الأربعاء، 18 أكتوبر 2023

حرب السودان: سرقة مستقبل أطفالنا واستدانة ثرواتهم وتبديد ميراثهم

حرب السودان: سرقة مستقبل أطفالنا واستدانة ثرواتهم وتبديد ميراثهم

• مدخل:
ثلاث أخبار مرت مرور الكرام:
الأول: انخفاض أسعار الذهب في السودان.
الثاني: انهيار سعر الجنيه السودان في مقابلة الدولار.
الثالث: فتح مؤسسات التعليم في البلاد.
وهي مؤشرات تحذيرية من تضييع الوقت والمال والجهد وتبديد موارد البلاد وتهريب ثروات السودان، الأمر الذي يجعل مستقبل الأجيال اللاحقة في خطر، ويضيع فرص حصولهم على حياة كريمة.

• المقدمة:
١. بديهي جد أن موارد الدول من أهم العناصر التي تضمن تطورها وازدهارها، ومنها البلدان الفقيرة التي تعاني من الكثير من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية رغم ذخرها بالموارد، وإذا لم نتخذ إجراءات جدية لحماية وتنمية هذه الموارد، فإننا سنعرض مستقبل الأجيال اللاحقة للخطر ونهدر فرص النمو والتقدم المستدام، ونستدين مستقبلهم ونبدد ميراثهم دون تسديد ذلك الدين الهالك من العمر والموارد والمستقبل.
٢. وتعتبر الحرب اللعينة التي تدور رحاها منذ عقود في السودان من أكثر الكوارث الإنسانية القاسية التي شلت حياة الشعب وحطمت الأمل في المستقبل الآت، فضلاً عن الدمار والخسائر البشرية والآثار النفسيية، تترك الحروب أثارًا عميقة وخطيرة على الأجيال القادمة، فتصبح الفرص التعليمية والتطور التكنولوجي والتنشئة السليمة محدودة، ويعاني الأطفال والشباب من حرمانهم من الغذاء والدواء الضروريي، إن سلب الحرب لعمر الشعوب وحرمان الأجيال الناشئة يجب أن يستوجب توجيه المساءلة للمرتكبين الذين يسهمون في هذه الكارثة الإنسانية.

● شخصي المتواضع من جيل بددت الدكتاتورية ثلاثة عقود من عمره واستدانت موارده لإنشاء أكبر امبراطورية فساد وإفساد، وأنشطة دمرت عظم الدولة وأغرقتها في الديون وضيعت من عمرنا وقتا ثمينا من عمر الشعوب، الأمر الذي أخرنا من الأمم حولنا وجعلنا في ذيل قوائم النمو وعلى رأس قوائم الدول الفاشلة، والآن تتكرر أمامنا جرائم سرقة أو قل الاستدانة من مستقبل الأجيال القادمة، ونهب مواردهم وثرواتهم لتكون دينا هالكا يجعل منهم مدينون للعالم بأعمارهم وصحتهم وتعليمهم وثرواتهم وميراثهم، ولهذه الجريمة عدة قرائن نعدد منها الآتي:

• أولا: التهريب وتضييع الموارد، لأن ما نراه من عمليات تبديد وتهريب يومي لموارد البلاد الفقيرة المعوزة وتكرار العديد من الأفعال المشينة، مثل الفساد والرشوة وسوء الإدارة، وتدفق نفايات المنطقة من بضائع رخيصة وإغراق أسواقنا بالمنتجات المخالفة للمقاييس، هذه الأفعال تتسبب في خسارة ثروات البلاد وتجعلها غير قادرة على استثمارها في تنمية البنى التحتية وتحسين مستوى التعليم والصحة للأجيال القادمة، ومما يؤثر سلبًا على حياة المواطنين ومؤسسات البلاد.

• ثانيا: سرقة طموح مستقبل الأجيال اللاحقة، وإن ما يتم من تدمير للبنى التحتية والتكنولوجية والتعليمية والصحية والصناعةي وما لحقه من تضييع وتهريب الموارد يؤثر بشكل كبير على مستقبل الأجيال اللاحقة، ويعد بمثابة سرقة للطموح، حيث يفقدهم فرصة الاستفادة من هذه الموارد في تحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم ويضيع فرص تحسين مستوى حياتهم، لأنه إذا لم يتم استثمار هذه الموارد بطريقة صحيحة، فإن الشباب لن يجدوا فرص تعليم أو عمل كافية ولن يتمكنوا من تحقيق تطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية ويفقدوا الرغبة في الحياة برمتها.

• ثالثا: إعاقة النهوض وعرقلة تطور وتقدم السودان: بعد خروج السودان من نفق العقوبات والقوائم السودان، والدول المثقلة بالديون، وانفتاحه للاستثمار العالمي والإقليمي، وبروز فرص لحفظ ثروات أجيال المستقبل بالتوسع في الانتاج الزراعي، لم يعجب الأمر كثير من الدول الخارجية وعملاءها في الداخل، ليمهدوا الطريق لتلك الدول فتعمل على تضييع وتهريب مواردنا ونظل في قاع العالم وتبقى دولتنا في ذيل الأمم وتفتقر إلى التقدم والتطور، فنحرم من الاستثمار وإذا لم تستثمر البلدان المحرومة ثرواتها في تحسين البنية التحتية وتوفير فرص عمل وتعليم جيد، فإنها ستبقى تعاني من الفقر والتخلف وانغماس الأجيال القادمة في قاع الجريمة والتطرف، وبالتالي فإن تضييع وتهريب هذه الموارد يؤثر بشكل سلبي على هذه البلدان ويمنعها من النهوض والنمو.

