المحاولات البرهاوية لكسر الإرادة القوية
مدخل:
● يروى أن أحد الأنصار كان يعمل طهارا يختن الأطفال، وعندما أسلم سلاطين باشا قام بتطهيره، إلا أنه بعد عودته غازيا مع جيش كتشنر أول ما أمر به سلاطين هو حلاقة سعر رأس ذلك الطهار "صلعة"، الأمر الذي قابله الطهار بسخرية قائلا: " يا سليطين النعيل، الزينتها ات بتقوم لكن الزينتها أنا للقيامة ما بتقوم". قلنا المُلحة دي ليه؟؟
● وجاء كتشنر من بعدها فمنع لبس الجبة والعمامة الأنصارية وحظر قراءة الراتب وقال هذه كلها دفنتها مع المهدي وخليفته، ومن يفعلها أو يرددها سأدفنه معها، واليوم بعد مائة وأربعة وعشرين عاما، ترفرف رايات تلك الدعوة وتتعالي الهامات بالعمائم، ويصدح الأنصار بالراتب، ويتزيا الشباب بالجبة كأزهى حلة حتى ممن هم غير أبناء الأنصار، وهاهم صامدون ضد الطغيان والبطش والاستبداد ودكتاتورية كتشنر الأسمر.
● في الوقت الذي تُدجج فيه قوات مختلطة تضم أرتالا من الأجهزة النظامية الإنقلابية، وتملأ خزانات مركبات الدفع الرباعي بالوقود لتزدحم بهم طرقات العاصمة، وتجهز أسلحتها الخفيفة والمتوسطة، والمضادة، وتصرف لهم نثريات المهمة والاستعداد، كل ذلك من أموال مقتطعة من قوت هذا الشعب، وهناك من يئن مدهوسا تحت إطاراتها، أو مصابا بطلقاتها أو مسجى في قبره شهيدا، أو في المجهول فقيدا.
● يظن الإنسان خيرا إلا أن بعض الظن إثم، يظن أن تلك القوات التي رتبها التي على أكتافها من خير أكتاف هذا الشعب، تريد أن تصون البلاد وتطهرها من جماعات الفساد والافساد، وتتجه لدك حصون العدو الذي تطأ قواته أراضينا، ولكن يرتد الظن أسوأ مما ساء إلينا التقدير وهو حسير، لأن البرهان لا يمكن أن يصدر أوامره أو يراقب قواته إلا وهي تتجه لانتهاك حقوقه وحرماته، أولم يتلذذ بمشاهد القتل والسحل والتعذيب والاغتصاب في حرم القيادة العامة.
● قوات برهاوية تنشط بتلك الصورة العشوائية والهمجية والرعناء بالاعتداء على الشباب والمراهقين والأطفال، تنزلهم وتذلهم من المركبات العامة ومن عربات الترحيل ومن حجور أمهاتهم لتحلق لهم رؤسهم على قارعة الطريق، وتقطع طريق المارة تجز شعورهم، وتنهب ممتلكاتهم ومن ثم تدون بلاغاتهم ضد مجهول.
● القاعدة الذهبية المجربة التي علمتنا لها شوارع ومدن وحواري وطننا السودان تقول: "أن كسر الإرادة بالعنف لن يكسر إلا دائرة العنف"، فحينما جرب معنا النظام الإخواني هذا النموذج بصورة أعنف وأبذأ في معسكرات الخدمة الإلزامية والتجنيد القسري والمعتقلات والسجون، كان يحاول تعبئتنا بالعنف وتجييشنا لصالح مشروعه العنيف أو المشروع المضاد له، ولكنه فشل.
● خرجنا من تلك المعسكرات ونحن نعرف كل صغيرة وكبيرة عن أيدولوجيا المشروع الواهمة، وممارساته التافهة وسياساته العنصرية المقيتة، واتجهنا فور التخرج صوب أركان النقاش، لتفكيك تلك الفكرة وهدم أركان ذلك المشروع باستراتيجات كسر دائرة العنف باللاعنف، وهزيمة قوة السلاح بالقوة الناعمة وردع منطق القوة بقوة المنطق.
