في كل تلك القصص التي تروي حقائق الموت وتنفي علائقه بالغيب أو توغل في ربطها به بصورة تنافي العقل والنقل، نجد أن البطل في جميع تلك الروايات أشبه ما يكون بحبيبنا الباذل الباذخ الباهي الباهر الصادق الصدوق، الذي لم يبارحه الصدق في أحلك الظروف، حتى تلك التي أبيح فيها الكذب، صدقاً مودياً بالحياة إلى الهلاك، صدقاً تجرد صاحبه من كل شائبة غش أو كذب، فقد كان كان باراً بوطنه وبأهله وآبائه، فهو سليل فراديس العز والكرم والإكرام ومحبة الوطن، عفره آباؤه بثرى هذا الوطن، فأبلى فيه خير البلاء، وابتلي فيه ابتلاء الشهداء، أعطى لأجله كل غالٍ، وما استبقى لأجل نفسه شيئاً فانياُ، وقد اغتنى حبيبنا بمحبة الشعب وافتقر لله متضعاً إليه، ظل في كل يوم ينافس ذاته، ويتجاوز نفسه في اليوم التالي كأنها يريد أن يسبقها إلى: (مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى)، وكأنه يقول لنا: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، تشع منه ابتسامة وتفاؤل في أحلك الظروف يأتيه طرداء الحركة الطلابية والطالبات والرجال والنساء والأطفال والبؤساء من الشعب فيذهب عنهم رجس الاستبداد وآلام القهر والإذلال، وينسيهم كل ضيق، ويمسح على رؤوسهم بحنوِّ الأب وحنان الأم، ويبشرهم بنصر الله: (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)، ذلك التفاؤل كان زاد كل مثابر في سبيل الانتعاق والحرية، جعل لنا من حياته مدرسة فصولها لا تنتهي، ومن مماته عظة وعبرة تصعقنا كل يوم لتذكرنا بضرورة الاستماتة في سبيل الأوطان وكرامة الإنسان والديمقراطية وحقوق الإنسان، وجعل لنا من تفانيه والمحبة السرمدية للكيان والسودان منهاجاً للاستزادة بمحبة الخلق للقاء الخلاق العليم عنوان محبته: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّه). حتى نلقاه على صفاء ويقين.
لو سئلت عن أعظم الأشياء التي تعلمتها منه أقول التفكير بالغير، فقد كان مغايراً للناس يسائلهم عن حالهم، قبل أن يبادروه عن حاله، ويمنحهم قبل أن يسألوه جزيل عطائه ونواله، وبالطبع كان هو الإنسان الطيب الذي تكسوه المهابة، وتعلو قسماته الصرامة في الحق، وهو معين الشهامة التي كسرت كل القيود، ومنبع الكرم الذي تجاوز كل جحود، والملاذ الدفيء الذي بدد كل جمود، فتح قلبه محراباً للتبتل، وجعل فاه ملهاجاً بالتذلل لله الرؤوف الودود، يخافه المستبدون، ولا يخاف إلا الله، وفتح داره لتكون بلا باب، ليأوي إليه كل الأحباب وجبر في عقرها كسر كل مصاب. كان مُجِداً جاداً في عمله الديني والوطني يعمل باستمرار دون كلل أو ملل، قائماً على خدمة أهله والخلق والوطن نهاراً، وقائما للرحمن الرحيم والناس نيام، إلا أنه كان بشرياً تماماً بشراً سوياً، تقياً، نقياً، لا جباراً ولا شقياً، هماما إنساناً آدمياً بما فيه الكفاية لأن يموت.
الكل كان يرقب انتظاره، ويدعو الله أن يأتيهم راجلاً هاشاً باشاً يحمل عصاه ومتعمماً بعمامته، وطال الانتظار، وكل يوم نسائل بعضنا: هل عاد الأمير؟ وتجيب الآيام والآلام لا لا، لم يأتِ بعد!! إلا أن روحه لم تغب يوماً عن كل حفل.
الكل كان ينتظره في القرى والفرقان والحضر، ينتظره أهل سفح جبل كرري وسراة الصحارى، في الطرقات في الردهات في الفصول في الجامعات في المدن في الحواري، ينادون ويناجون الله في السر والعلن وفي كل جمعة من على مآذن المساجد يلهجون له بالدعاء، ويسألون الله له الشفاء، اللهم اشف عبدك الأمير نقد الله، فيؤمن المؤمنون والشجر والمدر والحجر آمين آمين آمين، إلا أن: (اللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
لم يستوعب كثيرون موته، ولكنهم استرجعوا واستجمعوا قواهم إذ إن ثراهم حافل بالخالدين، وقد جعل الله لهم معه ائتلافاً فيعرفونه ويعرفهم، ويألفونه ويألفهم، بل ومحبة، وأعجب لقوم يحبون الموت كأجدادهم، حتى قال شاعرهم:
كانوا لابسين المرقع وبالحراب سوها غابة
شدة الموت ما بريدوا التقول بينهم قرابة
“ماتوا أبطالاً” هكذا كتب عنهم في جميع تقارير الموت في المعارك والكوارث، سواء كانت تلك الملمات من صنع الإنسان أو الطبيعية أو المعارك، دأبهم في ذلك الإيثار والتضحية بالنفس والنفيس وتجاهل الخطر، فكان أقل وصف لهم (الأبطال)، كان الفقيد حفيد أولئك النفر الذين تعرّف البطولة بهم، وتأبى الشجاعة إلا أن يوصم بها أمثاله، في الوقت الذي كان يُزيّف فيه التاريخ ويعرض فيه بعض الأبطال ونمور الورق، كان الفقيد طيب الله ثراه يصر على تعريفنا بالبطولة بإصرار وعزم، ويتمسك بحياته لإفهامنا حقيقة بقائه على قيد الحياة يعيش بيننا على سرير المرض قرابة العقدين من الزمان، وكأنه يروى لنا كيف كان يعود أجداده أبطال الحروب المهدوية إلى ديارهم، وكيف كان يعود هو وزملاؤه كل مرة من مقابئ العكسر ومعتقلاتهم وبيوت أشباحهم.