• رابعا: إهمال وإغفال حماية وتنمية الموارد: معلوم أن الدول الحريصة تضع جدر حماية وسياج آمن لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة ولمنع تضييع وتهريب موارد البلاد، وتتخذ الإجراءات اللازمة، وتعمل الحكومات على تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتعزيز سياسات التنمية المستدامة، علاوة على ذلك تعمل المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي على دعم البلدان الفقيرة وتعزيز التعاون الدولي في مجال استعادة الأموال المنهوبة، وهو الأمر الذي وقفت ضده بشدة عصابة إنقلاب أكتوبر 2021م وأجهزت عليه حرب إبريل 2023م، الأمر الذي جعل جماعات التهريب تتعامل مع عمق مؤسسات الدولة وتصل إلى أعلى هرمها وتستخدما مقراتها ومرافقها ومطاراتها السيادية لتهريب الموارد تحت مسمع ومرأى وحماية السلطات.



• خامسا: التسبب في تفاقم الأضرار التعليمية: معلوم أن المنظومة التعليمية في السودان لمختلف المراحل كانت متداعية، إلا أن الحرب صارت أبرز العوائق التي تحول دون حصول الأجيال القادمة على التعليم المناسب، فالتدمير الشامل للبنية التعليمية ونزوح الأسر جعل الوصول إلى التعليم صعبًا أو حتى مستحيلًا في الكثير من الحالات، ورغم أن التعليم هو الأساس الذي يمكن من خلاله بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة، إلا أنه تعذر عليهم الوصول إلى التعليم المناسب، ما سيجعل لديهم فجوة هائلة في المعرفة والمهارات، وهو ما يقيّد قدراتهم على المنافسة والتعاطي مع سوق العمل المتطور.

• سادسا: الحرب على المرافق وتدمير البنى التحتية وإعاقة التطور التكنولوجي، أجهزت الحرب بصورة عامة على البنى التحتية المتطورة وهياكل المستقبل وأحدثت تباطؤًا وتراجعا كبيرا في التطور التكنولوجي، والتي كانت في الأساس تحتكر وتعطى الأولوية فيها للنماء العسكري والمجهود الحربي عوضا عن التنمية وإعادة البناء، وبالتالي أُهمل قطاع التعليم والبحث والابتكار الذي يحمل مفتاح التقدم العلمي والاقتصادي والتنموي. لذلك، تم تضحية بتطوير التكنولوجيا والإبداع لصالح التسلح والدفاع، مما حال دون استفادة الأجيال القادمة من الوقت والتطورات التكنولوجية الحديثة وحرمهم من الاستفادة من الفوائد الاقتصادية التي يمكن أن توفرها الأوضاع المستقرة.

• سابعا: حرمان الأطفال من التنشئة السليمة: الحرب تسببت في انهيار الهياكل الاجتماعية وفتت الأسر وشظت العوائل والكيانات الأهلية، وبالتالي لها تأثير سلبي على التنشئة السليمة للأطفال، لأن منازل الأطفال دمرت وتركوا بدون مصادر الدعم والرعاية الأساسية، فوجد الأطفال أنفسهم في بيئة غير مستقرة تعج بالعنف والخوف والاستغلال، مما أثر على صحتهم العقلية والعاطفية ونموهم الشامل وربما جعل منهم جانحين مستقلا.

• المطلوب عاجلا: ضرورة التصدي الجماعيي والمساءلة: من أجل الحيلولة دون سرقة فرص الأجيال القادمة وحماية مستقبلهم، يتعين علينا التصدي لهذه الحرب اللعينة ووضع حد لها بأعجل ما تيسر، وأن يكون هناك التزام صارم وقوي بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الحربية والانتهاكات الإنسانية، وأن تنشط هيئات شعبية ورسمية وإقليمية ودولية لحراسة مستقبل هؤلاء الشباب والأطفال، علاوة على ذلك علينا دعم البرامج التعليمية والتكنولوجية والاجتماعية عبر تلك الهيئات الإقليمية والدولية التي تهدف إلى تعزيز التعليم والتنمية في البلدان المنكوبة.

• الخاتمة: 
• إن تضييع وتهريب ثروات البلدان يشكل تهديداً كبيراً لمستقبل الأجيال اللاحقة ويمنعها من الاستفادة من فرص التقدم والنمو والتطوير، واجب الحكومات والمجتمع الإقليمي والدولي التعاون لحماية الموارد السودانية والتصدي للفساد والتهريب والجرائم المترتبة عليه، ونحن بحاجة إلى جهود مشتركة لإنهاء هذه الحرب واستعادة الاستقرار لضمان التنمية المستدامة والعدالة الاقتصادية والاجتماعية لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة ولتمكينهم من مجابهة التحديات والتقدم نحو التطور.
• و تحذيرًا من آثار الحروب على مستقبل الأجيال القادمة، يجب علينا أن نعمل على اجتثاث كافة مسببات الصراعات في السودان وتعزيز السلام والأمان وبث روح التسامح والحوار والتعايش بيننا جميعا، وأن نتعاون معًا بأقصى قدر ممكن ونسابق الزمن لتوفير التعليم والتكنولوجيا والبيئة الصحية والاجتماعية السليمة التي تضمن للأطفال والنشء في بيئة آمنة ومحفزة ونمنع ونردع كل من ياحاول الاستدانة من أعمارهم أو مواردهم أو موروثاتهم أو ثرواتهم، لإن الاهتمام بمستقبل الأجيال القادمة يعني الاستثمار فيهم وتوفير الفرص الضرورية لتنمية قدراتهم وإمكاناتهم، ونحن بهم نحجز مقعدنا في المستقبل وبدونها ننتظر مستقرنا المحتوم في قاع الأمم.


عروة الصادق
١٨. أكتوبر . ٢٠٢٣م 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔
Orwaalsadig@gmail.com