الأربعاء، 23 أبريل 2025

العدالة للمعاشيين( 4)

`العدالة للمعاشيين (4)`
في حضرة العدم… حين يصبح الحق رفاهية

https://x.com/orwaalsadig/status/1914970194495107428?t=WT9_T6nftcecasnIxOCK5A&s=19



● ما الذي يعنيه أن تكون معاشيًا في السودان اليوم؟ يعني أن تُنزَع من الحاضر، وتُركَن في زاوية النسيان، كأنك ماضٍ بلا ذِكرى، كأنك فائض بشر لا تستحق سوى العيش على فتات الوعود، أن تكون معاشيًا هنا هو أن تدخل في موسم انتظار أبدي، بلا تقويم، بلا أفق، بلا دولة تسمعك أو حتى تتذكر أنك كنت فيها شيئًا يُذكر. ومن يدعون تمثيل حقك مرفهون في العواصم وأنت تقتات الحصرم.

- الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن صاروا غرباء في وطنهم، لا يجدون وطناً في الدولة، ولا دولة في الوطن، والذين كان يفترض أن يكونوا في آخر أعمارهم أكثر طمأنينةً واستقرارًا، صاروا يتوسلون جرعة دواء، وكسرة خبز، وكرسيًا في مركز علاج لا يطلب "كرت تأمين فعّال".

- الحرب كشفت كل شيء، خلعت ورقة التوت عن كل مؤسسات الدولة، الصندوق القومي للمعاشات بدا كجثة بلا روح، مؤسسة بلا ذاكرة، تُدار كما تُدار أكشاك المصلحة، بلا رؤية، بلا عدالة، بلا حرص حتى على التمثيل الصوري للمنطق.
صار يُدار بمنطق السوق السوداء: من له واسطة يقبض، ومن لا، فعليه بالصبر والدعاء.

- معاشيات ومعاشيون قضوا عقودًا بين المكاتب والمشافي والمدارس والمصانع، يقال لهم اليوم: عليكم الحضور لبورتسودان لإثبات حقكم وتكلفة الوصول إليها تساوي معاش نصف عام أو يزيد، وكأننا نعيش في بلد لم تنهشه الحرب، وكأن التنقل بين الولايات متاح، وكأن جيب المسن يحتمل تكلفة تذكرة، أو أن عظامه تحتمل سفرًا وسؤالًا وتذللًا لا يليق إلا بالذلّ.

- هذا ليس خطأ إداريًا، بل سلوكٌ ممنهج، عقيدة حكم كاملة اسمها: "عقيدة الإهمال" وسماها الاستاذ الهادي وطني "اللكز بعصا الحوجة"، وهي شكل جديد من أشكال العنف السياسي، أن تُنهك المواطن إلى أن يُسقط حقه بيده، أن يُرهق المسن إلى أن يُسلم للعجز، أن يُعامَل الموظف الذي تقاعد كأنه متسول يطلب إحسانًا، لا كشريك في بناء الدولة.

- بل، الأسوأ من ذلك، أن الدولة بدأت تعتبر الصندوق "ذراعًا استثمارية" لها، لا أمانة لأصحاب الحقوق، تُسخّره للإنفاق كما تشاء، وتدير موارده كما لو كانت ملكًا خالصًا لها، تصرف منه دون مشاورة، وتحجز منه دون تبرير، وتزرع فيه من تشاء من فلول الأنظمة المنهارة، ليعيدوا هندسة النهب القديم بأسلوب جديد، لذلك تجد سدنة النظام السابق يحاولون إسكات كل صوت يعلو ليكشف سوء تدبيرهم، لأن تركة المعاشيين ينبغي أن تكون لهم وحدهم لا شريك لهم.

- من ذا الذي أعاد تلك الوجوه إلى إدارة الصندوق؟ من سمح برجوع عناصر النظام المباد تحت غطاء لجان جديدة بأسماء براقة؟ كيف يكون إصلاحًا أن نعيد السارق لحراسة الخزنة؟ وهم ذاتهم الذين عطلوا المشاريع الكبرى وضيعوا حقوق العاملين فبها.

- لا أحد يجرؤ على الإجابة، لأن لا أحد يملك الشجاعة ليعترف أننا نعيش دولة بلا ذاكرة، بلا عدالة، بلا شرف في إدارة شؤون الأمانة.

- ونحن لا نطلب معجزة، ببساطة نطلب أن يعود الحق لأهله، وأن تُعاد كتابة العلاقة بين المعاشي والدولة، لا كعلاقة إحسان، بل كعلاقة وفاء لسنوات العطاء، نريد قانونًا لا يُكافئ الولاء السياسي، بل يُكرم المسيرة المهنية، نريد صندوقًا يُدار بمنطق الشفافية، لا بمنطق الغنيمة، نريد حماية لأموال الأجيال القادمة من الفوضى.

- نريد أن نقول: إن الحق لا يموت، وإن الذي يظن أن معاشيًا ضعيفًا بلا صوت هو فريسة سهلة، سيكتشف لاحقًا أن الكلمة قد تهدم عروشًا، وأن العدالة، حين تتأخر، تعود أكثر غضبًا، وأكثر رسوخًا.

- في المقال القادم، سنكتب عن المحكمة الكبرى للتاريخ، كيف سيُسأل كل من صمت، أو سكت، أو شارك، أو برر، أو وقّع على قرارٍ جفف دم العجائز، وأسكت أطفالهم، وساهم في بناء دولة لا تُطعم من يُطعمها.


● همسة ثانية للمعاشيين: يقول السيد المسيح بثمارها تعرفونها.. وكتابتنا هذه ليست لسبب إلا لأني أعلم أن أثرها كأثر طنين البعوض في رأس النمرود.
يتبع...

