الثلاثاء، 15 أكتوبر 2024

السودان: وجه جديد للموت

السودان: وجه جديد للموت
- تشهد البلاد في مختلف أركانها وولاياتها حاليًا وضعًا صحيًا حرجًا ومتدحرجا بسبب تفشي العديد من الأوبئة والأمراض، وهو ما زاد من معاناة المواطن الذي يعاني أصلاً من حرب وكوارث الخريف وفيضان النيل وحصار اقتصادي لعدد من الولايات، وتفشا هذه الأوبئة لتهدد حياة الملايين وتضع ضغطًا هائلاً على النظام الصحي الهش والبنية التحتية المتآكلة أو المدمرة بفعل الحرب، وقد انتشرت الكوليرا بصورة مفزعة في مدن كسلا شرق السودان والدبة شمالا، والدامر بنهر النيل وكوستي والدويم في الوسط، وبعض الحالات في الخرطوم، وهنالك ولايات خارج الرصد الصحي للحكومة أو المنظومة الصحية العاملة فيها، وهي من أخطر الأوبئة التي انتشرت بشكل واسع في السودان، وانتشرت أيضا حميات الضنك والملاريا التي أودت بعدد كبير من المواطنين آخرهم مواطن في مدينة أم درمان الثورة، وكذلك انتشرت الحصبة بشكل كبير بين الأطفال، وذلك لغياب التحصين الدوري وضياع مخزون كبير من الأمصال أو تلفها أو عدم وصولها نتيجة الحرب، وكذلك ارتبط انتشار الأسهال المائي الحاد واحد من أخطر الاوبئة خاصة في مناطق الاكتظاظ السكاني ودور الإيواء والمناطق التي تأثرت بالخريف وارتفاع منسوب النيل شمالي النيل الأبيض في مدن الدويم والكوة والجنوبه في الجزيرة أبا والجبلين، وعلى النيل الأزرق كانت أكثر المناطق تأثرت مدن سنار والدمازين ومدينة مايرنو التي شهدت العديد من الاصابات بالاسهال المائي والكوليرا، كما يعاني الكثير من السودانيين من سوء التغذية، خاصة الأطفال، بسبب نقص الغذاء النظيف والمياه الصالحة للشرب، وامراض فقر الدم والأنيميا بين النساء الحوامل، وللأسف حتى المصابين جراء العمليات العسكرية يموتون بأسباب بسيطة كالنزيف والاصابات الطفيفة لانعدام توفر التطبيب المناسب وهجرة اختصاصيي الأوعية الدموية والجراحين، وحادثة الكومة جراء القصف الأخير مات بعض الاطفال والنساء المصابين أمام أهلهم جراء النزيف الحاد، وهناك العديد من الحالات شهدتها مستشفيات شرق النيل والنو والبلك والمستشفى التركي في ولاية الخرطوم، أما بقية الولايات كجنوب كردفان شهدت وفاة عشرات الاطفال نتيجة لذلك وكذلك معسكرات النزوح في شمال دارفور وشرق دارفور الضعين التي توفي العديد من المرضى نتيجة الإهمال بعد حادثة القصف الأخيرة للمستشفى الرئيسي، فيما تشهد مدينة بورتسودان ومدن طوكر وسواكن في الشرق ظهور حالات لتلك الأوبئة ولكن هناك تواجد طبي وإمكانية تدخل إغاثي.

- كل ذلك سببه تدمير البنية التحتية الصحية وتشريد الملايين، وتكديسهم في محطات دون مرافق صحية وعدم توفير منظفات، ونقص المياه النظيفة وانعدام منظومة صرف صحي كفاءة في كل تلك الولايات وقد أدى سوء التغذية وعدم توفر الرعاية الطبية لكبار السن إلى ضعف جهاز المناعة، مما جعلهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض والموت، فقد تزايدت نسب وفاتهم بصورة مزعجة، ومثل نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وانعدام المعينات الطبية الأولية في المرافق الصحية واحدة من أسباب الانهيار الكامل والعجز في مداواة المرضى، إذ إنعدمت الكثير من سوائل التي تعطى لمرضى الكوليرا عن طريق الوريد لتعويض السوائل المفقودة، بالإضافة إلى شح وندرة المضادات الحيوية، وتسبب انعدام الأدوية المضادة للملاريا في موت بعض الأشخاص، وبدرها أيضا تفشت الأمراض الفروسية لانعدام الأدوية والامصال المضادة للفيروسات، بالإضافة إلى الإهمال لمرضى غسيل الكلى الذين مات جزء كبير منهم جراء توقف عدد كبير من مراكز العناية الداعمة والغسيل، وللأسف لجأ البعض لوصفات تقليدية وأنماط علاج متخلفة هروبا من المرض، وتسببت تلك الوصفات الخاطئة في وفاة عدد منهم، وكذلك معالجة الكسور بالطرق التقليدية تسببت في تلف أعضاء بعض المرضى ما أدى لبترها وما خفي أعظم.

