● أصبحت الجمعية العامة للأمم المتحدة محفلا لاكتساب الشرعية ونيل الدعم بالإعتراف الدبلوماسي، الأمر الذي حفز طغاة العالم على مر الأيام والعصور لتحين الفرص والمشاركة في فعالياتها لنيل فردوسهم المققود، فمثلما نرى رئيس مثل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يشارك في اجتماعات «الجمعية العامة» متحديا عقوبات «حقوق الإنسان»، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نشاهد مدى نشوة الجنرال البرهان الذي يشارك في أعمال الدورة السابعة والسبعون من اجتماعات الجمعية العامة.
● ظل العالم يضرب حصاره على الطغاة بصورة انتقائية طوال السنوات الماضية، وقد شهدنا على تغاضيه عن للممارسات الإسرائيلة وتجاوزاتها الصارخة لمعاهدة جنيف الرابعة واستخفافها بالقرارات الدولية، ولعل ذلك ما حفز الجنرال البرهان للمشاركة في هذه الدورة، بحثا عن مايكروفون يصرخ به أمام العالم بأنه منقلب على ثورة خاطب رئيس وزرائها هذه الجمعية بفخر واعتزاز إلا أنه أودعه الإقامة الجبرية بعد الانقلاب عليه وضيق عليه وسحب سلطاته حتى خرج من البلاد نافذا بجلده.
● هذا الميكروفون ظل المخلوع الجنرال البشير يبحث عنه لثلاثين عام، حينما استعصى عليه الوصول إليه استعاض عنه بأخرى محلية، أشد صخبا وضجيجا، وظل سدنته يحشدون له البسطاء ليرغي ويزبد أمامهم، ويهدد ويتوعد الأسرة الدولية وأهمها المتحدة، ومحكمتها الجنائية، ويقل فيهم ما لم يقله مالك في الخمر، وعلى ذات النهج يسارع البرهان لتلقف هذا الميكروفون.
● وسيواجه البرهان واقعا جديدا في الجمعية العامة، ومجلس حقوق الإنسان على وجه الخصوص، إذ أن المفوض السامي لحقوق الإنسان الجديد النمساوي فولكر تورك أمامه ملفات موروثة من سلفه ميشيل باشليت مثقلة بانتهاكات برهاوية لحقوق الإنسان في السودان، وفولكر هذا ليس كفولكر بيريتس، لأنه من الذين عملوا على تأسيس المحكمة الجنائية الدولية، وله رأي أشد وضوح وصرامة فيما يخص الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية.
● ينبغي أن تعلم الجمعية العامة للأمم المتحدة والدول المشاركة فيها، أن وفد السودان الذي يقوده الجنرال البرهان رئيس إنقلاب ٢٥ أكتوبر لا يمثل إلا سلطة الأمر الواقع، التي رفض الأفارقة التعامل معها وجمدوا عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، واستغل الجنرال رئاسة السودان لمنظمة الإيقاد في دورتها الحالية التي يرأسها السودان منذ عهد رئيس الوزراء د. حمدوك ليجعل البرهان من المنظمة سكرتارية شخصية تمهد للإنقلاب الطريق نحو الاعتراف الإقليمي.
● وقد حرم هذة الجنرال السودان من التمثيل الحقيقي، ومنعه بأن يشارك بصورة فعالة وصادقة، فلا تمثيل سوداني لجلسة الاستماع السنوية للبرلمانيين الذين يحضرون دورة الجمعية العامة، ولا حضور لوزراء بقامة السودان، ولا مشاركة تسعد السودانيين بعد فرحتهم العارمة بعودتهم المشرفة لأروقة الأمم المتحدة في عهد الحكومة الإنتقالية.
● وبهذه المشاركة يعتقد الجنرال أنه كسر الطوق، وحجم حيز الأصوات الرافضة لانقلابه، وهو إمعان في الجهالة والتجهيل للمجتمع واستغباء للأسرة الدولية، والتي يرى كثير من قادة الدول بضرورة اتخاذ قرار بالتصويت في الجمعية العامّة لطرده، ولأن الجمعية العامة يمكنها تخطي النقض الروسي في مجلس الأمن بالحصول على أغلبية، ولكني أرى أن شواغل العالم ستكون أكبر من طرد البرهان من اجتماعات الجمعية وسيظل الشأن السوداني في ذيل أولوياتهم.
