حصيد البرهان في عام ( ٢)
الجزء الثاني
مقدمة:
حصيد هذا العام الإنقلابي من الدمار والتخريب والتجريف للحياة السياسية والاجتماعية لن تستطع جهة واحدة حصره وضبطه بدقة متناهية لأن الحالة التي تعيشها الدولة لا دستوريا ولا قانونيا أفرزت أوضاع إنسانية واقتصادية وسياسية وأمنية واجتماعية ودبلوماسية وبيئية وخدمية وثقافية غاية في البؤس والسوء، شرعت في الجزء الأول تبيان بعضها وأواصل في هذا الجزء ما انقطع من حديث مستعينا بالله لإكمال ما لاحظته عيني وما رصدته التقارير.
● خامسا: دبلوماسيا
• الشؤون الخارجية ظلت في السودان تدار بالأهواء والأمزجة والتسابق والتنافس حتى بين الانقلابيين أنفسهم، سواء كان ذاك في المحافل الرسمية أو المناسبات الاجتماعية فقد رأينا وفودا من الانقلابين تزور دول الجوار بالتتابع وكذلك العزاء في وفاة الشيخ زايد وملف التطبيع مع إسرائيل والتعامل مع روسيا، والتعاون مع جنوب السودان وإثيوبيا ولقاء السلك الدبلوماسي في الخرطوم، كل هذا يشير إلى توهان دبلوماسي وعبث بالملفات الخارجية يرقى في بعض مراحله للخيانة العظمى وتهديد الأمن القومي وتبديد موار البلاد وتهريبها وتسهيل إجراءات أمنية وتجاربة تحت غطاء الدبلوماسية.
• استقلالية القرار السودان تضعضعت منذ اليوم الأول للإنقلاب إذ زار قائد القوات المسلحة قبل تنفيذه الإنقلاب الجارة مصر وتبين لاحقا أنه يأتمر بأمر الحكومة المصرية والتي لم تستطع الاستمرار في دعم الإنقلاب طويلا عقب إندلاع موجة الاحتجاجات منذ الساعات الأولى من فجر 25 أكتوبر 2021م، وقد عزز من تراجع الدعم المصري والإقليمي والإسرائيلي موقف الاتحاد الأفريقي الذي جمد عضوية السودان والإدانات الدولية المتلاحقة التي صدرت من مؤسسات إقليمية ودولية ومنظمات حقوقية عالمية، ومجلس حقوق الإنسان الذي أرسل مبعوثا خاصا للوقوف على الحالة في السودان.
• سلام جوبا ووضع الأقاليم الجديد أحدث خللا دبلوماسيا محفزا للاستقلالية وربما الإنفصال، وما نشهده من علاقات مباشرة بين قادته الموقعين على الاتفاق والتحرك دبلوماسيا في الداخل والخارج يوضح تلك الاستقلالية التي تتم حتى دون علم وزارة الخارجية، الأمر الذي بين بجلاء ألا قانون متبع ولا نظم ولا لوائح خارجية ولا بروتوكول يحكم علاقة تلك الأقاليم خارجيا ويلزمها، وقد مضى قادة الأقاليم إلى إبرام اتفاقات بين حكوماتهم الإقليمية وحكومات دول جارة وصديقة ولم تعرض للنقاش حتى في أروقة الإقليم ناهيك عن الحكومة الاتحادية، جميعها منطلقة من تصورات إما للحركة المهيمنة في الإقليم أو التحالف المعني، وكل ذلك يحفز لمزيد من الاستقلالية التي قد تؤدي للإنفصال.
• استمر الجدل الدبلوماسي واندلع خلاف كبير في السلك الدبلوماسي بين مؤيدي الإنقلاب وبين رافضيه، الأمر الذي قاد فيما بعد لتجريف دبلوماسيي المحطات الخارجية واستبدالهم بآخرين أشد ولاء لقائد الإنقلاب، شمل ذلك حتى الملحقيات الثقافية والاقتصادية والأمنية، وهو ما دفع ثمنه دبلوماسيون في قمة المهنية والكفاءة والنزاهة،فيما امتثل بعض الدبلوماسيين لإجراءات الإنقلاب وآثروا السلامة والصمت والعمل تحت إمرة رئيس الإنقلاب حتى وإن كان ذلك على حساب مواقفهم الوطنية ونصاعة تواريخهم المهنية.
• كانت دبلوماسية التلويح بالحرب حاضرة إذ أقدم نائب رئيس الإنقلاب الجنرال دقلو على خطوة غير محسوبة العواقب، فقد زار روسيا الاتحادية قبيل ساعات فقط من إندلاع عدوانها وحربها على أوكرانيا، في الوقت الذي كان العالم برمته يصطف ضد إجراءات فلاديمير بوتين العدوانية التي شنت حربا كونية أخذت طوابع سياسية واقتصادية وعسكرية ودبلوماسية، وكأن النظام الإنقلابي وقتها يلوح بالانحياز إلى معسكر الحرب، وهو متورط فعليا في تمويل بوتين بكميات كبيرة من الذهب التي مثلت احتياطيا استراتيجيا لروسيا.
