● مقدمة: بعد النزاعات والحروب والصراعات المسلحة والاقتتال الأهلي، تتولد الكثير من الأمراض وتتخلق العديد من التأثيرات السلبية على سلوك الأفراد والمؤسسات والمجتمعات والأنظمة الإدارية والحكومات بل حتى السلطات التشريعية والقضائية، وتؤدي مخلفات الحرب النفسية والأخلاقية إلى عدم الاستقرار الاجتماعي، وضعف التماسك القومي، وانعدام التواصل الإنساني وبالتالي تهديد استدامة السلام، لذلك ينبغي الاستعداد للتصدي للأمر وذلك الخطر الذي يتهددنا جميعا دون استثناء، وذلك من خلال العديد من الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتقويم سلوك الفرد والاستجابة لتلك التحديات.
● أولا: تظل أعظم مهام الأكاديميين والمثقفين والساسة والحكماء هي بذل جهود مضاعفة لدراسة تأثير الحروب والصراعات المسلحة على سلوك الأفراد والمجتمعات اعتمادا على مجموعة واسعة من المناهج العلمية والنظريات السلوكية، لتنزيل ذلك في نموذج التعافي السوداني، ومحاصرة ارتدادات الحرب وانعكاساتها السلوكية على المجتمعات التي لم تصلها نيران الصراع، وهناك عدة نماذج وأفكار قد تم دراستها وتوثيقها على مختلف المستويات في عدد من الدول التي شهدت أطول الحرب وأدمى الصراعات، ومن بين الكتاب والمفكرين الذين أسهموا في هذا المجال، ويمكن الاستهداء بتصوراتهم، هم:
1. الذين صاغوا واتفقوا على ما أسموه نموذج اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والذي يركز على دراسة التأثيرات النفسية والسلوكية الناجمة عن تجارب الصدمة الشخصية والجماعية خلال الحروب والصراعات، وهؤلاء ساهمت أبحاثهم القينة والدراسات في هذا المجال في تطوير مفهوم اضطراب ما بعد الصدمة وتقديم النصح والعلاج النفسي للأفراد المتأثرين، وخلصوا لمعالجات منهجية تتدرج من المستوى الفردي وصولا للمؤسسات والمجتمعات والأنظمة، وأشهر من كتب في هذا السياق سيباستيان جونغ هيير، في كتابه كتابه "جراح الحروب الكبرى، متحدثا عن تأثير الحروب والصراعات على السلوك البشري" يعرض العديد من الدراسات والأبحاث حول تأثير الحروب على السلوك البشري.
2. أصحاب نظرية السلوك الجماعي، وما اصطلح عليه بسلوك القطيع، وهؤلاء مضوا إلى نظرية تستكشف كيف يتأثر سلوك الأفراد والمجتمعات بمحيطهم والقوانين والتحفيز الاجتماعي، وتسلط الضوء على أهمية العوامل الاجتماعية في تشكيل وتغيير السلوك البشري، ويتخذ هذا المنهج أقوى أوجه التعاون للتعافي الجماعي ويمكن أن يعزز أواصر الود بين المجتمعات التي شهدت قطيعة جراء الصراع، وهنا تجدر الاشارة للكاتبة كاثلين بتجول، وكتابها "العنف السياسي وتداعياته على السلوك البشري"، والءي يشرح تأثير العنف السياسي والصراعات على السلوك الفردي والجماعي.
3. أما من قال بنظرية التأقلم الاجتماعي فهؤلاء ركزوا على كيفية تكييف الأفراد والمجتمعات مع التحديات والظروف الصعبة، ويدرس هذا النموذج كيف يمكن للأفراد أن يتعاملوا مع الضغوط النفسية والاجتماعية ويبنوا قدرات التأقلم الشخصي والاجتماعي، وهو منهج مكلف للغاية ويحتاج لقدرات وإمكانيات عالية للتدريب والتأهيل وصولا لدرجة التأقلم.