العدالة للمعاشيين( 3)

`‏العدالة للمعاشيين (3)`

صندوق بلا روح، دولة بلا عهد، وحقوق تتبخر في دخان البنادق

https://x.com/orwaalsadig/status/1914772414321582215?t=atse2tQxWSHQhnJoHy7yUA&s=19

ما الذي يحدث حين تتحول الدولة إلى فكرة بعيدة، والصندوق إلى حجرٍ أجوف، والمعاش إلى وثيقة مؤجلة بلا وعد ولا زمن؟ ما الذي يتبقى حين يُسحب العمر على مهلٍ من بين أضلع من خدموا البلاد، ثم يُطوَى في صمت؟

إننا نعيش في زمن التبخير المنظم للحقوق، لا تُسرق الحقوق دفعة واحدة، بل تتبخر كما يتبخر الماء من وعاء مهترئ، قطرة فقطرة، حتى إذا التفتَ المظلوم حوله لم يجد غير الهواء، والخذلان.

المعاش لم يعد راتبًا مؤجلًا، بل أصبح قيدًا مفتوحًا على الانتظار، وفكرة غائمة يلوكها المسؤولون في الاجتماعات ثم يغادرون ليتقاسموا ما تبقى من الصندوق، صندوقٌ يُدار كأنه ملكية خاصة، لا رقيب عليه، ولا ميزانية منشورة، ولا مراجع يتجرأ على النبش في دفاتره، بينما آلاف الأرواح تتحلل أمام بوابات الدواء، وعتبات المخابز، وداخل صالات التأمين الصحي حيث يُعطى المعاشي رقمه ثم يُطلب منه أن يموت بصبر.

من منح الدولة حق مصادرة الأمل؟ من سمح لهذا النظام ـ الذي لا يشبه الشعب ـ أن يُدخل أيديَه في جيب الرجل العجوز، والمرأة الكادحة، ثم يبتسم وهو يقول: "نحن نُدير الأزمة"؟

إنهم لا يُديرون أزمة، بل يُديرون محرقة ناعمة.

كيف يمكننا أن نفسر استخدام موارد صندوق المعاشات في تمويل الحرب؟ أليست هذه جريمة أخلاقية وقانونية؟ هل كتب الله على هذه الشريحة أن تموّل الرصاص الذي لا يصيب العدو، بل يقتل أبنائهم في معسكرات الوطن؟ هل كُتب عليهم أن يعادوا أنفسهم في مشهد سريالي، حيث تُسرق أموالهم وتُحمل على ظهور دبابات لا تعود؟

ثم يعود أولئك الذين أفسدوا النظام قبل الثورة، يتسللون من خلال لجان التسيير، ومن خلال تعيينات بلا قانون، ليمسكوا مرة أخرى بخيوط اللعبة، ذات الأسماء، ذات الوجوه، ذات الأجندة، لا شيء تغير سوى طريقة التبرير: مرة باسم الحرب، ومرة باسم إعادة الهيكلة، ومرة ثالثة باسم "المصلحة العامة".

لكن ما من مصلحة تُبنى على سحق من لا يملكون أن يصرخوا.

نحن أمام لحظة وطنية فاصلة، إما أن نعيد تعريف مفهوم الدولة الاجتماعية، أو نستسلم لتحول السودان إلى دولة جرداء من الرحمة، ومن العدالة، ومن القيمة. إن الصمت عن ما يجري للمعاشيين هو صمت عن جوهر الفكرة التي بُنيت عليها الدولة: أن تُكافئ من يخدمها، لا أن تُفرغه من كرامته.

ليس المطلوب الآن إصلاحاً شكلياً، بل تفكيكاً جذرياً لمنظومة التحقير، ومنظومة التوظيف السياسي للصندوق، ومنظومة الغموض التي تحجب الحقيقة عن الملايين.

يجب أن تكون كل موارد الصندوق علنية، منشورة، محمية.

يجب أن تُنشأ هيئة رقابة شعبية من المعاشيين أنفسهم.

يجب أن يُفصل الصندوق بالكامل عن الدولة السياسية، وأن يتحول إلى مؤسسة ذات قانون سيادي.

يجب أن يُعاد هيكل الأجور والمعاشات وفق معيار الكرامة لا الكفاف، ومعيار العدالة لا المزاج.

يجب أن تُحمى أموال الأجيال القادمة من أيدي العسكر، والساسة، والمغامرين.

نحن لا نكتب مقالة، بل نرسم خريطة نجاة، لأن الذين يموتون الآن في الظلال، سيكونون نحن غدًا، حين لا يتبقى شيء، لا مال، ولا وعد، ولا صندوق، بل فقط ورقة صفراء تقول: "كان لك معاش".

وهذا ما لن نسمح له بالحدوث.

● همسة للمعاشيين: لا تنظروا للاسم فهو زائل وانظروا للرسم فهو باقِ!..
يتبع...

العدالة للمعاشيين( 2)

`العدالة للمعاشيين (2)`
اقتصاد العظام، وسياسة الطمس البطيء

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

https://x.com/orwaalsadig/status/1914613524975812632?s=19




ما عاد في الأمر سؤال، بل صار يقينًا جافًا كالصحراء، إنهم لا يريدون لهؤلاء أن يعيشوا، لا موتٌ يُنهي آلامهم، ولا حياةٌ تُبرر هذا الذلّ، إنها سياسة الطمس البطيء، حيث لا يُغتال الإنسان برصاصة، بل يُفرّغ من الداخل، قطعة قطعة، حتى يُصبح ظلًا باهتًا لحياة كان يستحقها.