- الوضع الحالي للمستشفيات في السودان وتحدياتها في مواجهة الأوبئة يشهد نقصا في الإمدادات الطبية والمستلزمات الطبية الأساسية، ما حد من قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الصحية اللازمة للمرضى، وقد تعرضت مؤخرا العديد من المستشفيات والمرافق الصحية للتدمير أو التخريب نتيجة للحرب، وقاد الأمر إلى نقص الأسرة والغرف الجراحية والمختبرات، وتسببت الحرب في فرار العديد من الأطباء والكوادر الطبية المتخصصة من البلاد، ومنطقة كأمدرمان عدد الاختصاصين فيها يحسب على أصابع اليد، أما الخرطوم فهناك أقسام لا يوجد بها اختصاصيين إطلاقا، وكذلك شرق النيل هذا عن مدن العاصمة أما بقية الولايات فأوضاعها تتفاوت ما بين الولايات الخطرة والأقل خطورة والآمنة نسبيا، وشكل الانقطاع الدائم للمياه والكهرباء من المستشفيات من سببا رئيسيا في تردي جودة الخدمات المقدمة، فمستشفى كمستشفى البلك للأطفال يتعرض للانقطاع الكهربائي بصورة شبه يومية ويعاني القائمين عليه من توفير الوقود للمولد د، خاصة وأنه أصبح المستشفى المرجعي الوحيد للأطفال في كل محليات أم درمان، وهناك مشافي صارت عبارة عن أكوام للدمار والخراب حتى مستشفى الولادة الرئيس في ام درمان بعد أن تم افتتاحه تعرض للقصف المدفعي مما جعل المستشفي الوحيد العامل الآن في كل ام درمان المستشفى السعودي وجزء صغير في مستشفى النو وبعض المراكز التخصصية التجارية وهذه العلاج فيها يكلف أسعار خيالية، وهناك أيضا معضلة صعوبة الوصول إلى العديد من المناطق المتأثرة بالصراع لتقديم المساعدات الطبية، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الصحية فكل ولاية النيل الأبيض لم يصلها امدادها الدوائي إلا قبل أيام عبر مطار كنانة وهي ولاية مزدحمة بالسكان ومصابة بالأوبئة أم ولايات كردفان جميعها والنيل الأزرق وسنار والجزيرة لم تصلها أي حصص دوائية نسبة للحصار وصعوبة الوصول، وتعاني كافة المستشفيات في مناطق الحرب من نقص حاد في الكوادر الطبية المدربة، ومات كثير من المرضى لخطأ التشخيص أو تأخر التدخل الصحيح، أما الوضع في بعض المناطق الآمنة تواجه المستشفيات ضغطًا متزايدًا بسبب تدفق النازحين من مناطق الصراع، وزيادة الطلب على الخدمات الصحية، فمثلا ولاية نهر النيل اضطرت لفتح مراكز خدمية جديدة في مدن المناصير الجديدة التي تم فيها استضافة النازحين والتي شهدت إصابات بالكوليرا ووفيات نتيجة لذلك، ومع ذلك تعاني هذه المستشفيات أيضًا من نقص الموارد، خاصة الأدوية والمستلزمات الطبية، وتواجه عقبات لوجستية في نقل المرضى والمستلزمات الطبية بسبب سوء حالة الطرق والبنية التحتية وكلفة عالية في أسعار الوقود ورحلات الطيران لترحيل الأدوية.

- وفي ظل استمرار الحرب بصورتها التي نشهد تزايد وتيرتها منذ اسبزع ومع الاضطرابات المتزايدة في كل ولايات السودان، والتدهور المتسارع للخدمات الأساسية بما فيها الصحة والبيئة، فليس هناك ما يجعلنا نتفاءل، لأن النتيجة ستكون مزيدا من النزوح ومزيدا من التكدس وقلة الموارد الصحية وهذا نتيجته الحتمبة استمرار تفشي الأوبئة، ومن المتوقع أن يستمر انتشار الأوبئة والأمراض المعدية، وزيادة الوفيات نتيجة للأمراض والأوبئة ونقص الرعاية الصحية، خاصة وسط كبار السن والحوامل والاطفال ومرضى الزمانة، وهذا يعنى استمرار الصراع وتدمير البنية التحتية إلى تدهور الوضع البيئي، وزيادة التلوث، ونقص المياه النظيفة، وكل العاملين فيما تبقى من المؤسسات الصحية سيفرون ما يعني نزيف العقول وهجرة الكوادر الطبية والتقنية والصيادلة والممرضات والمهندسين والخبراء، وهذا تأثيره طويل جدا الأمد على الأجيال القادمة، وسيُقعد ويُعقّد من قدرتنا كبلاد على التطور.

- ولكني مؤمن غاية الإيمان إذا قرر أطراف الحرب التحلي بالشجاعة والمضي نحو وقف إطلاق النار حتما سيشرعون أبواب الأمل أمام السواد الأعظم وذلك يتطلب جهودًا مضاعفة تنهي الحرب وتوفير بيئة آمنة ومستقرة تخاطب فقط الوضع الإنساني المتدهور، حينها يمكن للأسرة الإقليمية والمجتمع الدولي زيادة الدعم المقدم للسودان في المجالات الصحية والإنسانية، وتقديم المساعدات الطبية والإغاثية اللازمة، وستتمكن منظمات عربية كمركز الملك سلمان وصندوق إعانة المرضى الكويتي والهلال الأحمر القطري وغيرهم من الوصول إلى بقية ولايات السودان فهؤلاء مشكورون لم تتوقف قوافلهم الجوية وبواخرهم عن الوصول لمواني ومطار بورتسودان، ولكن كل هذه الجهود مكدسة لعدم مقدرة السلطة الحاكمة إيصالها للمتضررين والمحتاجين في بقية الولايات، وواجبنا كقوى سياسية وجهات مدنية العمل على استقطاب الدعم للقطاع الصحي ودعم جهود القائمين على أمر مراكز الإيواء ومحطات النزوح والتخطيط الجيد لإعادة الإعمار وتجديد وبناء البنية التحتية الصحية والمياه والصرف الصحي، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وتوعية المجتمعات صحيا، وحث منسوبينا في القطاعات الطبية للعودة والعمل في البلاد بعد خروجهم وأسرهم إلى خارج البلاد أو المدن الواقعة تحت القصف إلى مناطق آمنة، كل هذا مفتاحه الاستقرار، ما سوى ذلك مرض وموت ودمار.