● ثانيا: جميع تلك المناهج والكتاب والمفكرين قد وضعوا متلازمة أعراض وأمراض تعزز ما نشهده خلال فترات الصراع والحروب التي قادت تغيرات كبيرة في سلوك الأفراد والمجتمعات والمؤسسات والأنظمة، وتسببت في عدة أشكال لتغير السلوك البشري خلال هذه الفترات، ومن أخطرها:
1. حدة العنف وشدة العداء، فقد تنامى بفضل الصراع مستوى العنف والعداء خلال فترات الصراع والحرب، بالصورة التي جعلت من الإنسان لا يستنكر الموت أو رؤية أخيه السوداني حريق أو مهشم الرأس أو مقطع الأوصال، وهو الأمر الذي زلد الانقسامات الاثنية والمجتمعية وشجيع على التصعيد العنيف في التعاطي بين الأفراد والمجتمعات، كما شهدنا في بعض أحباء العاصمة، ومدن كالجنينة، وزالنجي، ونيالا، وكتم، وطويلة، وعدد كبير من القرى المنسية في هذا الصراع.
2. التغير السريع في القيم والتراجع في المثل والانتكاسة في المعتقدات، فقد كذبت سلوكيات عدد من الناس خلال فترة الحرب أن كثير من أخلاق السمت والموؤة والنجدة السودانية، تخطي كومة من الجشعين وتجار الأزمات وأمراء الحروب، وتم تغيير منظومة القيم والأخلاق والمعتقدات خلال فترات الصراع والحروب للدرجة التي تساقط فيها كثير من عناصر أيدولوجية حزبية في مستنقع الإثن والعرق والقبيلة، واستشرت البراغماتية في كثير من الأوساط، وبلغ الأمر مبلغا عظيما للدرجة التي يتم الترويج لأفكار تعلي النعرات وتؤسس للعداء والانفصال بين الأفراد والمجتمعات، الأمر الذي قد يقود لتقطيع أوصال البلاد.
3. التأثير النفسي وصراع الذات والأمراض الملازمة له، فقد قادت الصراعات والحروب إلى إحداث تأثيرات نفسية عميقة على عدد كبير من الأفراد وأدخلت الكثير من المجتمعات في حالة من الذهان ورهاب الصدمة، وتعرضوا للأزمات النفسية والتوتر والقلق والاكتئاب وصولا لدرجة الجنون، الأمر الذي أثر على سلوكهم اليومي وعلاقاتهم مع الآخرين، في ظل إغلاق كافة المراكز المعنية بالعلاج وتلقي الإرشاد، خاصة المراكز الخاصة بالسيدات من ضحايا العنف. كمركز التروما في جامعة الأحفاد، مع شح شديد في الأدوية والعقاقير وفرار عدد كبير من الاختصاصصين النفسيين جراء الحرب، الأمر الذي قاد للجوء كثيرين لتعاطي المخدرات التي ينشط تجار الحروب في توفيرها وتمويل أنشطتهم عبر ترويجها.
4. سادت حالة كبيرة من القلق وموجة من الشك وضعف اليقين، وعدم الثقة، بين الأفراد فيما بينهم، وبين المجتمعات، وبين المجتمعات والمؤسسات خلال فترات سابقة إلا أنها ازدادت خلال أيام الصراع والحرب، بالصورة التي جعلت الناس يعتقدون أنهم في حالة خطر مستمر، خاصة أولئك الذين نزحوا من مناطق النيران إلى أخرى فأخرى عدة مرات، مما ينعكس على التعاطي اليومي بتزايد الريبة والشكوك وهو ما سيؤثر على العلاقات الاجتماعية الشخصية والعامة، فنماذج التشكيك والاتهام بالولاء لهذا الطرف أو ذاك تجعل من الجوار الآمن أمرا مستحيلا بين الأسر.
