الثلاثاء، 4 يوليو 2023

العودة إلى جدة

العودة إلى جدة

● بعد أن اعتذر الميسران لحوارات جدة بين وفدي الجنرالات المتقاتلين في الخرطوم، لأنه أضحى حوار طرشان دون اكتراث لمآلات الوضع في السودان، وخروج الوفد الأمريكي ليعود بخطة أسمتها السيدة مولي في بالمغايرة، وارتفاع أصوات مطالبة بالتدخل الدولي الذي ستقف دول كثيرة للحيلولة دونه أولها المملكة المتحدة وعدد من الدول الغربية وكذلك الروس الغارقين في وحل أوكرانيا، وتصريحهم بذلك للسيد مالك عقار عند زيارته موسكو، في الأثناء التي خرج فيها عقار من إفريقيا بمبادرة الايقاد التي شارك في تصميمها ورفضتها عناصر التنظيم الإخواني في الخارجية السودانية، لذلك يهيء الجميع أنفسهم للعودة إلى جدة مرة أخرى.

● فمنبر جدة تعثر ولم يفشل ولم ينجاز لطرف لتمتع المملكة بعلاقات جيدة مع الجميع، وكذلك كل الأطراف تخطب ود الولايات المتحدة، ولكن شأنه شأن أي عملية تفاوض حول الصراعات المسلحة قد يواجه العديد من العقبات التي يمكن أن تحول دون تحقيق النجاح المرجو والمطلوب. ومن تلك العقبات التي ينبغي التخلص منها:

1. الحساسية المفرطة من الأطراف تجاه بعضهم وعدم الثقة، فمن المهم أن توجد ثقة بين الأطراف المتنازعة، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال بناء علاقات جيدة واحترام الأطراف الأخرى الوسيطة والميسرة، وشهدنا تقدم خجول لتلك العلاقة في أواخر أيام التفاوض قبل موسم الحج.

2. لا زالت الانتماءات والأجندة السياسية هي المتحكمة في القرار "الجداوي"، ومعلوم أن للأطراف المتنازعة ميول وانتماءات سياسية وللبعض مصالح خاصة وقيود أيدولوجية، يعتقدون أنها تستحق الدفاع عنها حتى الاستماتة و"الحسم العسكري"، لذلك يجب تحقيق التوازن بين الاحترام والتفهم لهذه المصالح وتلك المخاوف وبين تحقيق المصلحة العامة والسلام الدائم لشعب يرزح تحت وطأة النيران والانتهاكات.

3. تعذر الاتصال والتواصل المباشر بين الأطراف إذ يقتصر التفاوض بواسطة ممثلين عن المتصارعين وبصورة غير مباشرة لذلك يجب توفير قنوات فعالة للتواصل بين الأطراف المتنازعة وضمان تبادل المعلومات والانفتاح للحوار والنقاش دون اشتراطات أو قيود، وهذا لن يتأتى إلا بخفض التوتر وفتح المجال الجوي لوصول الوساطة إلى الخرطوم للقاء الجنرالات وأخذ كلمات من أفواههم كفاحا.

4. لكل طرف أجندته الخاصة فوق الأجندة والثوابت العليا، مما أدي إلى التشتت وعدم التوصل إلى صيغة اتفاق شامل كما قالت مولي في، أو حتى الالتزام بما اتفق عليه من إعلانات سابقة، الأمر الذي أغضب الميسرين وجعل بعضهم يلوح بعصا العقوبات التي شملت عناصر وشركات وقوائم حظر، لذلك يجب العمل على تحقيق التفاهم وتوحيد الأهداف المشتركة والمضي قدما نحو الالتزام بها.

5. العنف المستمر في شوارع وأزقة الخرطوم ومدن أخرى، تحديدا في دارفور وما صاحبها من بشاعات وفظاعات، أعاق تحقيق التفاهم وإقامة حوار بناء، والواجب التركيز على الالتزام بالهدن وصولا لوقف إطلاق النار واحترام حقوق الإنسان ومعاهدات الأسرى والحرب وبروتوكولات حماية المرافق المدنية والأطفال من جميع الأطراف والامتناع عن الانتهاكات وضبط المسؤولين عنها وتقديمهم لمساءلات وفتح تحقيق دولي في ملف حرب السودان.

● لذلك نجد أن هنالك خطوات تتخذها الوساطة والميسرين بشركة إقليمية دولية لجعل الجولات القادمة أكثر انتاجا ونجاحا، شانها شان مؤتمر الدعم الانساني للسودان الذي أمه العالم بأجمعه دعما للحالة السودانية، وصولا لبناء منبر حوار فعال ووساطة مثمرة تضم كل المحيط الإقليمي والدولي، تجمع ولا تفرق وتتسم بالحياد المطلوب وتلك الاجراءات هي:

1. اتخاذ اجراءات بناء ثقة وتطوير العلاقات بين الأطراف المتنازعة للخروج من الحوار حول الهدن الإنسانية وصولا إلى وقف إطلاق نار دائم.

2. توفير بيئة مواتية للحوار والتفاهم المتبادل ترضي الطرفين، وتشجعهما على مواصلة الحوار، وتمكن جميع المبادرات الإقليمية والدولية من الاشتراك في الأمر.

3. إيجاد صيغة حلول موضوعية ذات موثوقية متوافق عليها من الجانبين تلبية لمصالح المواطنين الذين يكابدون جراء تلك الحرب، تلزم الأطراف الموقعة عليها.

4. توفير الدعم اللازم للسودان (فنيا، تقنيا، انسانيا، سياسيا، دبلوماسيا)، وتمكين أدوات الرقابة الفعالة وإعمال آليات التقصي لتحقيق المصالح وتجنب المخاوف وتعزيز التعاون وصولا لاتفاق شامل، يمهد لاستعادة السلطة المدنية وفق إجراءات سياسية وعملية متكاملة تتزامن والحوار الأمني والعسكري.

5. ترقية التمثيل للميسرين والدور الرقابي ورفع درجة تمثيل الوسطاء ورفدهم بعناصر ذوي خبرة وبأيدبهم أدوات ضغط فعالة للمساعدة في التوصل إلى حلول مقبولة للجميع، وهو الأمر الذي يحتاج إلى صبر وحكمة واهتمام بمصلحة السودان العامة قبل المتصارعين.

6. استبعاد التدخل العسكري في السودان حتى لا يلوح شبح الإرهاب الدولي والتطرف العنيف وانفراط عقد الأمن في البلاد التي ستكلف تضاريسها ومساحتها أموالا وجهودا طائلة للسيطرة الدولية عليها وعلى حدودها وجماعات التخريب التي ستنشط كالشياطين في كل أركان البلاد.



ختاما: منبر جدة هو نفاج صغير يمكن ومرن ومنضبط، يمكن توسعته لضم الجميع وإلحاق كل من تمنع وإدماج العملية السياسية اللاحقة والمبادرات الرامية لإنهاء الصراع في السودان، وهو المنبر الذي لم يرفضه إلى الآن أي من طرفي الصراع، بعد تحفظ أحدهما على كينيا، ويرجى ألا تمانع القوى الافريقية من مواصلة مساعيها عبر منبر جدة لبلوغ نهايات هذا الصراع الدامي، وتمهيد الطريق لاستعادة السودانيين لبلادهم ومكتسباتهم وأمنهم واستقرارهم.



عروة الصادق 
orwaalsadig@gmail.com