● سيظل ميثاق الأمم المتحدة هو المرجعية لسلطة للجمعية العامة، وبه من النصوص ما يؤكد ضرورة تعزيز دور الجمعية العامة وسلطتها، إلا أنها ظلت رهينة للاصطراع الدولي، والتنافس الإقليمي، ومقيدة عن الإطلاع بدور فعال، وانحسر نشاطها الغوث المحدود والشجب والإدانة للانتهاكات وجرائم الإرهاب والهجمات العنيفة وجرائم العدوان على الشعوب.
● ختاما: حضور البرهان وسدنته لاجتماعات الجمعية العامة لن يغير واقع عدم شرعيته، فقد قدمت بعض دول العالم في خمسينيات القرن الماضي دعمها لجنرال انقلابي كالبرهان، الجنرال إبراهيم عبود الذي خطى عدة خطوات نرى البرهان يسيرها ويجاوزها بفظاعة الانتهاك وسوء الممارسة ومع ذلك اقتلعه الشعب بثورة شعبية في ١٩٦٤م، تلك الخطوات هي:
١. إن الجنرال عبود عطل الممارسة الحزبية بما فيها نشاط حزب الاستقلال واحتكر القرار السياسي في البلاد، وعمد البرهان إلى اعتقال كل خصومه السياسين وملأ المقابيء والسجون وأماكن الإخفاء القسري بمئات الضحايا.
٢. بعض الدول كمصر قدمت التأييد لعبود واعترفت بالانقلاب في اليوم الثالث له عبر اعترافها الدبلوماسي، لحقتها في ذاك إثيوبيا والسعودية وفرنسا والسعودية والعراق والتاريخ لا يرحم، فهاهو الأمر يعاد ومصر تبرز كأولى الدول دعما لتحرك العسكر ودعما لسلطة إنقلاب البرهان.
٣. ظل عبود يحكم بقانون الطواريء لمدة ٦ أعوام، أقال خلالها زملاء الانقلاب في المجلس العسكري منقلبا عليهم في مارس ١٩٥٩م، وفعل ذات الشيء البرهان بتجريفه المؤسسة العسكرية وتصفية عناصرها، آخرهم من نفذوا معه إنقلاب ٢٥ أكتوبر.
٤. لقد وصل عدد الضحايا في الاحتجاجات ضد عبود طوال فترة حكمة إلى حوالي ١٠٠ شخص منهم ١٢ في مجزرة المولد الشهيرة ضد الأنصار، وتجاوز عدد الضحايا في عهد انقلاب البرهان أضعافا مضاعفة من الضحايا والمشردين والمفقودين والنازحين.
• لكل ذلك سيظل الجنرال مستمرا في لا مبالاته ومعضدا حكمة حاشدا التأييد الإقليمي والدولي، ولكنه لن يستطيع تقديم شيء مفيد للسودان، ولن يستعيد ما بدده من مكتسبات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية، لأنه أبعد ما يكون عن التعقيدات الدولية ودليله في ذلك غربان أوردوا المخلوع من قبله قوائم الحظر الدولي، وجلبوا للبلاد عقوبات أضنت المواطنين، ووصمات جعلت الجواز السوداني حمله جريمة واتهام بالارهاب.
• إن الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست كرسي وثير ومايكروفون وسماعات للترجمة وإنما فرصة لتقديم البلدان لما يميزها وتسويقها في المجالس الاقتصادية والاجتماعية والبيئة ومجلس حقوق الإنسان واجتراح الحلول للأزمات وتقديم التوصيات، فكيف للبرهان أن يرفع يديه الملطختين بالدمام أمام تلك الأمم، وكيف له أن يؤكد لهم أن الديمقراطية هي السبيل الأوحد لتحقيق الاستقرار في إفريقيا، وكيف له أن يعاضدهم ويتفق معهم في مكافحة الإرهاب والغلو والتطرف، وهو الذي أطلق حبل الجماعات الإخوانية والتنظيمات المتطرفة على قارب البلاد، كيف له؟ وكيف؟ ففاقد الشيء لا يعطيه.
________
@orwaalsadig