● إن لهذا الشعب جينات عزة وأنفة وشموخ وكبرياء في جنبات من ولدوا في التسعينيات وتربوا وتعلموا في كنف فرعون زمانه (عمروت)، جعلت منهم أفتك الأسلحة بالنظام الأستبداي وأمضى سلاح في أيديهم صفقات أكفهم البيضاء، وضلوع صدورهم العارية التي تتحدى الرصاص، وصيحات حناجرهم التي تشق عنان السماء تشهد الله وملائكته والناس أجمعين على حب هذا الوطن وشهدائه.
● إن أكبر العقبات التي تحول دون إبرام إتفاقات سلام أو مصالحات أو تسامح أو تعايش، هي عمليات الإذلال الممنهج والإهانة التي يتم تدريب قوات نظامية لارتكابها في حق الشعوب، لأن الأمر يخرج من كونه صراع أخلاقي حول مشروعات متضادة إلى غبائن شخصية يحمل بها المجرم ويتحملها المجني عليه، لذلك ليس لنا أن نحلم بسلم اجتماعي في القريب العاجل أو بناء سلام لنكسر به حلقات الصراع الموروثة ونكرس به قيم الإخاء والوفاء المدروسة.
● أي دولة لا تحترم إرادة شعبها الحر دحرت وغلبت وانقلبت، وأي امتهان لكرامة أي إنسان كونه من بنووة آدم عليه السلام، هو استدعاء لتجديد الحروب والنزاعات والعدوان، وها نحن نرى دعوات للتسلح كرد فعل لممارسات قوات الإنقلاب في الخرطوم، وهو أمر سيجلب للبلاد والعباد شررا مستطيرا.
● حاول هؤلاء الشباب تطهير صحائف قواتهم النظامية من الجرائم التي استغلهم المخلوع البشير بارتكابها، من قتل وحرق للقرى وقصف للمدن في دارفور واغتصاب وجرائم ضد الإنسانية النيل الأزرق وكردفان، واعتصموا في ٦ إبريل ٢٠١٩م أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة التي صارت فيما بعد القيادة العامة للقوات المسلحة لتصبح (ق ش م) (ق م س)، وظن السودانيون أنهم طهروا تلك الصحائف وأودعوا مجرمها الأكبر في سجن كوبر.
● إلا أن الايام أثبتت بما نشهده من فظائع ترتكبها هذه القوات، أن هناك سياسية متبعة واستراتيجية محكمة لتبغيض جنس هذه القوات وشيطنتها في العقل الجمعي للشعب السوداني، وهو الأمر الذي سيتخذه الدكتاتوريين مدخلا للهيمنة على البلاد ومطية لنهب ثرواتها واستخدام هذه القوات أداة طيعة لتركيع الشعوب، ولكن وارد أن يأتي هذا بنتيجة في أي مكان إلا في السودان.
● ختاما: أذكر البرهان وسدنته وطباليه وصحفييه وصحّافيه، أن سلاحنا الفعال الذي هزمنا به مشروع الجبهة الإسلامية في أطوارها المتعددة هو "السلمية"، ولكنهم هاهم يحاولون جرنا لمربع "الذئاب المنفردة"، وبذر أفكار الانتقام الشخصي ممن يرتكبون الفظائع في مواجهتنا، لذلك علينا أن نعض على سلميتنا بالنواجذ، فإن هذا الشعب عصي على الكسر، وجيناته الموروثة من أسلافه أقوى من القهر ، وليعلم الجبناء أسلاف الخديوية أن يوم الحساب آت، فإنهم يرونه بعيدا ويعدون له ساعة صفر، وما علموا أن ميقات الشعب قريبا، أولم تكن إرادة الخلق من إرادة الحق؟، وأن ساعة هذا الشعب ما عادت تضبط بتوقيت جرينتش أو دبي أو القاهرة أو مكة، وإنما مضبوطة بتوقيت الثورة السودانية وإن كان ثمة ساعة صفر، فليدق الجبناء أجراسها ويتخفوا خلف البنادق ويتحسسوا أسلحتهم التي أودعوها مؤخراتهم، حينها سنقول: (داك الجمل وداك الجمالي)، ويا الحوري: (الزينها العسكرى بتقوم إلا الزينها الشعب السوداني ما بتقوم)، وطيارتها لن تحوم، وستنعق في كوبرها كالبوم.
انتهى..
عروة الصادق
التاريخ: ١٣ سبتمبر ٢٠٢٢م.
المحطة: البقعة.
___________
@orwaalsadig