الجمعة، 25 أكتوبر 2024

ذكرى إنقلاب أكتوبر ومستقبل ضباط القوات المسلحة

ذكرى إنقلاب أكتوبر ومستقبل ضباط القوات المسلحة

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● مثلما يعيش الشعب السوداني حالة من التنكيل والاغتيالات والانتهاكات والتعذيب والبطش والحرق والقصف والاعتقال، وتعيش القوى السياسية حالة من التشريد والتهديد والوعيد، يعيش ما تبقى من ضباط القوات المسلحة السودانية في ظل تهديد مستمر لأمنهم الوظيفي والمستقبلي، وذلك بسبب سياسات التصفية والإحالة للتقاعد والإقالة التي تنتهجها قيادة التنظيم الإخواني المسيطرة على مفاصل الجيش منذ تسعينيات القرن الماضي.

● لقد أثبتت الأحداث المتتالية أن هذه القيادة الإخوانية الدموية المتعطشة للموت والقتل لا تتردد في التخلص من أي ضابط يشكل تهديدًا لمصالحها الضيقة أو يختلف معها في الرأي أو انتهت صلاحية استخدامه، وهذا دأبهم منذ أن بدأوا بالتخلص من الزبير محمد صالح وانتهوا بالفريق إبراهيم نايل إيدام، وحديثا بعد أن تمكنت تلك القيادة الإخوانية من تحديد بديل المخلوع عمر البشير ومن بعده الفريق عوض ابن عوف وإقالة وتعيين جنرالات المجلس العسكري الانتقالي، واصلت هذه القيادة مسلسل التطهير بحجة واهية وذلك انحناء لعاصفة الثورة وحكومة الفترة الانتقالية.

أبرز عمليات الأبعاد الحمائي أو الإقالة أو الإحالة للتقاعد أو التصفية التي نفذتها القيادة الإخوانية كانت إقالة مؤيدي الفريق هاشم عبد المطلب، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2019م، تم التخلص من جميع الضباط الذين أيدوا الفريق هاشم عبد المطلب أو كانوا على علم بها وشاركوا فيها.

- ثم تم التخلص من الضباط الذين شاركوا في فض الاعتصام، وذلك لتجنب أي مساءلة قانونية قد تطالهم، وبعضهم تم ابتعاثه لملحقيات أمنية وعسكرية خارجية.

- في محاولة انقلاب بكراوي تم التخلص من الضباط الذين شاركوا في الانقلاب، وذلك خوفًا من تورط القيادة الإخوانية في التخطيط له في سبتمبر 2021م، وشكلوا تحت الضغط محاكمة صورية لبعض الضباط تم الإفراج عنهم في أول أيام الحرب وتسليحهم للانخراط في معركتهم.

- أما انقلاب أكتوبر 2021م الذي تم الترتيب له بمعاونة السدنة من المدنيين وبعض القيادات الأهلية ورجالات الدين، فقد تم التخلص من الجنرالات الذين نفذوا انقلاب أكتوبر 2021م، وأول من أقالوه مسؤول الاعتقالات في الاستخبارات المضادة وأمين عام وزارة الدفاع، وكل الضباط الذين شاركوا في لجنة تفكيك نظام الثلاثيين من يونيو، وذلك لضمان بقاء القيادة الإخوانية في مفاصل الجيش والهيمنة على السلطة.

● أقول لمن تبقى من ضباط مستخدمين في هذه الحرب التي قال عنها قائد الجيش أنها (عبثية): "إن ما يحدث الآن هو محاولة ممنهجة لتطهير الجيش من أي عناصر حرة ومهنية ووطنية أو مستقلة، واستبدالها بعناصر موالية للتنظيم الإخواني وكتائب تم تخليقها في كنف ومرافق ومؤسسات القوات المسلحة ... لذا فإن على جميع الضباط الحذر الشديد والانتباه إلى تحركات هذه القيادة الخبيثة، والعمل على حماية أنفسهم ومؤسستهم العسكرية من هذا الخطر الداهم، الذي شرد زملاءهم وأدخل المؤسسة في تجارة الممنوعات وتهريب ثروات البلاد للخارج ووضعها في قوائم الملاحقات الدولية.

● على الضباط السودانيين الذين أحيلوا للمعاش أو التقاعد أو هاجروا فرارا من الحرب بأسرهم إلى دول جارة وشقيقة وأخص المهنيين، وليس الانتهازيين الفاسدين الملطخين بدماء فض الاعتصام أو ولغوا في انقلاب أكتوبر أو شاركوا في نهب وتهريبوات البلاد وتجارة الممنوعات، عليهم جميعا:
* التوحد والتكاتف لمواجهة هذا الخطر، والعمل على حماية مصالحهم المشروعة.
* المستمر فيما بينهم، وتبادل المعلومات والآراء حول الأوضاع الراهنة.
* اجتراح حلول جذرية لهذه الأزمة، سواء من خلال الحوار مع القيادة الحاكمة أو من خلال اتخاذ إجراءات أخرى.
* حماية جميع الوثائق التي تثبت براءتهم، والتي قد تستخدم ضدهم في المستقبل.

