آلآن يا محمد حمدان
اعترت البلاد أكبر عثراتها بعيد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، والذي تردد كثيرون في تسميته انقلاباً، فطفق بعض المحللين يسمونه تصحيحا للمسار الانتقالي وغالبيتهم ظهروا في ثوب الخبراء الاستراتيجيين ومتخصصين مستقلين افتضح أمرهم بأنهم يتلقون تعليماتهم من مكتب القائد العام ومستشاره الإعلامي وآخرين يتلقون حوافزهم وتوجيهاتهم من مكتب محمد حمدان، فيما سماه البعض قرارات القائد العام للقوات المسلحة وهؤلاء غالبيتهم إما عسكريون أو متنصلون أو متأسلمون، وذهب طيف واسع من الدبلوماسيين الغربيين إلى نعته بعملية استيلاء الجيش على السلطة، سايرهم في ذلك بعض العرب والأفارقة على استحياء، اليوم ودون أن يشعر قال ولد لبات الوسيط الإفريقي بضرورة إنهاء الإنقلاب، ولا ندري إن كانت قناعة ام زلة لسان، فيما واجه غالبية أهل السودان وشرائحه الحية وقواه الفاعلية جريمة ٢٥ أكتوبر بتسميتها الواضحة التي مراء فيها بأنها إنقلاب عسكري استحال إلى البطش والتنكيل والدموية وإهدار الكرامة الإنسانية.
ظل محمد حمدان طوال أيام الانقلاب العسكري الأولى صامتا ومستترا خلف ظهر البرهان، وشاركه الاختفاء كل جنرالات المجلس الانقلابي، وفي أو ظهور له عمد إلى قراءة خطاب منمق محشو بكثير من الأكاسير الشمولية، ومن بعدها لم يتوانى في الكيل للقوى السياسية السودانية بكل ما عنده من ضح وضحيح، وقد كان هو من أكثر الناس إصرارا على عدم الجلوس مع تلك القوى قبيل الإنقلاب وأقسم بالله أنه لن يجلس معهم في طاولة واحدة، وتحمس جدا لفكرة الانقلاب بعد أن أوحى له الأبالسة ومن شايعهم من السدنة ضرورة التحرك العسكري، وضللوه بتقارير وهمية بأن لدينا من المؤونة المادية والمعونة السياسية ما يكفي لسد رمق الإنقلاب والتمهيد لإجراء إنتخابات تتولى من بعدها حكم السودان رئيسا منتخبا.
لم يلتفت محمد حمدان للقوى السياسية وهو يلوح لمودعيه في مطار الخرطوم وهو يتوجه إلى موسكو محاكيا المسار الجيوسياسي للمخلوع في آخر أيامه، غير أن المخلوع ذهب متسولا الحماية ودقلو ذهب متأبطا ذهب وثروات ومياه وحدود البلاد ليقدمها قربانا لفلاديمير بوتين، ومستعدا لاقحام البلاد في معمعة القتال الروسي الأوكراني كما فعل بالزج هو والمخلوع مع ذات المستشارين بدفع جيل كامل من الشباب لمحرقة الحرب اليمنية السعودية، ومضى مرسلاً معاونيه من بقايا الإسلاميين وعملائه من منتسبي بعض القوى السياسية ومستشاريه من زعماء العشائر والقبائل ليمهدوا له الطريق الذي سبقه إليه البرهان، وهو الطريق إلى تل أبيب في محاكاة غبية بينت للناس والعالم أجمع ازدواجية القرار الإنقلابي.
امتنع محمد حمدان عن الجلوس في كافة المجالس التي تجمعه مع القوى السياسية، في السيادي، والاجتماع المشترك مع مجلس الوزراء، واجتماع مجلس الشركاء، واختار أن يجالس حفنة السدنة الذين منعهم هو بنفسه من الحضور لملتقى الحوار كما منعهم البرهان من قبل صحبته في رحلاته، وبتمنع (دقلو) وسجية نفسه الظالمة التي حاول تجميلها وتحميلها فوق ما تحتمل إلا أن شره المضمر قد بان وسوءه المغروس قد استشرى فأحال البلاد إلى خراب ينعق بومها، وينذر شؤمها.
ذات "دقلو" الذي يدعو القوى السياسية التي لم تشارك في حوار الآلية الثلاثية إلى تغليب المصلحة العليا للبلاد، إلى الأسبوع المنصرم كان يسخر إمكاناته ومستشاريه وعملاءه والفلول للتحشيد أمام مقر بعثة يونيتامس لطردها واستبعاد رئيسها ڤولكر بيريتس، متهما إياها بالتدخل في السيادة الوطنية، وواصما القوى السياسية بالعمالة والارتزاق وهو الذي قال فيه أنه حينما يذهب للخارج حتى وإن كان لغرض علاجي يضطر لتسول الشيوخ والأمراء.