المعاشيون ليسوا قضية مالية، بل قضية إنسان، قضية ذاكرة وطن. اقتصاد العظام هو المصطلح الوحيد القادر على توصيف ما يجري: أن يتحول ما تبقى من كرامة المتقاعدين إلى وسيلة لتدوير العجز، أن تُضرب استثماراتهم باسم المجهود الحربي، أن تُدار صناديقهم كغنائم لعودة الطفيليين من بوابة الحرب، أن يُحرموا من حقهم تحت بند التقشف، بينما تُصرف المليارات لحرب لا تنتهي.

من الذي منح الدولة حق التصرف في أموال المعاشيين دون مساءلة؟ من سمح بتحويل عائدات صناديق التأمين والضمان إلى "رأسمال تعبوي" يُستخدم لتمويل آلة الخراب؟ كيف يُستباح مال خاص، ساهم فيه العامل بإبرة وقلم وجرعة صبر، ويُعاد تدويره في مصانع الفقر القسري؟

الذين خرجوا للمعاش في 2022، و2023، و2024، و2025… لم يتسلموا شيئًا، لا مستحقات، لا فروقات، لا حتى وعود تُقنعهم بالبقاء أحياء. يقال لهم: عليكم الذهاب إلى بورتسودان، كأنهم ينتمون إلى وطن آخر، كأن الخرطوم، والجزيرة، ودارفور، لم تكن يومًا ساحات خدمتهم وتضحياتهم. وكأن التنقل في بلدٍ مقسوم بالحرب أمرٌ يسير، كأن المرض لا ينهش أجسادهم، ولا الفقر يُحاصرهم.

هذه ليست إدارة دولة، هذه هندسة للخراب، وسيناريو مكتمل لإعادة إنتاج الظلم باسم "اللجان" و"التوصيات"، بينما الحقيقة الوحيدة هي أن دولة ما بعد الحرب تحاول أن تبني نفسها على رماد المُستحقين.

في عمق المأساة، لا أحد يتحدث عن جوهر المعاش، عن أنه ليس إحسانًا من الدولة، بل حقٌ مؤجل، وأجرٌ قانوني، واستثمارٌ تعاقدي. تُعامل المعاشات كما تُعامل فائض الطحين، يُوزع أو يُمنع حسب المزاج السياسي، لا وفق التزامات واضحة.

وما يحدث اليوم هو أخطر من ذلك، هناك محاولة إعادة التمكين الناعم عبر الصندوق، وعودة رموز النظام البائد، لا كمستشارين، بل كصنّاع قرار يتحكمون في مصير الملايين، تحت راية الكفاءة الزائفة، وهم ذاتهم من عبثوا بالموارد سابقًا، ومن باعوا أصول الصندوق، ومن جعلوا "العجز" شماعة لسرقة المعاشي باسم القانون.

المنظومة بأكملها تحتاج إلى هدم مفاهيمي قبل إعادة البناء، فالمعاشي لا يجب أن يكون مرهونًا بلجنة أو توقيع وزير، بل يجب أن تكون هناك آلية تلقائية للحقوق، لا تتأثر بالتقلبات السياسية أو الحرب، آلية مستقلة، ذات سلطة، محمية بالدستور، لا تُدار من المالية، ولا من الرعاية، بل من أهل المصلحة أنفسهم، بتمثيل مباشر، وبشفافية تُنشر شهريًا، وبقانون لا يُعدل إلا باستفتاء أصحاب الحق.

يجب أن يُمنع استخدام استثمارات الصندوق في أي تمويل عسكري أو أمني أو سياسي. ويجب أن تُفعل المحاسبة العكسية، أي أن يُحاسب كل مسؤول صرف من أموال المعاشيين دون إذنهم، كما يُحاسب من ينهب من الخزينة العامة.

يجب أن يُسقط الوصي الكاذب، ذلك الذي يتحدث باسم "الحفاظ على الموارد" وهو ذاته من سرقها، يجب أن نعيد تعريف العلاقة بين المواطن ودولته: ليس تابعًا، بل شريكًا، ليس عالة، بل أساس.

في المقال المقبل، سنكتب عن الاستراتيجية البديلة، لا للفراغ، بل لمنظومة معاشات سودانية حديثة، محمية، عادلة، قائمة على العدالة الاجتماعية لا على التسول الإداري، مؤسسة لا تزول بزوال الحكومات.

لأننا نكتب باسم كل من قالوا "قضيتنا لله"، نكتب لنقول: قضيتكم لنا، ولن تضيع.

يتبع…

العدالة للمعاشيين (1)

`العدالة للمعاشيين (1)`
حين يُنتزع العمر، وتُسرق نهاية الطريق

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

https://x.com/orwaalsadig/status/1914283155835494451?t=BGrIpf7sNWm7GQ0SsqwT5g&s=19


لا يُولد الإنسان ليحيا من أجل الصمت، ولا يشتغل في خدمة البلاد لأربعة عقود ليُكافأ بالتجاهل، وليُكفن في وجع الانتظار، هذا الذي يُدعى المعاش، لم يعد معاشًا، بل مقصلةٌ مؤجلة، واليد التي تكدست عليها تراب السنين والكدح والعرق، باتت تُصافح الخواء، وتنتظر بصبر القبور لا باب الرواتب.

نحن هنا لا نكتب كلامًا طيبًا، بل نقرع أجراسًا عاتية، نكتب لأن هناك شريحة بأكملها تموت وهي واقفة، شريحة أحنت ظهورها في خدمة البلاد، ثم سُحبت تحتها الأرض ببطء، من معاشيي 2021 إلى 2025، لا يعرفون حتى الآن ما إذا كانوا أحياءً في دفاتر الدولة أم أمواتًا بلا رقم، بلا استحقاق، بلا صوت، وهم ما عادوا يطرقون أبواب المسؤولين، بل طرقوا أبواب السماء.