● إن ادعاءات بقاء القوات المسلحة السودانية كمؤسسة وطنية قوية وربط ذلك باستمرار الحرب محض افتراء، السلام وحده هو شرط أساسي لاستقرار البلاد وازدهارها وهو الطريق الوحيد لاستعادة الجيش المختطف وبناء مؤسسة مهنية وطنية موحدة، لذا فإن على كل مهني انتسب لهذا الجيش وتزيا بزيه في يوم من الايام كان أو لا زال في الخدمة تحمل مسؤولياتهم التاريخية والعمل على حماية هذه المؤسسة من أي محاولات لتدمير
● ختامًا: كلمتي هذه تذكير للفريق ياسر العطا الذي قال لي يوم أن نبهت البرهان أنه سيكون ضحية التنظيم الاخواني حال عودته، جزم ياسر باستحالة عودة الإسلامويين للحكم ، ولكنه عادوا وأحاطوا بياسر إحاطة السوار بالمعصم، وهيمنوا على قيادة الجيش ومكاتبهم ومرافق المؤسسة ووحداتها الادارية والخدمية والاستخباراتية واللوجستية والعملياتية ومناطقها العسكرية وأكاديمياتها، وقولي هذا هو آخر جرس إنذار للضباط المهنيين في القوات المسلحة السودانية وابشرطة والأمن (خدمة، ومتقاعدين، وفارين من الحرب)، أحذرهم من الخطر الداهم الذي يهددهم ويعصف بمستقبل البلاد، وعلى الجميع أن يتكاتفوا لإنقاذ ما تبقى مؤسستهم العريقة من براثن الفساد والتدخل السياسي ﴿فَسَتَذۡكُرُونَ مَاۤ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِیۤ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِیرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤].

الأربعاء، 23 أكتوبر 2024

مصر و"التقليب" في الأزمة السودانية

مصر و"التقليب" في الأزمة السودانية

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● لا زالت تشهد الأزمة السودانية تحولات خطيرة وتعقيدات كبيرة وأحداث مثيرة، إذ تتراجع كافة الأدوار الإيجابية للأطراف الإقليمية والدولية وخاصة الدور السعودي الأمريكي في جدة وجنيف، وتتجه الأمور نحو تصعيد خطير على الأرض، ومن جهة أخرى تلعب مصر دورًا محوريًا في هذه الأزمة، ولكن دورها يثير العديد من التساؤلات حول أهدافها الحقيقية، خاصة في ظل اتهامها مؤخرا بالتدخل في الشأن السوداني واعتقال قادة المعارضة.

أولًا: كانت مصر تلعب دورًا إيجابيًا في محاولات حل الأزمة السودانية باجتراحها لمنبر الجوار السوداني والذي كان بمثابة مبادرة ضمت حتى المتناقضين كإثيوبيا وإريتريا، ونالت جزاء لذلك دعما دوليا سخيا لاستضافتها الفارين من السودان جراء الحرب، لم تنله تشاد التي استضافت أعدادا تفوق من استضافتهم مصر، وكما يقولون (قلبت) مصر الأسرة الدولية والإقليم باسم السودان أموالا طائلة دون أن تفتح معسكرا واحدا أو مركزا خدميا للاجئين، ولكن هذا الدور أيضا شهد تراجعًا ملحوظًا ووأداً للمبادرة (جوار السودان) في مهدها لأنها أتت ضرارا لمنبر جدة ومبادرة الإيقاد، وبدأت مصر تتبنى مواقف انحيازية أكثر حزبية، وتدعم طرفًا على حساب الآخر، مما أدى إلى تعقيد الأزمة وزيادة حدة التوتر.

ثانيًا: مصر بدت نشطة جدا في التدخل السافر في الشأن السوداني، وذلك من خلال:
* تقليم أظافر المؤسسة العسكرية لصالح جنرالات موالين لمصر بضحها وضحيحها، منذ محاولة انقلاب عميدها بكراوي المدعوم من القاهرة في سبتمبر 2021م.
* اعتقال قادة القوى المدنية أو ما يمكن تسميته إقامة جبرية وفق (متلازمة القاهرة) القاهرة لكل أولئك، إذ تقوم مصر باعتقال كل المدنيين وقادة المجتمع باختيارهم، ومنعهم من حرية دخول ومغادرة أراضيها والعودة، مما يعيق أي محاولة للحوار والتسوية مع من هم خارج مصر بدون رضى السلطات المصرية.
* فرض رؤيتها على العملية السياسية وهي تجهز لليوم التالي للحرب تسعى مصر إلى فرض رؤيتها الخاصة على العملية السياسية في السودان، دون مراعاة لمصالح الأطراف الأخرى.
* تقييد حريات الأحزاب السياسية التي صار نشاطها في مصر مقتصرا على الأنشطة الاجتماعية أتراحا في المساجد أو أفراحا في الصالات، وتمارس مصر ضغوطًا كبيرة على الأحزاب السياسية السودانية، خاصة حزب الأمة القومي، وتحد من حريتها في اتخاذ القرارات أو مزاولة نشاطها فلا زال انعقاد المكتب السياسي المركزي للحزب معلقا بمنح ومنع السلطات المصرية أذونات الحضور والإقامة والموافقات الأمنية لأعضاء المكتب السياسي.

ثالثا: خلاصة القول أن الأزمة السودانية تراجعًا في الدور الإيجابي للأطراف الإقليمية والدولية أيضا، فمثل المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية والإمارات والبحرين والاتحاد الأفريقي والإيقاد، أطراف بدأت بحماس شديد للتدخل في حل النزاع، وهذه الأطراف بدأت تتبنى مواقف أكثر حيادية أو انحباز ودعم لأحد الأطراف كدعم الامارات للدعم السريع ودعم وزير خارجية رئيس الإيقاد دولة جيبوتي للجيش، مما أضعف فرص الحل السلمي للأزمة.