إن "دقلو" وضعت له خطة حاولت أن تجعل منه رئيساً للجمهورية الموعودة، ولكنها على أنقاض جماجم وبرك من الدماء وأرواح الأبرياء، فهو غير آبه لأن يخلو له وجه الخرطوم وإن دفنا أهلها في الجب وسكنتها القطط، يريد أن يحكمها ويستقطب الآن الجماهير وغثاء الأحزاب وبعض (النخب السياسية السودانية المرخرخة)، التي يساومها دقلو بمفاتيح المركبات الصينية أو التسهيلات البنكية أو حصص الوقود أو التنصيب العشائري.
يعلم "دقلو" ومستشاروه أن جميع صنائعهم وفظائعهم قد فتح ريحها وعم الريف والحضر، وتورطه ومكتبه وقادته في كوارث قبلية كالتي في الشرق وجرائم مجزرة فض الاعتصام باستيراد هراواته ودرقاته ومهماته من روسيا، وتهريب ثروات البلاد عبر ميرو قولد وفاجنر وتسهيل عمل العصابات الإجرامية العابرة للقارات والتي تنشط في تهريب ونهب الثروات وضعضعة أنظمة الحكم في إفريقيا، كل ذلك سيجلب فاتورة ملاحقات دولية يصعب على "دقلو" وأعوانه ومستشاريه ومدراء شركاته وممالئيه دفعها، وحينها لم يغلب "دقلو" مصلحة البلاد العليا وإنما رجح الكفة لمصلحته السفلى.
كم شكر وحيّا "دقلو" القوى (الوطنية) التي شاركت في جلسة اليوم نحن نشكرهم جميعا بعد أن ركموا جميعاً إلى مستقرهم المحتوم، فقد ماز الله الصفوف وبين بعضعا من بعض، وهنا تتكشف محدودية خبرة المستشارين الذين فتحوا دفاتر دار الوطني (النادي الكاثوليكي سابقا) ليحيوا بها رميم قوى سياسية سقطت مع المخلوع من منصة الساحة الخضراء وقتها وهم يعمدونه مرشحا أوحدا لانتخابات ٢٠٢٠م.
إن جلاء الموقف اليوم واتضاح مدى عبثية العملية الحوارية بين للعالم أن السودان والسودانيين عقولهم أرجح من أن يساقوا إلى شراك أوهن من خيوط العنكبوت، فقد بينت القوى السياسية مواقفها من حوار غير معلوم الغايات وغير محدد الأجندة وليس هناك سقف أخلاقي للمشاركين فيه، فالخرطوم ملأى بالمبعوثبن الرسميين والمخفيين والسريين، كلهم يريدون إيصال البلاد إلى استقرار في حال استحالته ستستحيل البلاد والمنطقة إلى قطع متجاورات متحاربات مدمرات، وكل هذا كان كفيلاً ليطلق "دقلو"، أو مكتبه الاعلامي صيحته المستجدية للجلوس مع من حلف ألا يجالسهم يوم أن غلبوا مصلحة البلاد وصاحوا في وجه الانقلاب.
آلآن يا محمد حمدان وقد بلغت منك الملاحقات والإدانات الدولية مبلغ القبلي من فريق (اب سن) وما هو إلا (مربط عجيل)، حتى وتجد نفسك وأسرتك وأعوانك وسدنتك ومستشاريك وشركاتك وبنوكك ومؤسساتك في قوائم الحظر؟؟؟، آلآن يا محمد حمدان وقد كان بإمكانك الاعتذار للشعب السوداني للوصول إلى الحقيقة والمصارحة فالمصالحة إلا أنك اخترت التمادي والاشتراك في قتل (١٠١) في الخرطوم وحدها، وإهدار الاستقرار الجزئي في كل ربوع البلاد؟؟
إن أفضل ما يمكنك تقديمه إعلاء للمصلحة الوطنية وتغليبها على النزوات الشخصية ونزغ السلطة، هو التنحي الفوري بالاستقالة عن منصبك والتخلي عن الإنقلاب والاستعداد لدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني في البلاد بتحقيق العدالة والمثول أمامها، فلا استقرار بدون عدالة، ولا سلام بدون عدالة.
________________________________