الحرب ليست سببًا في كل شيء، الحرب عذرٌ مُعلب، أما الجريمة فهي التواطؤ، التباطؤ، النسيان، التلاعب بحقوق الناس باسم اللجان، باسم القرارات، باسم "جاري التنفيذ"، بينما الجوع لا ينتظر، والدواء لا يُؤجل، والكفاف لا يعرف الوعود.

نحن أمام فصولٍ مؤلمة من عبث الدولة بأكثر الفئات هشاشة، هل تصدق أن معاشيي 2022 و2023 و2024 بل و2025 لم يتسلموا مستحقاتهم بعد؟ هل تعلم أن من نزلوا على المعاش لم تُدفع لهم تعويضاتهم ولا فروقاتهم؟ وهل تعلم أن بعضهم يُطلب منهم أن يسافر إلى بورتسودان لمجرد أن "يقابل إدارة الصندوق"، بينما هو يعيش في حرب، أو في قرية لا تصلها المواصلات، أو يعاني المرض الذي لا يرحم؟

لماذا تُعامل هذه الفئة كأنها خارج الحسابات؟ لماذا تُهمش وكأنها ليست امتدادًا للدولة بل عبئًا عليها؟
أين وزارة المالية؟ أين وزارة الرعاية الاجتماعية؟ أين الصندوق القومي للمعاشات؟ أين الذين يُقسمون ليل نهار أنهم يحكمون باسم الشعب؟

بل أين الشعب؟

ثم تأتي الطامة: يتم استخدام أموال الصندوق التي هي أموالهم –نعم أموالهم– لتمويل أنشطة الحرب، يتم سحب عائدات الاستثمارات لتُدار بها معارك لا شأن لهم بها، بينما المعاشي يُحرم من علاجه، من دوائه، من لقمة عيشه، من كرامته.

يُعاد تشكيل الصندوق القومي ليُعاد تسليمه لمنسوبي النظام البائد، ممن نهبوا هذه الأموال من قبل، يعودون من النوافذ بعد أن طُردوا من الأبواب، ولا يزال المعاشي ينتظر في الطابور، لا ليتسلم معاشه، بل ليموت واقفًا كالشجر الذي لا يعرف الظل.

العدالة للمعاشيين ليست ترفًا، هي مسألة أخلاق، مسألة بقاء دولة، لأن الدولة التي لا تفي بالعقود المؤجلة، لا تستحق الولاء، ولا البقاء، ولا الاحترام، هذه مأساة لا يجب أن تمر بعبارة "نحن نتابع"، أو "تمت التوصية"، أو "جاري الحصر"، بل يجب أن تُواجه بقانون، وأن تُعاد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة: هل هي علاقة نهب أم علاقة نفع متبادل؟

إننا هنا نعلن أن هذه السلسلة لن تصمت، وسنتابع ملف المعاشيين بندًا بندًا، ووثيقةً بوثيقة، وسنكتب من قلب المعاناة، وسنفضح، ونسمي الأسماء، ونكشف الصفقات، ونطالب بالقانون، وسنقترح الحلول، فهذه ليست شريحة عابرة، هؤلاء هم الجيل الذي بُني عليه هذا السودان، وحين يسقط الجيل المؤسس، يسقط معه المعنى.

إلى من ظلموهم، إلى من سرقوا حقوقهم، إلى من يتجاهلون أنات المرضى والأرامل واليتامى، نقول:
العدالة قادمة، والكلمة نار، ولن نصمت بعد الآن.

يتبع…

الاثنين، 3 فبراير 2025

لقاء الحتف بالظلف- مصير من يلعب بالمتناقضات كالبرهان

*`لقاء الحتف بالظلف - مصير من يلعب بالمتناقضات كالبرهان`*


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
٣. ٢. ٢٠٢٥م

● في عالم السياسة تتصارع المصالح وتتلاطم الأمواج المتضاربة، وتتنافس المطامع بصورة حميدة أو خبيثة، ويبرز أحيانًا من يجيد فن التلاعب على حبال الخلاف والتباينات، فيحسب نفسه قادرًا على قيادة الأقدار بدلًا من أن تُقاد به، ويظن كل الظن أنه يكيد ولا يُكاد به، ويكاد من الكبر يقول ما قاله فرعون لعنة الله عليه، ولكن التاريخ يُعلمنا أن من يلعب بالنار لا بد أن يُحرق، ومن لا يجيد ركوب الأمواج يغرق، ومن يسير على حافة الهاوية لا بد أن يسقط في غياهبها، والمثل السوداني يقول: (ركاب سرجين وقّيع، وصاحب بالين كضاب)، وهذا بالضبط ما يبدو أن الجنرال عبدالفتاح البرهان قد وقع فيه، حيث جمع بين المتناقضات في محاولات يائسة بائسة للبقاء في دائرة السلطة، لكنه في النهاية وجد نفسه في مواقف لا يحسد عليها.

- لقد برع البرهان في التلاعب بشعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة واستخدم لغة شبابها (السانات والراسطات والواقفين قنا)، وما أن عنّت له الفرصة تنكر لهم وتعنّت وانقض على مشاعر الجموع التي أتت به إلى سدة الحكم، فاستخدم أدوات الإخوان المسلمين وفلول النظام السابق لتفكيك مشروع الثورة التي أسقطتهم، وظل يمانع عمليات تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م، واستعاد بانقلاب أكتوبر ٢٠٢١م كل أدوات ووجوه وواجهات وسلطات النظام الإخواني بضحها وضحيحها.