ثالثا: نحن جزء من منظومة كونية شهدت حروب وصراعات ونزاعات، وشوهدت فيها انتهاكات وفظاعات، قاد بعضها لانفصال البلاد وتخليق آثار غائرة لا يرجى برؤها، ولكن بذات القدر هناك من النماذج التي قدمت لإبراء الجراح الجسدية والنفسية وترميم الشروخ التي خلفتها الصراعات، وأشهرها:
1. ما فعله نيلسون مانديلا الذي قاد دولته العنصرية وقتئذ جنوب أفريقيا وأوصلها إلى التعافي بعد مسيرة التصالح الجنوب إفريقية متجاوزا بذلك نظام الفصل العنصري، وعمل على بناء جسور التعايش السلمي والتحقق من العدالة الاجتماعية، بالصورة التي مكنت المواطنيين من تقديم نموذجهم كحالات تعليمية وقدوات علاجية تستهدي بها اليوم عدد من المؤسسات ويستضافون في عدد من المحافل والمؤتمرات، وظل نويل باردي رئيس وزراء جنوب أفريقيا الأسبق الذي قاد مسعىً للمصالحة النهائية ونقل البلاد إلى نظام ديمقراطي بعد نظام الفصل العنصري، من أهم نماذج الاتزان النفسي والتعاطي المخلص.
2. لا يذكر كثيرون محمد الطيب الهاشمي، والذي كان يشغل رئيس المجلس الانتقالي في تونس بعد الانتفاضة الشعبية، وقد قاد مسار الانتقال الديمقراطي وبناء مؤسسات التونسية بصورة راسخة قائمة على الحوار والتشاور، الأمر الذي جعل من تونس نموذج مؤسسي واجتماعي قوي رغم المحاولات المستمرة لضرب وإضعافه، وهيأ بتلك المؤسسية مرافق التعافي النفسي والتصافي وإبراء الجراح.
3. قد يبالغ المرء إذا قال أن أقوى نموذج تأثر بالحروب والصراعات والحملات النفسية والأذي الجسدي وأنهى حالات التصافي والتعافي بعد ارتكاب مجازر في حقه كفرد وفي مجتمعه كطائفه، هو الإمام الصادق المهدي، الذي شهد مذبحة الأنصار في المولد، ومجزرة الجزيرة أبا وودنوباوي والكرمك، مع ذلك قاد جهود المصالحة والمقاومة المدنية السلمية، وظل في كل الحقب يدعو للحل السياسي الشامل، ويربي مناصرية على منهج سماه بالجهاد المدني لتقويم السلوك وحراسة الحقوق، ومضى إلى الله وهو ينادي بترسيخ نموذج للحقيقة والمصالحة يبريء الجراح وينصف الضحايا، ويعاقب الجناة شبيه بكوديسا جنوب إفريقيا.
رابعا: من خلال ما تقدم ذكره وما يستقرأ حدوثه مستقبلا علينا بذل جهود حثيثة مسترشدين بالتجارب السابقة وطنيا وإقليميا ودوليا، لتقويم سلوك الفرد والجماعات بعد النزاع ومعالجة مخلفات الحرب النفسية والأخلاقية على التركيبة السكانية السودانية في مدن ما بعد الصراع، ويمكن استخدام أسلوب منهجي يركز على الإصلاح والتعافي الاجتماعي والنفسي الفردي والمؤسسي، تنظمه العديد من العمليات والإجراءات، هي:
1. تقوية أواصر الشعور القومي وبناء الحوار والتواصل، وذلك بتشجيع الحوار والتواصل المفتوح بين الأفراد والمؤسسات المختلفة لخلق فهم مشترك لكافة المشاكل والمخاوف والطموحات المشتركة، وتجنيب المجتمعات خطابات النعرات وتجريم وتحريم التعالي والقطيعة والاستعلاء الاجتماعي.
2. تصميم مشروع قومي ونموذج سوداني للعدالة والحقيقة والمصالحة، يشمل العدالة للأفراد، والانصاف للمجتمعات والاسترداد للمؤسسات، ويتضمن العدالة الجنائية والانتقالية وتلك الدولية، لضمان إكمال كافة حلقات العدالة والمصالحة المجتمعية وضمان الشفافية والتعايش السلمي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان عدم الافلات من العقاب لإبراء الجراح وإزالة الشروخ النفسية.