انحاز الفقيد إلى أن اختاره الله إلى جواره إلى صف التضحية والبطولة، ولم يبارحه يوماً، ولم تنازعه نفسه بالركون إلى سلطة مغتصبة أو مخادعة الطغاة والغاصبين، متصدياً لهم وموصداً لكل باب، يمكن أن يدخل به شيطانهم إليه، وقطع كل يد آثمة امتدت عليه.
كان عنواناً للإيثار والشجاعة، وكله يقين أن العبء الذي حمله يملي عليه أن يكون على استعداد للتضحية والمخاطرة بحياته من أجل قضية أعظم هي قضية الوطن وإنسانه، هكذا روى من عايشوه، فقد قال أحدهم كنت على وشك الجنون في بيوت الأشباح لولا لطف الله وتثبيت الفقيد لنا، وقال آخر: كانت طلباته لقادة الحركة الشعبية بمثابة التعليمات يحترمها ويجلها قائد الحركة وقتها د. جون قرن ديمبيور، الذي فك لأجله أسر العشرات من أسرى الحرب بكلمة منه فقط.
برحيله أكد لنا أن ارتباط الموت بكياننا هذا ارتباط وثيق، وذلك لاتصال الكيان بالبطولة والفداء والتضحية، فقد جندل الموت خيرة قادتنا (ففي الفروة كان مسك الختام للدولة وبقيت الدعوة)، وانتقى الموت أعظم أئمتنا، ولم يغشهم إلا وهم في ذروة عطائهم وبذلهم وقوتهم وجهادهم واجتهادهم، ونال الفقيد الراحل من ذلك حظاً عظيماً ووري جسده في البقعة التي أحب وجاهد فيها من الركاب إلى التراب.
نعلم أن بموته انقضت حياة يعجز جميعنا عن تعداد مآثرها وتفنيد تفاصيلها، لأن الفقيد كان أمة لوحده، هذا ما علم عنه في العلن، وقد كان أيضاً من أهل الخبيئة الذين يعملون أعمالاً لم يرها إلا الله، عملها قصداً لوجهه الكريم، ولكن يقيني أن وفاته كانت تتويجاً لحياة ستتكشف فصولها بصورة أوضح بعد رحيله، وستكون إشراقاً لحيوات أخرى جديدة سيعيشها من بعده من الذراري وأبناء وبنات الرحم والدم والروح، لأن موته جاءنا في وقت ظننا فيه أننا بوفاة سلفه الحبيب الإمام الصادق المهدي نور الله وجهه وأرضاه أننا قد تيتمنا وانفرط عقدنا وتشتت كلمتنا، وها نحن نجتمع في سرادق عزائه أكثر عزماً، ونتداعى بصورة أذهلت الناس تحققت بها مقولة الإمام المهدي عليه السلام: (المزايا في طي البلايا).
كانت حياته مدرسة، ومماته درساً من دروس تلك المدرسة التي أكدت لنا أن هذا الوطن من صنع هذا الكيان، وهو مبتلى بالآلام والألغام، ولكن صُنع هذا الكيان وقيادته لتجاوز عقباتها وإبطال مفاعيلها، وقدر لمنتسبيه أن يصبحوا أبطالًا، ففي رحيل كل زعيم فيه تتأكد حتمية إصرار الأنصار على الاستمرار في الوجود، بل يتجاوز ذلك الإصرار إلى خلودهم حتى إلى ما بعد الموت، وكأنهم قد استجيب لهم: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِين).
ختاماً: ملحمية هذا الكيان وحميمية قادته تؤكد شيئاً واحداً أنه كلما ابتعدنا من مركز التاريخ المهدوي وتباعداً زمانياً ومكانياً، كلما ازداد التقارب الروحي بين ذكرى الأحفاد والأجداد، تأكد لي هذا الأمر بمسيرتنا مع الحقاني نور الله وجهه وأرضاه، فقد كان هو الحفيد المهدوي الذي أحيا الأثر، وسار بالدعوة ليمسح بها على الكون ثلاث مرات مسحاً، مبشراً براياتها ومبيناً لعظمة آياتها، وما شهدته في تأبين الفقيد الأمير الحاج عبد الله عبد الرحمن نقد الله يؤكد رؤيتي للأمر ففي بنيه وبناته وإخوانه وأخواته شهدنا الجلد والصبر ورجاحة البيان وفصاحة اللسان فتماسكوا في ذروة الأزمة، وكفكفوا بأياديهم دمع الكيان وحزب الأمة، زادهم في ذلك ابتغاؤهم لأجر الصابرين الذين قال الله فيهم: (أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
اللهم لقِّ إمامنا وصاحبه وأحبابهم نضرة وسروراً، واجعل وجوههم من الوجوه الناضرة إليك ناظرة، وارزقنا وإياهم لذة النظر لوجهك الكريم وصحبة نبيك الرحيم صلى الله عليه وآله مع التسليم، واربط على قلوبنا واجمعنا ومن صحبنا ومن أحبنا على حب نبيك صلى الله عليه وسلم.