- لقد أجهز بذلك على الحلم الثوري الذي كان يرفرف في قلوب الملايين من السودانيين، وحوّله إلى كابوس من الصراعات الداخلية والانقسامات والتفتيت السياسي والهوياتي والاجتماعي، ثم اتجه إلى محاربة قوات الدعم السريع، تلك القوة التي كانت يومًا ما حليفته، واستخدمها لنقض غزل الثورة، واستعان بالأوكرانيين للهروب من القيادة العامة وتلقى في ذات الآن الدعم من الروس، في لعبة خطيرة من التحالفات المتضاربة.

- والآن نراه كيف يتلاعب بتناقضات شرق السودان القبلية وكياناتها السياسية، وكيف يجمع إليه سدنة الانقلاب من قوى سياسية ليفدوه بالذهب والرجال من عناصر الحركات، ويتواصل مع غرمائهم السياسيين سرًّا، فذات الذين صمم مشروعاً يقوده الجنرال ياسر العطا لتفتيتهم واستبدالهم بقوى سميت شبابية، يتصل عليهم ليفدوا إليه في بورتسودان ليصبغوا عليه شرعية مشروطه بإدانة الدعم السريع وتحميله وزر الحرب، ويكونوا معه حكومته التي عجز عن تشكيلها منذ الانقلاب، ورأينا حماسته وكيف يفرح للإدانات الدولية ومحاولات تجريم انتهاكات الدعم السريع، ولكن عندما يدان وتفرض عليه ذات العقوبات وربما تطاله تلك الملاحقات من المحكمة الجنائية الدولية.

- لكن المفارقة الأكبر جاءت عندما استقوى البرهان بالكتائب الإخوانية والمسيرات الإيرانية، ليصل به المطاف إلى استئناف سري ومفاجئ للعلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، دون سابق إنذار أو استعداد شعبي، ومن المرجح أن نشهد لقاء قريبا تحت مظلة "تعزيز التعاون المشترك" في مختلف المجالات، ومحاولة يائسة لترميم صورة نظام فقد شرعيته الشعبية، وسعى إلى استبدالها بشرعية خارجية مستوردة.

- في هذا التحرك الذي تم في الخرطوم منذ عهد المخلوع بهندسة إحدي خريجات جامعة الخرطوم الراحلة نجوى قدح الدم وواصل في طريقها دفعتها وزميلاها المهندس إبراهيم جابر ومن قبله ميرغني إدريس، يبحث البرهان عن ما يسميه "إرساء علاقات مثمرة مع إسرائيل"، متجاهلًا تمامًا الدم الفلسطيني والموقف من القضية التي كانت يومًا ما شعارًا ترفعه الحكومات السودانية المتعاقبة، بل اجتهد عرابوا التواصل إلى حث الجانب الإسرائيلي لــ "تحقيق الاستقرار بين إسرائيل والشعب الفلسطيني"، في حالة تبدو وكأنها محاولة لتلميع صورة الاحتلال بدلًا من فضح ممارساته القمعية.

- ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يمكن لمن يلعب بالمتناقضات أن يبني مستقبلًا مستقرًا مزهراً؟ هل يمكن لمن يستقوي بكل الأطراف المتناحرة أن يحافظ على توازن النظام الذي يقوده؟ التاريخ يجيب بالنفي. فمن يلعب بالنار لا بد أن يُحرق، ومن يسير على حبال الخلاف لا بد أن يسقط.

- البرهان شأنه شأن البشير الذي قاتل الجنوبيين بأهل دارفور، وقاتل أهل دارفور ببعضهم، وصعد بسلم الحركة وحطمه، وجلس بين يدي شيخه ليجلس آخر المطاف على شفير قبره، لذلك نرى أن من بدأ مسيرته كقائد عسكري يدعي الدفاع عن الثورة ومكتسباتها، انتهى به المطاف إلى أن يصبح رمزًا للتناقضات والتحالفات المستحيلة، وجعل من كل شعاراتا الثورة ومؤسساتها ركامًا يجلس عليه ليبقى، والبقاء لله وحده.

- لقد حاول أن يجمع بين النقيضين: الثورة والثورة المضادة، القوات المسلحة والحركات، الإخوان المسلمين وإسرائيل، ولكن في النهاية سيجد نفسه في موقف لا يحسد عليه، حيث سيكشف الشعب السوداني زيفه وضلاله وكذبه، وسيصبح رهينة للتحالفات الخارجية التي لا تعترف إلا بمصالحها الخاصة، وسيجد نفسه واقعا في براثن فتاكٍ لا فكاك منه، وحينها سيكتشف أن مراكب العودة قد احترقت وأن (سجن كوبر) كان سيكون نزهة له، لأن جزاءه الذي أراه سيكون من جنس العمل ربما حرقًا أو قتلاً أو اغتيالاً أو حتى ذبحاً والله لا يهدي كيد الخائنين.

● ختامًا: أي شخص - دون استثناء- يثق في البرهان عليه أن يراجع إيمانه بالله، فالمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، وليراجع إيمانه بالثورة وأهدافها، لأنه كل يوم يمزق أنصع صفحتها ويمكّن من اغتال حلم شبابها من أمرها، لذلك إن لقاء الحتف بالظلف لا بد أن يكون مصير من يلعب بالمتناقضات، وهذا البرهان سيكون خير برهان لذلك فهو الذي حاول جاهداً أن يكون لاعبًا في كل الميادين، سينتهي به المطاف إلى أن يكون وحيدًا أو طريدًا أو ضحية لكل الأطراف، ولعل هذا المشهد الذي نراه اليوم من تصرفات تتضاد مع بعضها، وأحاديث يكذبها الواقع، كل هذا وغيره سيكون بداية النهاية لشخص ونظام فقد بوصلته، وأصبح أسيرًا لتناقضاته حبيسا لنزواته.


𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔


الاثنين، 27 يناير 2025

تصريحات التأبي والتمنع من البرهان( اليابا الصلح ندمان)

*`تصريحات التأبي والتمنع من البرهان (اليابا الصلح ندمان)`*


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● تصريحات الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش السوداني، وبعض قادة الجيش كرئيس هيئة الأركان وآخرين برفض أي حديث عن حوار أو الصلح والمفاوضات مع قوات الدعم السريع، تثير تساؤلات حول مدى انسجامها مع الجهود الدبلوماسية الجارية خلف الكواليس التي يعلمها البرهان وبإذنه ويقوم بها دبلوماسيوه وعسكريوه وأمنيوه، زيارات علنية وسرية، واجتماعات قام بها هو شخصيا آخرها مع قادة غرب إفريقيا ورئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، والزيارة التي قام بها وزير ماليته اليوم إلى مصر، لذلك فإن هذه التصريحات، التي تتأبى وتتمنع وتشدد وتؤكد تفضيل الحلول العسكرية على السياسية، واستثارة الحمية والدم مقابل الحماية والسلم، تعكس بجلاء مخاوف داخلية تتعلق بشرعية قائد الجيش ومكانته في نظر بعض الفئات المحلية والدولية، خاصة في ظل وجود جهود دبلوماسية سرية تسعى لإنهاء الأزمة، تخاطبه دوما بقائد الجيش دونما إشارة لموقعه السيادي ورأينا ذلك بجلاء في احتفال السودان بأعياد استقلاله، ولأول مرة تقتصر التهاني البروتوكولية من ١٥ دولة وجهة رئاسية. 

- لذلك نجد أن من تداعيات التصريحات المتمنعة على المشهد السياسي والأمني، إضعاف التحالفات السياسية والعسكرية، والعسكرية العسكرية، والعسكرية مع قوى مسلحة، فتصريحات رفض المفاوضات ستؤدي إلى تآكل التحالفات مع القوى السياسية والعسكرية التي ترى في الحوار السياسي مخرجًا منطقيًا للأزمة، وهذا العزل السياسي قد يدفع الجيش إلى تبني مهام دستورية وسياسية أوسع بإعلان حكومة مركزية قابضة وحكومات ولائية أشبه بحكومات طواريء من جنرالات، وهو ما قد تستغله بعض الدول الجارة الداعمة لأطراف الحرب لضمان استمرار نفوذها في السودان، خاصة في ظل تنامي التيارات المتطرفة داخل القوات المسلحة وفي قيادة العمليات العسكرية.

- ولكن المتوقع هو تصعيد عسكري واسع النطاق، فرفض المفاوضات سيدفع قوات الدعم السريع إلى تبني مواقف أكثر تشددًا، وهذا التصعيد لن يقتصر تأثيره على الجيش وقوات الدعم السريع فحسب، بل سيمتد ليشمل الحركات المسلحة والكتائب الجهادوية والجماعات الخارجة عن القانون، وأول ضحايه هم المدنيين، الذين سيعانون من انتهاكات حقوقية متزايدة، ونزوح قسري، وانعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والاتصالات.

- ومؤكد أن تفاقم الانقسامات الاجتماعية في ظل وجود فئات مجتمعية وكيانات قبلية تدعم قوات الدعم السريع، وأخرى ترى في المفاوضات حلًا منطقيًا، قد تتزداد بصورة كبيرة أكثر مما شهدناه عند استعادة الجيش لولاية الجزيرة وما نشاهده في قرى الجيلي شمال بحري، والشباب الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان، يفقدون يوما بعد يوم الطموح والأمل في المستقبل، مما يدفعهم بصورة مضطردة إلى الانخراط في العنف، والهجرة غير الشرعية، أو حتى الانضمام لجماعات متطرفة وإرهابية، أو الاصطفاف لطرفي الحرب مما يعقد المشهد الأمني بشكل أكبر.

- لذلك مهما قال البرهان فإن الحكمة تقول وتقتضي الضرورة استئناف المفاوضات والحوار الشامل، فهي الحل الوحيد القادر على إنهاء الصراع، بغض النظر عن مدة الحرب أو حجم الخسائر على الجميع التواضع لعقد حوار شامل (مؤتمر، مائدة مستديرة، كوديسا... الخ) يضم جميع الأطراف الرافضة لاستمرار الحرب، بما في ذلك الجيش، قوات الدعم السريع، الأحزاب السياسية، المجتمع المدني، قوى الثورة، والقطاعات المهنية والفئوية والشبابية والنسوية والنازحين واللاجئين وغيرهم، هذا الحوار يرجى أن يقود إلى بناء الثقة وإيجاد أرضية مشتركة لتحقيق الاستقرار.

- وذلك لأن الدور الخارجي إذا سبق جهود السلم الداخلية سيكون بمثابة وضع العربة أمام الحصان وحينها سيكون بأيدينا (حبال بلا بقر)، وعلى القوى السودانية استباق أي جهود خفية ودور دولي، لأن بعض التقارير تشير إلى وجود جهود دبلوماسية خفية، يقودها بشكل رئيسي تحالف مصري بريطاني، تمهيدًا لوقف إطلاق النار الفوري تحت مراقبة دولية، وهذه الجهود قد تكون محاولة لضمان التزام جميع الأطراف بوقف الأعمال العدائية، مما يفتح الباب أمام مفاوضات جادة. 