رابعا: تتجه الأزمة السودانية نحو تصعيد خطير على الأرض، وذلك بسبب التالي:
* تعميق الانقسامات بواسطة المحاور الخارجية وأجهزة الأمن والاستخبارات السودانية، ومعلوم أن التدخل الأجنبي يقود للتدجين وتعمق الانقسامات السياسية وإلى زيادة حدة الصراع.
* كما أن تفاقم الأزمة الإنسانية شكل عبئا على الجميع في الداخل والإقليم والعالم، وسيظل يعاني الشعب السوداني من أزمة إنسانية حادة، تهدد استقرار المنطقة بأكملها، في ظل عجز تام عن تقديم يد العون له وتسهيل انسياب المعونات وحماية المدنيين.
* يظل تهديد السلم والأمن الإقليميين ماثلا في ظل احتدام الصراع في السودان، وسيقود استمرار الأزمة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتهديد السلم والأمن الإقليميين في منطقة البحر الأحمر وشمال وشرق ووسط إفريقيا.

خامسا: لتجاوز هذه الأزمة، يجب على الجميع محليا وإقليميا ودوليل العمل بعيدا عن أحندة خلاف تحقيق السلام للسودانيين واتخاذ إجراءات وتدابير:
* تمنع جميع الأطراف الخارجية وتوقف التدخل في الشأن السوداني، والسماح للشعب السوداني بتحديد مصيره بنفسه، وأن يتم دعم صيغة موضوعية للحوار الشامل بين جميع الأطراف السودانية الرافضة للحرب والداعية لإيقافها، للتوصل إلى حل سياسي للأزمة.
* وعلى الجميع تجنب الحديث عن تقاسم السلطة والثورة والمضي نحو صيغة متوافق عليها عن كيف يحكم السودان؟ وليس من بحكمه؟ بوضع ضوابط تمنع من ولغ في دماء السودانيين وانقض على ثورتهم ونهب ثروتهم، وتحرم وتجرم كل خطابات الكراهية والمحرضين وتبعدهم من تولي أي مسؤولية سياسية في البلاد، حينها سيسهل الاتفاق على إدارة البلاد وتقاسم مواردها وتوزيع السلطة والثروة بين جميع الأطراف السودانية بما يحقق التوازن، وبما يضمن تمثيل جميع المكونات الاجتماعية والسياسية والقوى المهجرية والنازحين واللاجئين والنساء والشباب وغيرهم.

● ختاما: إن أي حديث خلا ما قيل أو استمرار لتجاهل الصراع في السودان سيدفع ثمنه الإقليم والعالم أضعاف ما دفعه السودان من أثمان فقنبلة البارود شديدة التفجيرة وقتت ساعتها وكل يوم يزيد شحنها بالتسليح والدعم وخطابات التحريض والتعبئة والكراهية والتطرف، وما يتفاقم تبعا لذلك من أوضاع كارثية إنسانية وصحية يتطلب تضافر الجهود الدولية والإقليمية لحلها بقبلة الحياة الأخيرة للسودان، وينبغي على جميع الأطراف المعنية التحلي بالحكمة والمسؤولية، والعمل من أجل تحقيق السلام والاستقرار في السودان، وإلا فستأكل نار السودان الجيران وما حولهم، وتحيل خضرتهم رمادا.

● همسة أخيرة: لتجنب احتكار القرار السياسي والمصيري للسودان على كل قادة الشأن السوداني مغادرة دولتي مصر والامارات لدول تكفل لهم حرية الحركة والتنقل والتعبير والنشاط ولا تتحكم في قرارهم، و سجن لسجن فالسودان أولى وأرحب.

تنبيه: هذا المقال لا يعبر بالضرورة إلا عن رأي كاتبه.

الأحد، 20 أكتوبر 2024

انقلاب نوفمبر وثورة أكتوبر.. إسقاط على حالنا اليوم!!!

انقلاب نوفمبر وثورة أكتوبر .. إسقاط على حالنا اليوم!!


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

توثق الأيام الحالية نموذجا مستنسخا لتاريخ السودان قبل وبعد انقلاب 17 نوفمبر 1958م، في حالة النظر بعين فاحصة والتركيز على الأحداث السياسية التي أدت إلى الانقلاب وقتئذ وعواقبه، وإذا قرأنا بحياد روايات وشهادات مختلفة حول الأسباب والدوافع وراء الانقلاب، بالإضافة إلى ردود الفعل الشعبية والسياسية عليه، سنجد أننا نكرر قراءة وتطبيق صفحات التاريخ وقع الحافر بالحافر والانقلاب بالانقلاب والحرب بالحرب.

"في ليلة 17 نوفمبر 1958م، أطلقت رصاصة الإنقلاب رصاصة الرحمة على حلم سوداني بالديمقراطية، ففي لحظة تاريخية حاسمة، استبدل العسكر بالمدنيين في سدة الحكم، معلنين بذلك بداية فصل جديد من تاريخ السودان، فصلٍ شهد صراعات طويلة وحروبًا أهلية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا فشلت التجربة الديمقراطية الوليدة؟ وهل كان هذا الانقلاب حتمياً أم أنه كان مجرد فصل في مسلسل طويل من الانقلابات التي شهدتها البلاد؟"


نعم شهد السودان في أعقاب الاستقلال فترة من الاضطرابات السياسية والصراعات الحزبية التي أضعفت مؤسسات الدولة وهددت استقرارها، ةهذه الأوضاع المتأزمة، التي تفاقمت مع مرور الوقت، مهدت الطريق لانقلاب 17 نوفمبر 1958م، وكانت الصراعات الحزبية وتشكل الحكومات الائتلافية
بعد الاستقلال، شهد المشهد السياسي السوداني صراعات حادة بين الأحزاب السياسية الرئيسية، أدت هذه الصراعات إلى تشكيل حكومات ائتلافية هشة، عجزت عن تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، فشلت هذه الحكومات في معالجة القضايا الملحة التي تواجه البلاد، مثل الفساد والبطالة والتفاوت الإقليمي.

