارات الأهلية وقيادة الحركات وحكومة إقليم دارفور وزعماء العشائر، وتمت تغذية هذا الصراع بأسلحة وأدوات العنف المحتكرة للدولة إذ تسربت كميات مهولة من الأسلحة والذخائر لأيدي التحشيدات القبلية والإثنية لتستخدم في الصراع، كما تم تمويل مباشر لعدد من اتحادات شبابية قبلية تنشط في مناطق السودان المختلفة لهتك النسيج الإجتماعي والتجييش للحروب الأهلية.
● يمكن أن يفعل الجنرال البرهان للبقاء في السلطة أكثر من ذلك، ولا أستبعد أن يعقد صفقات مع أمراء الحروب في الأقاليم المختلفة وقادة المسارات المصطنعة في اتفاق سلام جوبا، ويمكنهم من حكم تلك الأقاليم على غرار إقليمي النيل الأزرق ودارفور ليصبح كل من كردفان إقليما والأوسط والشمالي وشرق السودان، وبالتالي يسهل إجراء استفتاءات تمهد لتقرير المصير ومن ثم الإنفصال، خصوصا وأن هناك مجموعات يرعاها النظام الإنقلاب تنشط تحت مسميات إنفصالية، وهو الأمر الوحيد الذي سيجعل من برهان كرتا رابحا لنتنياهو.
● واجب السوادنيات والسودانيين العمل الدؤوب لتجاوز كافة خلافاتهم البينية وتوحيد لحمتهم الوطنية وتوطيد وشائجهم الاجتماعية، والكف عن السجال القبلي والاحتراب الأهلي والاقتتال الإثني والامتناع عن التحريض وخطابات الكراهية، وإلا لن تكون هزيمة هذا الإنقلاب وعملاءه أمرا سهلا، ولن نتمكن من تجاوز الأزمات التي تحيط بالبلاد إحاطة السوار بالمعصم.
● فلن تمكننا الحروب الأهلية والصراعات الحدودية ونزاعات الموارد وعدم الاندماج الوطني من بناء سودان الحرية والسلام والعدالة والرفاه، وستظل ثرواتنا تهرب إلى الخارج ومواردنا تهدر من بين أيدينا، وستظل بلادنا موطوءة وسيادتنا منتهكة.
●ختاما:
• لنتجاوز هذا الابتزاز السياسي الذي مارسه نتنياهو على البرهان، وتمارسه أجهزة مخابرات دول جارة وشقيقة تنشط في تقسيم الكيان الوطني لخلق تنافس خبيث بين العسكر والمدنيين، وتحاول به تحقيق مكاسب عبر إملاءات حثيثة وضغوط شديدة على الجميع، لا وصول لذلك إلا بإسقاط هذا الإنقلاب وتحجيم الدور الخارجي للقوات المسلحة وتقييده بالدستور والقانون، وكذلك إيقاف محاولات الحركات المسلحة الإنجرار في هذا المضمار ومحاولات شراء أسلحة خارج إطار القوات المسلحة السودانية من إيران أو إسرائل أو غيرها، وتوحيد قناة التواصل الدبلوماسي مع الآخر الإقليمي والدولي وأن تؤسس علاقاتنا على المصالح المشتركة.
• ولنحدث ذلك الخروج الكبير من الأزمات ولتصفير الكوارث السودانية علينا أن ننشط لتكامل الجهود السياسية والمقاومة والمدنية والدبلوماسية والحقوقية والتقدم ببرنامج حد أدنى متوافق عليه يوصلنا إلى حكومة كفاءات مهنية مستقلة مدنية تنتشل البلاد اقتصاديا وتمهد لانتخابات حرة ونزيهة وتعقد المؤتمر الدستوري القومي لدسترة أوضاع البلاد بصورة دائمة، وليحدد الجميع عبرهم مصير البلاد في علاقاته مع الآخر ويحافظ على سيادة البلاد وحدود أراضيها.
عروة الصادق
٤. نوفمبر. ٢٠٢٢م.
_________
@orwaalsadig fb&tw
📧 orwaalsadig@gmail.com