● ختامًا: إن تصريحات القائد العام للجيش وزملائه لا تعكس سوى موقفًا متصلبًا يهدف إلى الحفاظ على تماسك الجنود والضباط ورفع الروح المعنوية، لكنها حتما إذا سارت بذات الوتيرة ستعقد الجهود نحو حل شامل إذا لم يتم التعامل معها بحكمة ومسؤولية وتجرد، فالحلول السياسية والمفاوضات تبقى الطريق الأفضل والأقصر والأجدى لإنهاء الصراع، مع ضرورة إشراك جميع الأطراف المؤمنة بالحل السلمي ومعالجة الأسباب الجذرية للأزمة السودانية. 

بدون ذلك سيستمر الصراع ويتفاقم وتنسى الأزمة السودانية أكثر مما هي الآن، وسيزداد الوضع تعقيدا وسنشهد المزيد من المعاناة للشعب السوداني وارتفاع أرقام الضحايا في التقارير الدولية والإقليمية، ويزيد من خطر تحول الصراع إلى حرب أهلية واسعة النطاق قد تفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو حتى تقسيم البلاد. 

لذلك ينبغي أن تدعم القوى السياسية السودانية والكيانات المدنية أي توجه علني أو سري للمفاوضات، وأن تكون الأولوية لوقف إطلاق النار الفوري، وإعادة بناء الثقة، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع لضمان مستقبل مستقر وسلمي للسودان، أو فلنشاهد بأم أعيننا أسوأ سيناريوهات العنف والتطرف لا قدر الله.

وإذا كان التمنع لأسباب موضوعية على الجميع العمل سويا لإزالة أسبابه، وإذا كان سجية نفس ظالمة، فنردد له القول: "تعلم من ماضيك"، وإقرأ قوله ﷻ: ﴿إِن یَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحࣱ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحࣱ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَیَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَاۤءَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ [آل عمران ١٤٠] .



عروة الصادق
٢٧ يناير ٢٠٢٥م

الجمعة، 24 يناير 2025

من أمس تحرير الخرطوم ٢٦ يناير ١٨٨٥م إلى تدميرها في يوم ٢٦ يناير ٢٠٢٥م

*`من أمس تحرير الخرطوم ٢٦ يناير ١٨٨٥م إلى تدميرها في يوم ٢٦ يناير ٢٠٢٥م`*

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
٢٥ يناير ٢٠٢٥م

● في كل عام تعود بنا الذكرى وتأثيرات بلادنا الزمكانية إلى ذلك اليوم الخالد، يوم تحرر الخرطوم من براثن الاستعمار، يوم أن ارتفعت راية السودان عاليا شامخة خفاقة، يوم أن أثبت فيه شعبنا أن الإرادة الصلبة المهابة، والعزيمة القوية الوثابة، قادرة على تحقيق المستحيل، ببسالة أُسد وقوة جُند وقيادة رُشد.

- الدرس الأول: لم يكن 26 يناير 1885م يوما عاديا أو مجرد حدث عابر فهو يوم انتصار الإرادة السودانية، ويوم تحرير الخرطوم، هذا الحدث الفارق في تاريخ السودان، كان تتويجًا لنضال طويل وشاق ضد الاستعمار، ففي 26 يناير 1885م، سطر الأبطال الأنصار الأحرار السودانيون ملحمة بطولية لا تنسى، حيث تمكنوا من تحرير عاصمتهم الخرطوم من براثن المستعمر البريطاني وأخلافه من المصريين والشراكسة واليونانيين والأغاريق والأرمن وغيرهم.

- الدرس الثاني: كان أنصـــ.ـــار الله المهديين المهدويين يومئذ يقاتلون دفاعًا عن دينهم وبلادهم، وعازمون على طرد المستعمر مهما كلفهم الأمر، فقد تحملوا الصعاب والمحن، وتصدوا لقوات مجهزة بأحدث الأسلحة، وكان الإيمان بالله واليقين بالنصر هو الوقود الذي دفعهم إلى الأمام، فقد آمنوا بأن الله معهم، وأن النصر حليف المؤمنين، مستجيبين لدعوة الإمام المهدي ولنداء العلي الأعلى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوۤا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ لِلۡحَوَارِیِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِیۤ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِیُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّاۤىِٕفَةࣱ مِّنۢ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ وَكَفَرَت طَّاۤىِٕفَةࣱۖ فَأَیَّدۡنَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ ظَـٰهِرِینَ﴾ [الصف ١٤].

- الدرس الثالث: لم يترددوا قط في التضحية بأنفسهم من أجل بلادهم، فقد قدموا أرواحهم فداءً للحرية والاستقلال، يوم أن شنت قواتهم هجومًا عنيفًا على مواقع القوات البريطانية المحتلة في الخرطوم، وقد استمرت المعارك طوال اليوم، وشهدت مقاومة شرسة من كلا الجانبين، ولكن في نهاية المطاف أفلت شمس الإمبراطورية التي لم تغب عنها الشمس في الخرطوم، وتمكن الآباء من اقتحام المدينة، وجندلوا الحاكم البريطاني الجنرال غوردون الذي أذاق الأمم فنون عذاباته ودفعت به حكومة الاحتلال لهزيمة وكسر عزيمة السودانيين الثائرين.

- الدرس الرابع: مذاك وتلك اللحظات التي احتفل السودانيون بالنصر العظيم الذي تحقق، أقيمت الاحتفالات في جميع أنحاء البلاد، بل حتى المستعمرات البريطانية احتفل بعض شعوبها وقرظوا نصر الأنصار، و ألهم انتصار السودانيين يومئذ الشعوب المستعمرة الأخرى، وشجعهم على النضال من أجل التحرير، لكن اليوم يحتفي السودانيون بتحرير بلادهم من أولادها، وهذا قاد وحفز النزعات التقسيمية الانفصالية المحلية الضيقة، التي يروج لها أصحاب مشاريع فاسدة وكاسدة لا تقل عن خدمة الاجندة الاستعمارية وكأنهم وراث المخطط الاستعماري.