3. تأسيس أكبر المراكز وتكوين أكبر الشبكات الصحية والنفسية ومراكز الدعم لتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والمادي، للأفراد والمجتمعات المتأثرة من الصراع، للتعافي من آثار الحرب النفسية والآثار النفسية الأخرى، وتمكين المختصين من أدوات التطبيب النفسي وتأهيل عدد كبير من النساء لقيادة هذه المراكز لكونهن مفتاح تعافي الأسر والمجتمعات والأكثر انتشارا في كافة المرافق والمؤسسات.
4. تكثيف أنشطة التعليم والتثقيف وزيادة أعداد المرافق المختصة بشراكات إقليمية ومحلية ودولية، ورفع مستويات التعليم والتثقيف لتغذية التغيير الإيجابي والوعي بحقوق الإنسان، والمسؤولية الاجتماعية لملاحقة الجناة على أسس قانونية تشمل القانون الدلي الإنساني والمعاهدات والبروتوكولات ذات الصلة، والمواثيق التي تؤسس لانتزاع الحقوق.
5. وتظل التجربة الإنسانية أكبر وسائل التعافي هي التعلم والنظر للنماذج الفضلى للممارسات التي تخلصت من آثار ومضاعفات الحرب كما ذكرنا في إفريقيا والعالم والمنطقة العربية، كبرامج مثل التصالح الجنوب إفريقي بعد نظام الفصل العنصري ومحكمة جنايات رواندا الدولية لمعالجة جرائم الإبادة الجماعية، وعلى صعيد عالمي يمكن الاستفادة من خبرة المحكمة الجنائية الدولية في التعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وفي المنطقة العربية يمكن النظر إلى جهود الإصلاح في مختلف البلدان المتأثرة بالصراعات والحروب، مثل العراق وسوريا، والنموذج الذي يعكف الليبيون على تصميمه.
ختاما:
• إن تأثير هذه التغيرات والصراعات الدموية والحروب على التعاطي اليومي سيكون خطيرًا وكبيرا، ولأن التعاطي بين الأفراد والمجتمعات والمؤسسات يعتمد على الثقة والاحترام المتبادل، والذي ينخفض وربما يتبدد بسبب تدني مستوى الثقة خلال فترات الصراع، يظل واجبنا كأفراد وكيانات التواصل البناء لحل هذه الأزمات والمشكلات والتعاون المثمر، وإلا سنشهد المزيد من حدة التوترات والانفصالات.
• لتحقيق استقرار اجتماعي مستدام وسلام دائم بعد النزاع علينا تقويم سلوك الأفراد والمؤسسات، وتنفيذ أفضل الممارسات التي تعلي من قيم التسامح والتعايش وتكفل العدالة والتعافي الاجتماعي وتسهم في إعادة بناء المجتمعات المتضررة من الحروب والصراعات.
• ولئلا ينسحب الأمر ويتمدد حتى يتأثر التعاطي بين الأفراد والمؤسسات والنظام مع دول أخرى خلال فترات الصراع والحرب، علينا الشروع في وضع مشروع متكامل لأن ذلك قد يغير النهج السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني والإنساني بيننا وغيرنا، مما قد يؤدي إلى زيادة التوترات الإقليمية والدولية وتدهور العلاقات الدبلوماسية والتعاون بين السودان وجواره الإقليمي.
• إن تقويم سلوك الفرد والمجتمعات والمؤسسات خلال هذه الفترة العصيبة سيقود إلى نجاح أكيد في التعاون وبناء الثقة والمصالح المشتركة، ويمكن أن يساهم في استمرار الحوار وتشجيع العمل المشترك وتوفير الدعم النفسي والمجتمعي لاستقرار مستدام وتجاوز للصدمات.
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com