وقد تزايد التوتر السياسي وظهور الدعوات للإصلاح
مع تزايد الاحتقان السياسي، بدأت تظهر دعوات للإصلاح السياسي وتغيير النظام الحاكم، وزادت حدة التوتر بين الأحزاب السياسية، وظهرت حركات احتجاجية تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية ومحاربة الفساد، إلى أن عنت محاولة الانقلاب الأولى وجاءت في أعقابها رسالة مهمة للسيد الصديق المهدي، فقد شهدت البلاد في عام 1957 أول محاولة انقلاب عسكري، مما أظهر هشاشة الوضع الأمني وتزايد الاستقطاب السياسي، في محاولة لتجاوز هذه الأزمة، قدم الإمام الصديق المهدي مقترحات لحل الأزمة السياسية، شملت تأجيل انعقاد البرلمان وتشكيل حكومة قومية، إلا أن هذه المقترحات لم تلقَ القبول الكافي من جميع الأطراف، وحينها فشلت المفاوضات وتعمق الأزمة، وبالتالي أجهضت كل المحاولات المتكررة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، مما أدى إلى تعميق الأزمة السياسية، وزادت الخلافات بين الأحزاب السياسية، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية، مما زاد من معاناة المواطنين.

ومن أخطر أسباب فشل التجربة الديمقراطية الأولى ضعف المؤسسات المدنية وكذلك كانت المؤسسات السياسية والقضائية ضعيفة، مما سهل التدخل العسكري في الشأن السياسي، وقد أدى الاستقطاب الحزبي الشديد إلى عرقلة عملية التنمية السياسية، فيما لعبت القوى الخارجية دوراً في تأجيج الصراعات الداخلية في السودان، وقاد تفشى الفساد في مؤسسات الدولة، لإضعاف الثقة في النظام الديمقراطي، وتدخلت دول جارة في تنسيب وعمل القوات المسلحة السودانية بصورة سافرة.

لذلك نجد أن الأحداث التي سبقت انقلاب 17 نوفمبر 1958م تكشف عن أسباب فشل التجربة الديمقراطية الأولى في السودان، فغياب الإرادة السياسية لدى القادة، والتدخلات الخارجية، والفساد، والاستقطاب الحزبي الشديد، كلها عوامل ساهمت في خلق بيئة خصبة للانقلابات العسكرية، بالإضافة للوضع السياسي المتأزم والصراعات الحزبية، فقد شهدت البلاد بعد الاستقلال نشاطاً حزبياً مكثفاً، إلا أن هذا التعدد لم يترجم إلى استقرار سياسي، بل أدى إلى صراعات حادة بين الأحزاب على السلطة والمناصب.

كما أن الحكومات الائتلافية الهشة التي تشكلت من قوى متعددة، عانت من ضعف التماسك والصراعات الداخلية، مما أضعف قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة، الأمر الذي قاد لغياب الاستقرار السياسي وفاقمت الصراعات الحزبية المتكررة عدم الاستقرار السياسي، مما أثر سلباً على الاقتصاد والمجتمع، وخلق حالة من الرفض السياسي والاذعان لعسكرة الحكم.

وقد فشلت الحكومات في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وأهم تلك القضايا مسألة الجنوب التي ظلت دون حل، مما زاد من حدة التوترات داخل البلاد، واعتبر الجيش نفسه الحامي للأمن والاستقرار والوصي الأوحد في البلاد، مما دفعه للتدخل في الشأن السياسي في عدة مناسبات، وكان لدى بعض القادة العسكريين طموحات سياسية، ورغبوا في تولي السلطة.

كما أن خيبة الأمل الشعبية في النظام الديمقراطي ساهمت في شعور الكثير من السودانيين باستياء من أداء الحكومات المدنية، مما زاد من استعدادهم لقبول الانقلاب، وقد حظي الانقلاب بدعم من بعض القوى السياسية التي رأت فيه حلاً للأزمة السياسية.

وقد أثار الانقلاب ردود فعل متباينة في الشارع السوداني، فرحبت به بعض القوى السياسية التي كانت تعارض الحكومة السابقة، بينما عارضه آخرون واعتبروه خيانة لحالة الثورة والشعور بالاستقلال، كما تباينت ردود فعل المجتمع الدولي، حيث أدانته بعض الدول، بينما تعاملت معه دول أخرى بحذر.

في خضم التعبئة المناهضة للانقلاب وتزايد موجاتها شهدت جامعة الخرطوم أحداثاً دامية في أعقاب الانقلاب، حيث قُتل الطالب أحمد قرشي خلال مظاهرة احتجاجية على النظام الجديد، أدى هذا الحادث إلى تصعيد التوتر بين الطلاب والحكومة، وزاد من حدة المعارضة للنظام العسكري.

وقد شهدت البلاد موجة من الإضرابات والمظاهرات الشعبية المطالبة بإسقاط النظام العسكري وإعادة الحكم المدني، قمعت السلطات هذه المظاهرات بعنف، مما أدى إلى سقوط المزيد من الشهداء والجرحى.

