● ألقى قائد الجيش كلمته ولم يلق لها بالا لتلقي بالبلاد في سعير الحرب الأهلية والتسلح العشوائي، خصوصا وأن الأمر يأتي بعد سبعين يوم من الحرب والسودانيون ينتظرون ما أسماه الجنرال الحسم في غضون ساعات استمرت لأيام وأسابيع وشهور، فاستنفار المواطنين للتسلح في الصراعات المسلحة له ما له من مثالب وخطورة وضرر كبير على العباد والبلاد، وأبلغ تلك المضار:
1. عدم التدريب الكافي لمن يتم استدعاؤهم واستثارة الحمية فيهم ومخاطبتهم بنداءات العصبية، فأفضل المتمرسين على حمل السلاح عهده به معسكرات الخدمة القسرية، فغالبًا ما يكون لدى المدربين المهنيين الخبرة والمعرفة اللازمة لتدريب الجنود وتحسين قدراتهم العسكرية. على العكس من ذلك، يفتقر المواطنون إلى المعرفة والمهارات الضرورية للتعامل مع أسلحة عادية تقليدية ناهيك عن أخرى متقدمة، مما يزيد من فرص وقوع حوادث أو استخدام خاطئ للأسلحة.
2. في حالات شبيهة بحالات تحشيد سابقة وحاضرة في الذهن الجمعب سنشهد عدم وجود رقابة وانقلاتات وعدم سيطرة على ااسلاح، ففي الجيش المنظم يتم فرض قواعد وإجراءات صارمة لضمان أمن وسلامة الجنود والمدنيين مع ذلك رأينا العديد من المخالفات. ومع ذلك نشهد تصويبا خاطئا لكثير من الأسلحة التي أودت بحياة مدنيين عزل، يمكن أن يفتقد التسلح الشعبي لهذه الرقابة والإجراءات الواجبة، مما يؤدي إلى تهديدات بحياة المواطنين الأبرياء واتساع دائرة النار.
3. تنامي الاصطفافات وتفاقم العنف والانقسامات، يمكن أن يزيد استنفار المواطنين وتسليحهم في الصراعات المسلحة من مستوى العنف والانقسامات في المجتمع. قد يتحول المواطنون المسلحون إلى ميليشيات ومجاميع مسلحة كالتي يتم قتالها، وجماعات متناحرة تؤثر بشكل سلبي على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
4. اتساع رقعة التسلح يترتب عليها اضطراد العنف وزيادة انتهاكات حقوق الإنسان، وبسبب قلة الجرعة التدريبية وانعدتم الرقابة، قد يرتكب المواطنون الذين تم تسليحهم انتهاكات لحقوق الإنسان انتقاما لما مورس عليهم من انتهاكات دون ضوابط، سواء عمداً أو بشكل غير مقصود. هذا قد يؤدي إلى مزيد من الضحايا المدنيين والمعاناة الإنسانية.
● لم يقرأ الجنرال العظيم من سفر التسليح الشعبي تراكمات المضار التي تتوارثها بعض الشعوب والامم، وكانه نسي أن التسليح والتجييش الذي مورس لعقدين من الزمان في السودان أسهم في انقسام البلاد وتمزيق وحدها وتشتيت سكانها، هناك العديد من الأمثلة للتسليح الشعبي في الصراعات المسلحة، مثل:
1. نماذج الحروب الأهلية، ففي الحروب الأهلية قد يشارك المواطنون في مجموعات مسلحة للدفاع عن أنفسهم أو القتال من أجل أجندة معينة كما حدث في دارفور ٢٠٠٣م، التي من ثمارها الجنجويد وحرس الحدود والدعم السريع وغيرها من الجماعات المسلحة. ومثال على ذلك أيضا حرب البوسنة الهرسك في التسعينات، والتي لا تزال جيوبها المسلحة تطل برأسها مهددة استقرار المنطقة.
2. الثورات الشعبية في بعض الحالات، يستخدم المواطنون التسليح الشعبي للتمرد ضد حكومة قمعية أو ظروف اقتصادية صعبة. مثال على ذلك هو ثورتي ليبيا واليمن الشعبييتين في عام 2011م والتي انتهت إلى حرب متواصلة لأنها حادت عن سلميتها وقسمت ليبيا لدولتين شرقا وغربا، اليمن إلى دويلات وكليهما تصرف مئات الملايين من الدولارات لنزع الألغام، فضلا عن تحول سوريا إلى بؤرة من جحيم الغلو والتطرف وسوق للمخدرات والاتجار بالبشر ونهب الثروات واستقطاب العصابات وجيوش العالم.
3. أما التجربة الاثيوبية تعاملت مع الأمر باحترافية عسكرية وتقدم رئيس وزرائها وقتئذ صفوف القتال وتموضع في الجبهات، وبالرغم عن ذلك ركن إلى طاولة التفاوض وجلس مع غرمائه في جنوب أفريقيا، ليبرم اتفاق سلام.
● خلاصة: البرهان بدعوته البلهاء هذه مدفوعا من سدنة التنظيم المحلول ومنطلقا من أجندة الحركة الإخوانية يريد تحويل الصراع من نزاع سلطوي مع غريمه قائد الدعم السريع غايته استعادة دولة "الانقاذ"، فيتحول الأمر إلى حرب أهلية يصطف فيها أبناء الشعب السوداني خلف راياتهم وولاءاتهم الأولية ويفتح بذلك باب الجحيم للسودانيين والمنطقة حولهم.
● ختاما: ينبغي أن نوقن أن هناك العديد من الصراعات والأزمات الحقيقية حول العالم التي قادت بالفعل إلى استنفار المواطنين والتسليح والتجييش الشعبي، ولكنها جميعا تلجأ في نهاية المطاف إلى حلول تفاوضية، حيث يتعذر على هذا النمط الشامل تجاوز جوانب الأمان والاستقرار التي تتطلبها تلك البلدان. لذلك، يفضل العمل على تحقيق الاستقرار السياسي بالحوار والحلول السياسية لبلوغ الأمان وحفظ حياة الإنسان وفتح نفاج للتنمية الاقتصادية وحماية حقوق الإنسان ومنع حدوث تلك الصراعات المسلحة مجددا، إلا أن الأمر يحتاج شجاعة تخرج صاحبها من مخبئه ليخاطب العالم بتلك المعاني.
عروة الصادق
٢٩ يونيو ٢٠٢٣م