- الدرس الخامس: في ذلك اليوم وفي تلك الفترة التاريخية الحرجة تمكن الإمام المهدي وخليفته عليهما السلام من بعده من تأسيس دولة مستقلة موحدة واسعة في قلب أفريقيا، عرفها العالم واعترف بها اسمها السودان، وأصبح يوم تحرير الخرطوم يومًا وطنيًا يحتفل به السودانيون كل عام، تخليدًا لذكرى أبطالهم، وظل يوم 26 يناير 1885م يومًا فارقًا في تاريخ السودان، حيث تجسدت فيه أسمى معاني البطولة والتضحية والفداء، ولأن قصة تحرير الخرطوم هي مصدر إلهام للأجيال القادمة، فهي تذكير لنا بأهمية الحفاظ على مكتسبات الثورة، ولأن معركة تحرير الخرطوم لم تك حدثًا محليًا بحتًا، بل كان لها أبعاد دولية واسعة، وقد تسببت في توتر العلاقات بين بريطانيا وفرنسا، حيث كانت فرنسا تسعى للتوسع في إفريقيا، كما أثرت هذه المعركة على السياسة البريطانية في المنطقة، ودفعتها إلى إعادة النظر في سياساتها الاستعمارية، ما يحدث في السودان اليوم تأثيراته تتعدى تأثيرات تلك المرحلة على العالم والمحيط الإقليمي والدولي، واجبنا إدراك ذلك وتداركه بالحكمة والعقل لا الانفعال والقتل، وقطع الطريق أمام محاولات استمرار تدمير البلاد وتمزيق وحدتها وتقسيم شعبها وأرضها.

- الدرس السادس: تقدم السودانيون يومها في تلاحم جسد وحدة كيانهم المتنوع بقبائله وشيوخه وقادته وشعرائه ونسائه، وكانت معركة الخرطوم لقاع التكوين الحقيقي للسودان الجامع الذي ضم من كسروا المربع الانجليزي مع الأمير عثمان دقنة شرقا، والأمراء حمدان أبو عنجة، وأبو قرجة، وود النجومي، وسوار الدهب، والشيخ العبيد ود بدر، وغيرهم ممن أحكموا الحصار على الخرطوم متوحدين خلف راية واحدة بعيدة عن الجهة والقبيلة والاثنية، لم تدخل بينهم داخلة العنصرية وخطابات الكراهية ونزعات الانتقام الذاتية، وبتلك الوحدة دكوا الحصون الحصينة للخرطوم التي تترس خلفها غردون وجنده.

الدرس السابع: كان قائد الثورة وملهمها يومئذ في ريعان شبابه، وقاد التحرير ومن خلفه جحافل الشباب فكما توحدوا في الماضي معه لمواجهة الاستعمار، يجب أن نتحد اليوم لمواجهة التحديات التي تواجه بلدنا، وأن نضع مصلحة الوطن، وعلى الشباب أن يتعلموا من أجدادهم الذين ضحوا بحياتهم من أجل الوطن، وأن يكونوا مستعدين للتضحية من أجل مستقبل أفضل للسودان، ولأن معركة تحرير الخرطوم كانت طويلة وشاقة، ولكن الصبر والثبات قادا إلى النصر، علينا أن نتحلى بالصبر والثبات في مواجهة التحديات التي تواجهنا اليوم، وكما اعتمد السودانيون يومها على أنفسهم في تحرير وطنهم، ويجب علينا اليوم أن نعتمد على قدراتنا ومواردنا لبناء مستقبل أفضل ولا نركن لإرادة أو هيمنة خارجية تتحكم في قرارنا وتحاول تحديد مصيرنا، وتسعى جاهدة لامتطاء ظهورنا عبر (المستخدمين) من أدوات الحرب في السودان.

   
● ختامًا: إن ذكرى تحرير الخرطوم ليست مجرد يوم للاحتفال، بل هي مناسبة للتأمل في تلك الملاحم، والتجويد للحاضر الملائم، والتجديد للعهد الباقي مع الآباء، وإنها تذكير لنا بأننا شعب عظيم يحاول البعض احتقارنا أو تحقيرنا، وأننا أمة قادرة على تحقيق كل ما يصبو إليه، فكما كسر آباؤنا كبرياء المستعمر، ودحروا جحافله، علينا أن نستلهم من أجدادنا العزيمة والإصرار، وأن نعمل جاهدين لبناء سودان قوي ومزدهر، فنحن من تلك العترات الطاهرة، ونحن من دحرنا الطاغية الذي يحاول جنده إعادته وتنظيمه وحزبه للتحكم في رقابنا، فيا شباب السودان، أنتم ورثة الأبطال، حملة لواء العزة والعزم والتحرير، أمامكم تحديات جسام، فمشروع التفتيت لثورتكم قائم ويعمل عملاؤه على قدم وساق، وخطوات استئصال روحكم الثورية من السودان والمنطقة العربية تعكف على قتلها أجهزة دول وأنظمة، ومواردكم وإمكانياتكم يحاول لصوص في الداخل والخارج تسخيرها لغيركم عقودا وقرونا قادمة، ولكنكم قادرون على هدم كل تلك المتاريس ونسف جميع تلك العقبات وتخطيها، فاستلهموا من أجدادكم العزيمة والإصرار، واعملوا جاهدين لبناء سودان قوي موحد ومتحد. إنكم قادرون على تحقيق المستحيل، فكونوا على قدر المسؤولية واستجيبوا لندائه ﷻ: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوۤا۟ إِلَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِیَاۤءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود ١١٣].

من البقعة في:
٢٥ رجب ١٤٤٦ه
٢٥ يناير ٢٠٢٥م