استمر النظام العسكري في الحكم حتى عام 1964م، عندما أطاح به ثورة شعبية عرفت بثورة أكتوبر، كانت هذه الثورة نتيجة لتراكم الغضب الشعبي ضد النظام العسكري منذ الانقلاب، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

نعم! أدى الانقلاب إلى تراجع الديمقراطية وحقوق الإنسان في السودان، حيث تم حظر الأحزاب السياسية وتقييد الحريات العامة، وعانى الاقتصاد السوداني من تدهور كبير خلال فترة حكم النظام العسكري، بسبب سوء الإدارة والفساد، وأدى الانقلاب إلى تفاقم الصراعات الإقليمية، خاصة في الجنوب، مما أدى إلى اندلاع حرب أهلية طويلة، وحينها شكل الانقلاب نقطة تحول في الهوية الوطنية السودانية، حيث أدى إلى تراجع الشعور بالوحدة الوطنية وتزايد الانقسامات الاجتماعية والسياسية، هل نحن بصدد تكرار الأمر؟؟

منذاك شكل انقلاب 17 نوفمبر 1958م نقطة تحول حاسمة في مسار السودان التاريخي، حيث أطاح بالحكم المدني وأسس لنظام عسكري استمر لسنوات، ترك هذا الانقلاب آثاراً عميقة على مختلف جوانب الحياة السودانية، والتي لا تزال آثارها بادية حتى يومنا هذا، فقد أدت الانقلابات المتكررة في السودان، بدءًا بانقلاب 1958م، إلى خلق بيئة سياسية غير مستقرة، مما أثر سلبًا على عملية التنمية، فقد أدت هذه الانقلابات إلى تراجع الاستثمار المحلي والأجنبي بسبب عدم الاستقرار السياسي وعدم اليقين بشأن المستقبل، وهجرة الكفاءات السودانية إلى الخارج بحثًا عن فرص عمل أفضل واستقرار سياسي، وتركز الحكومات العسكرية على الصرف على أجهزتها الأمنية، مما أدى إلى إهمال البنية التحتية والخدمات الأساسية.

فاقمت الانقلابات العسكرية من الصراعات الداخلية في السودان، سواء كانت سياسية أو قبلية أو إقليمية. أدت هذه الصراعات لتعميق الانقسامات بين مختلف المكونات السودانية، مما أضعف الوحدة الوطنية، وزيادة موجات من العنف والاضطرابات، مما أدى إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وتدهور الأمن والاستقرار في العديد من المناطق، مما أدى إلى انتشار الجريمة والعنف.

تسببت الانقلابات العسكرية في تفاقم مشكلة الجنوب، حيث شعرت الأقلية الجنوبية بالتهميش والاستبعاد. أدى هذا إلى تصاعد المقاومة المسلحة في الجنوب، والتي تطورت لاحقًا إلى حرب أهلية طويلة وشهد السودان خلال فترة الحكم العسكري تراجعًا كبيرًا في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتم حظر الأحزاب السياسية والقوى المدنية، وقمع المعارضة، واعتقل الآلاف من النشطاء السياسيين.


استمر الأمر كذلك إلى أن شهد السودان في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1964م ثورة شعبية عارمة أطاحت بالنظام العسكري الذي استولى على السلطة بانقلاب عام 1958م، كانت هذه الثورة بمثابة فجر جديد للشعب السوداني، حيث حملت آمالاً عريضة في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

في قلب هذه الثورة، برز اسم الشهيد أحمد القرشي، الذي قدم روحه فداءً للوطن، كان القرشي طالباً جامعياً شاباً، يتمتع بحس وطني عالٍ وشجاعة فائقة، استشهد وهو يؤدي واجبه الوطني في الدفاع عن حريته وحقوق شعبه.

عندها لعب الطلاب الجامعيون دورًا محوريًا في اندلاع الثورة، حيث كانوا في طليعة المقاومة ضد النظام العسكري. وقد استشهد العديد من الطلاب خلال الأحداث، وكان الشهيد أحمد القرشي أول الشهداء.

نادت الثورة وقتها بإسقاط النظام العسكري، والتخلص من الحكم العسكري وإعادة السلطة إلى الشعب، وإقامة نظام ديمقراطي وبناء نظام يضمن حقوق وحريات المواطنين، وحل مشكلة الجنوب بصورة شاملة وعادلة ودائمة، بالإضافة 
لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ورفع مستوى معيشة المواطنين وتوفير الخدمات الأساسية.

وفعلا أنتجت الثورة بعض مراميها، ونجحت في إسقاط النظام العسكري وإعادة السلطة إلى المدنيين، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وعادت الحريات العامة، وتم تأسيس أحزاب سياسية جديدة، وبدأ حوار بين الشمال والجنوب لحل مشكلة الجنوب.


رغم أن السودانيين استنسخوا ذات التجربة الثورية الأولى في إبريل 1986م، وديسمبر 2018م، إلى أن ذات التحديات التي أجهضت ثورة أكتوبر لا زالت ماثلة تواجه الثورة السودانية، وهي عدم الاستقرار السياسي، الذي قاد وسيقود لانقلابات عسكرية جديدة، واستولاد مشكلة الجنوب في أقاليم جديدة، الأمر الذي أدى تاريخيا إلى اندلاع حرب أهلية طويلة، واستنساخ ذات الأمر ليعم كل ربوع السودان في 2023م، وقد واجهت البلاد ولا زالت تحديات اقتصادية كبيرة، مثل الديون الخارجية والفقر والبطالة، أضف إليها أطماع دول جارة وشقيقة في ثروات وموارد السودان.


ختاما: من لا يتعبر من ماضيه لن يتعلم وستظل ثورة أكتوبر علامة فارقة في تاريخ السودان، وهي مصدر إلهام للأجيال القادمة، ومثلما قدم الشهداء، وعلى رأسهم الشهيد أحمد القرشي، تضحيات جسام من أجل الوطن أتى من بعده جيل جديد من الشهداء، وأجيال متناسلة من المناضلين السلميين فاقت أعدادهم الملايين، لذا علينا جميعًا أن نحافظ على إرثهم ونستلهم من نضالهم، ونقطع دابر الأنظمة الشمولية والدكتاتوريات .. لأن الحرب الحالية هي ثمرة انقلاب أكتوبر 2021م، والذي سينتهي أمده ويجتث قادته وتنطوي صفحته باتباع خطوات الثورة وعدم الركون لأي من طرفي الحرب وعدم دعم العنف كوسيلة لاسترداد الحقوق، فالسلمية وحدها والحلول التفاوضية هي التي تحقق استدامة الاستقرار.
لذلك واجبنا عدم استنساخ التجارب الفاشلة وتكرار نماذج تحالفاتنا الشائهة والمعطوبة وعدم ركون المدنيين منا للعسكر، فكل هذا يعني الحرب وعودة العسكر للسلطة والموت الزؤام للسودانيات والسودانيين.

السبت، 19 أكتوبر 2024

لجان تفكيك قرارات التفكيك

لتقييم مشروعية قرار رئيس القضاء السوداني المكلف بتشكيل لجنة لمراجعة قرارات لجنة التفكيك، نجد أنه ليس لرئيس القضاء السلطة القانونية لتشكيل مثل هذه اللجنة، ولا ينص قانون التفكيك ولا أي من القوانين السودانية على صلاحيات لرئيس القضاء في هذا الشأن، وليس هناك نصوص قانونية تسمح له بالتدخل في قرارات لجنة سبق تشكيلها من مجلس السيادة المحلول منذ انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، وقد جمد البرهان تكوين لجنة استئناف قرارات التفكيك واستعاض عنها بلجنة سابقة والغرض من هذا التكوين الجديد إعادة النظر في تلك القرارات لأسباب سياسية أو اقتصادية، فالحوجة كبيرة لتسييل عقارات ومؤسسات مالية تم استردادها لصالح وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي وهناك عقبات حجز وتجميد تحول دون التصرف فيها، ويظن رئيس القضاء أنه بهذه اللجنة يمكن أن يصدر قرارات بمرجعية قضائية تكون نهائية لإرجاع الأصول والأموال المستردة لصالح التنظيم المحلول.

توقيت هذا القرار زمانا ومكانا يؤكد أن سلطة الأمر الواقع في بورتسوظان تتخذ القرارات القضائية والإدارية تأثرا وتأثيرا على الظروف السياسية السائدة، ووضع الحرب، وعودة رئيس القضاء لتشكيل لجنة جديدة بعد تجربة سابقة برئاسة أبو سبيحة تؤكد أن هناك تغير في الأولويات السياسية أو الاقتصادية للدولة، مما يستدعي إعادة النظر في بعض القرارات السابقة، وتسريع استعادة منهوبات الحزب المحلول لقيادته التي عادت للبلاد وهناك ضغوط سياسية من جهات مختلفة لإعادة النظر في قرارات لجنة التفكيك، كما أن هناك اعتقاد بأن لجنة أبو سبيحة ارتكبت بعض الأخطاء الإجرائية التي تستدعي تصحيحها وترقيعها وهناك رغبة في إعادة النظر في بعض القضايا التي لم يتم البت فيها بشكل نهائي من قبل اللجنة السابقة.

كما أسلفت لم يتم إنشاء لجنة الاستئنافات لتقديم آلية قانونية لاستئناف القرارات التي تصدرها لجنة التفكيك. وبالتالي، أعاق البرهان حق الطعن على القرارات التي قد تكون مخالفة للقانون أو الإجراءات، وظلنا حتى الانقلاب ننادي بضرورة تكوين لجنة الإستئناف التي كانت تعد ضمانة قانونية للمواطنين الذين تضرروا من قرارات لجنة التفكيك، حيث تتيح لهم فرصة لتقديم أدلتهم وإعادة النظر في القضية، وعندما لم يتم تكوين اللجنة أنشأت اللجنة ما عرف بلجنة المراجعة وصارت اللجنة تراجع من تلقاء نفسها القرارات الخاطئة، ولكن قصد البرهان بعدم تشكيل لجنة الاستئنافات إلى الحؤول دون اتخاذ قرارات نهائية وبدون المرور بالإجراءات القانونية اللازمة، ليشكك في صحة ويثير تساؤلات حول شرعية هذه القرارات.

تحتاج مجموعات إسلامية إلى تشييد مشاريع الاستضافة التي تقرر أن تنشأ لاستضافة عناصر التنظيم الإخواني من فلسطين وأسرهم، وقد أوكل الأمر لعبد الباسط حمزة الذي تم استرداد عقارات وأراضي ومساحات شاسعة منه، ستعمل اللجنة الحالية على سرعة اتخاذ قرارا بارجاعها لع لتباع تلك المرافق لصالح شركة جديدة تم تصميمها لتكون واجهة للنظيم العالمي تقوم بتشييد وحدات سكنية ومجموعات إنتاجية في المنطقة الواقعة على طريق شريان الشمال بين دنقلا وأرقين، وتكوين مدن معزولة لاستضافة عناصر حمساوية وأخرى من جماعات إخوانية تم التضييق عليهم في بلدانهم.

ختاما: التكوين الحالي أغراضه سياسية في المقام الأول ومالية في المقام الثاني، لأنه لا يوجد منظومة قضائية فاعلة في البلاد ومجمل قرارات اللجنة لا تقع تحت سلطات بورتسودان، والتصرف فيها سيكون ورقي وفي الغالب، بمثابة عطاء من لا يملك لمن لا يستحق، وهو منهج حكومة الأمر الواقع في هدم كل ما له علاقة بالثورة، وبعد أن قطع ابوسبيحة منتصف الطريق باستعادة الفلول في هياكل الحكم والسلطة، هاهو رئيس القضاء يستكمل آخر حلقات استعادة أموال منهوبة لصالح الحزب المحلول.


الثلاثاء، 15 أكتوبر 2024

السودان: وجه جديد للموت

السودان: وجه جديد للموت
- تشهد البلاد في مختلف أركانها وولاياتها حاليًا وضعًا صحيًا حرجًا ومتدحرجا بسبب تفشي العديد من الأوبئة والأمراض، وهو ما زاد من معاناة المواطن الذي يعاني أصلاً من حرب وكوارث الخريف وفيضان النيل وحصار اقتصادي لعدد من الولايات، وتفشا هذه الأوبئة لتهدد حياة الملايين وتضع ضغطًا هائلاً على النظام الصحي الهش والبنية التحتية المتآكلة أو المدمرة بفعل الحرب، وقد انتشرت الكوليرا بصورة مفزعة في مدن كسلا شرق السودان والدبة شمالا، والدامر بنهر النيل وكوستي والدويم في الوسط، وبعض الحالات في الخرطوم، وهنالك ولايات خارج الرصد الصحي للحكومة أو المنظومة الصحية العاملة فيها، وهي من أخطر الأوبئة التي انتشرت بشكل واسع في السودان، وانتشرت أيضا حميات الضنك والملاريا التي أودت بعدد كبير من المواطنين آخرهم مواطن في مدينة أم درمان الثورة، وكذلك انتشرت الحصبة بشكل كبير بين الأطفال، وذلك لغياب التحصين الدوري وضياع مخزون كبير من الأمصال أو تلفها أو عدم وصولها نتيجة الحرب، وكذلك ارتبط انتشار الأسهال المائي الحاد واحد من أخطر الاوبئة خاصة في مناطق الاكتظاظ السكاني ودور الإيواء والمناطق التي تأثرت بالخريف وارتفاع منسوب النيل شمالي النيل الأبيض في مدن الدويم والكوة والجنوبه في الجزيرة أبا والجبلين، وعلى النيل الأزرق كانت أكثر المناطق تأثرت مدن سنار والدمازين ومدينة مايرنو التي شهدت العديد من الاصابات بالاسهال المائي والكوليرا، كما يعاني الكثير من السودانيين من سوء التغذية، خاصة الأطفال، بسبب نقص الغذاء النظيف والمياه الصالحة للشرب، وامراض فقر الدم والأنيميا بين النساء الحوامل، وللأسف حتى المصابين جراء العمليات العسكرية يموتون بأسباب بسيطة كالنزيف والاصابات الطفيفة لانعدام توفر التطبيب المناسب وهجرة اختصاصيي الأوعية الدموية والجراحين، وحادثة الكومة جراء القصف الأخير مات بعض الاطفال والنساء المصابين أمام أهلهم جراء النزيف الحاد، وهناك العديد من الحالات شهدتها مستشفيات شرق النيل والنو والبلك والمستشفى التركي في ولاية الخرطوم، أما بقية الولايات كجنوب كردفان شهدت وفاة عشرات الاطفال نتيجة لذلك وكذلك معسكرات النزوح في شمال دارفور وشرق دارفور الضعين التي توفي العديد من المرضى نتيجة الإهمال بعد حادثة القصف الأخيرة للمستشفى الرئيسي، فيما تشهد مدينة بورتسودان ومدن طوكر وسواكن في الشرق ظهور حالات لتلك الأوبئة ولكن هناك تواجد طبي وإمكانية تدخل إغاثي.

- كل ذلك سببه تدمير البنية التحتية الصحية وتشريد الملايين، وتكديسهم في محطات دون مرافق صحية وعدم توفير منظفات، ونقص المياه النظيفة وانعدام منظومة صرف صحي كفاءة في كل تلك الولايات وقد أدى سوء التغذية وعدم توفر الرعاية الطبية لكبار السن إلى ضعف جهاز المناعة، مما جعلهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض والموت، فقد تزايدت نسب وفاتهم بصورة مزعجة، ومثل نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وانعدام المعينات الطبية الأولية في المرافق الصحية واحدة من أسباب الانهيار الكامل والعجز في مداواة المرضى، إذ إنعدمت الكثير من سوائل التي تعطى لمرضى الكوليرا عن طريق الوريد لتعويض السوائل المفقودة، بالإضافة إلى شح وندرة المضادات الحيوية، وتسبب انعدام الأدوية المضادة للملاريا في موت بعض الأشخاص، وبدرها أيضا تفشت الأمراض الفروسية لانعدام الأدوية والامصال المضادة للفيروسات، بالإضافة إلى الإهمال لمرضى غسيل الكلى الذين مات جزء كبير منهم جراء توقف عدد كبير من مراكز العناية الداعمة والغسيل، وللأسف لجأ البعض لوصفات تقليدية وأنماط علاج متخلفة هروبا من المرض، وتسببت تلك الوصفات الخاطئة في وفاة عدد منهم، وكذلك معالجة الكسور بالطرق التقليدية تسببت في تلف أعضاء بعض المرضى ما أدى لبترها وما خفي أعظم.

- الوضع الحالي للمستشفيات في السودان وتحدياتها في مواجهة الأوبئة يشهد نقصا في الإمدادات الطبية والمستلزمات الطبية الأساسية، ما حد من قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الصحية اللازمة للمرضى، وقد تعرضت مؤخرا العديد من المستشفيات والمرافق الصحية للتدمير أو التخريب نتيجة للحرب، وقاد الأمر إلى نقص الأسرة والغرف الجراحية والمختبرات، وتسببت الحرب في فرار العديد من الأطباء والكوادر الطبية المتخصصة من البلاد، ومنطقة كأمدرمان عدد الاختصاصين فيها يحسب على أصابع اليد، أما الخرطوم فهناك أقسام لا يوجد بها اختصاصيين إطلاقا، وكذلك شرق النيل هذا عن مدن العاصمة أما بقية الولايات فأوضاعها تتفاوت ما بين الولايات الخطرة والأقل خطورة والآمنة نسبيا، وشكل الانقطاع الدائم للمياه والكهرباء من المستشفيات من سببا رئيسيا في تردي جودة الخدمات المقدمة، فمستشفى كمستشفى البلك للأطفال يتعرض للانقطاع الكهربائي بصورة شبه يومية ويعاني القائمين عليه من توفير الوقود للمولد د، خاصة وأنه أصبح المستشفى المرجعي الوحيد للأطفال في كل محليات أم درمان، وهناك مشافي صارت عبارة عن أكوام للدمار والخراب حتى مستشفى الولادة الرئيس في ام درمان بعد أن تم افتتاحه تعرض للقصف المدفعي مما جعل المستشفي الوحيد العامل الآن في كل ام درمان المستشفى السعودي وجزء صغير في مستشفى النو وبعض المراكز التخصصية التجارية وهذه العلاج فيها يكلف أسعار خيالية، وهناك أيضا معضلة صعوبة الوصول إلى العديد من المناطق المتأثرة بالصراع لتقديم المساعدات الطبية، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الصحية فكل ولاية النيل الأبيض لم يصلها امدادها الدوائي إلا قبل أيام عبر مطار كنانة وهي ولاية مزدحمة بالسكان ومصابة بالأوبئة أم ولايات كردفان جميعها والنيل الأزرق وسنار والجزيرة لم تصلها أي حصص دوائية نسبة للحصار وصعوبة الوصول، وتعاني كافة المستشفيات في مناطق الحرب من نقص حاد في الكوادر الطبية المدربة، ومات كثير من المرضى لخطأ التشخيص أو تأخر التدخل الصحيح، أما الوضع في بعض المناطق الآمنة تواجه المستشفيات ضغطًا متزايدًا بسبب تدفق النازحين من مناطق الصراع، وزيادة الطلب على الخدمات الصحية، فمثلا ولاية نهر النيل اضطرت لفتح مراكز خدمية جديدة في مدن المناصير الجديدة التي تم فيها استضافة النازحين والتي شهدت إصابات بالكوليرا ووفيات نتيجة لذلك، ومع ذلك تعاني هذه المستشفيات أيضًا من نقص الموارد، خاصة الأدوية والمستلزمات الطبية، وتواجه عقبات لوجستية في نقل المرضى والمستلزمات الطبية بسبب سوء حالة الطرق والبنية التحتية وكلفة عالية في أسعار الوقود ورحلات الطيران لترحيل الأدوية.

- وفي ظل استمرار الحرب بصورتها التي نشهد تزايد وتيرتها منذ اسبزع ومع الاضطرابات المتزايدة في كل ولايات السودان، والتدهور المتسارع للخدمات الأساسية بما فيها الصحة والبيئة، فليس هناك ما يجعلنا نتفاءل، لأن النتيجة ستكون مزيدا من النزوح ومزيدا من التكدس وقلة الموارد الصحية وهذا نتيجته الحتمبة استمرار تفشي الأوبئة، ومن المتوقع أن يستمر انتشار الأوبئة والأمراض المعدية، وزيادة الوفيات نتيجة للأمراض والأوبئة ونقص الرعاية الصحية، خاصة وسط كبار السن والحوامل والاطفال ومرضى الزمانة، وهذا يعنى استمرار الصراع وتدمير البنية التحتية إلى تدهور الوضع البيئي، وزيادة التلوث، ونقص المياه النظيفة، وكل العاملين فيما تبقى من المؤسسات الصحية سيفرون ما يعني نزيف العقول وهجرة الكوادر الطبية والتقنية والصيادلة والممرضات والمهندسين والخبراء، وهذا تأثيره طويل جدا الأمد على الأجيال القادمة، وسيُقعد ويُعقّد من قدرتنا كبلاد على التطور.

- ولكني مؤمن غاية الإيمان إذا قرر أطراف الحرب التحلي بالشجاعة والمضي نحو وقف إطلاق النار حتما سيشرعون أبواب الأمل أمام السواد الأعظم وذلك يتطلب جهودًا مضاعفة تنهي الحرب وتوفير بيئة آمنة ومستقرة تخاطب فقط الوضع الإنساني المتدهور، حينها يمكن للأسرة الإقليمية والمجتمع الدولي زيادة الدعم المقدم للسودان في المجالات الصحية والإنسانية، وتقديم المساعدات الطبية والإغاثية اللازمة، وستتمكن منظمات عربية كمركز الملك سلمان وصندوق إعانة المرضى الكويتي والهلال الأحمر القطري وغيرهم من الوصول إلى بقية ولايات السودان فهؤلاء مشكورون لم تتوقف قوافلهم الجوية وبواخرهم عن الوصول لمواني ومطار بورتسودان، ولكن كل هذه الجهود مكدسة لعدم مقدرة السلطة الحاكمة إيصالها للمتضررين والمحتاجين في بقية الولايات، وواجبنا كقوى سياسية وجهات مدنية العمل على استقطاب الدعم للقطاع الصحي ودعم جهود القائمين على أمر مراكز الإيواء ومحطات النزوح والتخطيط الجيد لإعادة الإعمار وتجديد وبناء البنية التحتية الصحية والمياه والصرف الصحي، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وتوعية المجتمعات صحيا، وحث منسوبينا في القطاعات الطبية للعودة والعمل في البلاد بعد خروجهم وأسرهم إلى خارج البلاد أو المدن الواقعة تحت القصف إلى مناطق آمنة، كل هذا مفتاحه الاستقرار، ما سوى ذلك مرض وموت ودمار.