• وقد اتبع النظام الإنقلابي نهج الدبلوماسية المزدوجة والمختلفة، وقد بان أن لسلطة الإنقلاب وجهتين للعلاقات الخارجية، والتعامل مع المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي يتم برأسين، وقد شاهدنا كيف يتم لقاء كل من رئيس الإنقلاب ونائبه على حدة، وكيف يسافر رئيس الانقلاب إلى دولة ما وفور عودته للبلاد يقلع نائبه إلى ذات الدولة لتبيان موقفه، وكذلك التواصل بالبعثات الدبلوماسية في البلاد، بل حتى المشاركة في المناسبات والمحافل تتم عبر وفدين رسميين، يحشد فيهما كل من رئيس الإنقلاب ونائبه زبانيتهما.
• فيما اعترت العلاقات الدبلوماسية مع الجيران حالة من التوتر والتوهان في كثير من الأوقات، ففي الوقت الذي يتواصل فيه قادة الإنقلاب مع حكومات الجارة ليبيا وتشاد واثيوبيا نجد أن هنالك قيادات حكومية تتعاطى مع المعارضة المسلحة في تلك الدول بصورة علنية، والعكس صحيح، وهو الأمر الذي سيجلب للسودان شررا وتدخلا في الشأن السوداني ربما يدخل البلاد مجددا في قوائم الإرهاب والعدوان والاتهامات المضرة.
• الناظر إلى دبلوماسية سودان الثورة يجد أن السودان انفتح على كل العالم بلا استثناء وقد تمكن في فترة وجيزة من كسر الجمود الدبلوماسي وعزز الوجود القنصلي والسفارات في دول كانت تقاطع السودان ورفعت مستوى تمثيلها بداخله، أما دبلوماسية الإنقلاب فعجزت عن المحافظة على ذلك التواجد بالصورة التي لم يستطع فيها رأس الإنقلاب لقاء رصفائه من الدول التي أبدت رغبتها في التعاون مع السودان وصار وحيدا في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يشرف إلا بلقاء متواضع لوزير الخارجية الروسي، وذلك لأن سلطة الإنقلاب استعانت بحفنة ضئيلة من المرافقين والسكرتارية الدبلوماسية ولم تتمكن من استصحاب كفاءات وزارية تفتح مجالات تعاون مع نظرائها من دول العالم كما فعل حكومة الفترة الانتقالية.
• شكلت المياه واحدة من أخطر أوجه التعاطي الدبلوماسي تستصحب في أروقتها وزراء القطاع الزراعي والكهرومائي، ولكن بالإنقلاب ظلت الدبلوماسية المائية (مجمدة) لغياب السودان الرسمي من التداول حول سد النهضة واجتماعات دول البحيرات الكبرى واقتصر تواصله مع الحكومة المصرية التي تجتهد لتحييد السودان تجاه سد النهضة إن لم نقل استمالته، وبناء عليه سيكون السودان ومصالحه الكهرومائية مهددة بالغياب الذي سييت في قرارات ليس من مصلحة السودان صدورها، فتجربة تغييب دول الحوض من اتفاقية مياه النيل هي التي أتت بالمواقف الحدية الماثلة في سد النهضة وخلقت اصطفاف دول البحيرات.
● سادسا: بيئيا
• وضعت الحكومة الانتقالية ملف البيئة والحوكمة البيئية في سقف اهتماماتها انطلاقا من إلمام واهتمام القائمين على الأمر بطبيعة الخصائص الديمغرافية للبلاد وما بها من تنوع ثقافي وعرقي وحراك سكان، وخلقت إهتمام نسوي وشبابي بقضايا البيئة، وعكفت الحكومة على التعاون الإقليمي والدولي مع الأمم المتحدة والمعونة الأمريكية على إعداد أول تقرير بيئي للسودان شمل كافة الجوانب المتعلقة بالبيئة كالفقر والبيئة والمستوطنات البشرية والتحضر والاحتطاب والفحم والزراعة والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك والصناعة والتعدين والسياحة والسياسيات والتنمية وجميع الملفات ذات الصلة وعلاقتها بالبيئة، كل ذلك ضاع هباء منثورا إذ قطع الإنقلاب الترتيبات المؤسسية التي كان بإمكنها إكمال المشروع البيئي السوداني والوفاء بالالتزامات الإقليمية والدولية، فارتبك هيكل الدولة مؤسسيا وانقطعت العلاقات التنسيقية بين مجلس الوزراء ومفوضيات ذات صلة كالأراضي وتوقفت الترتيبات المؤسسية للمياه والمراعي والغابات، وتم تغييب الهياكل الرئيسية في إدارة الصراع، وضعفت كليا قدرة المؤسسات والمرافق البيئية وبعضها تراجع بصورة كارثية.
• نجد الاهتمام بالبيئة قد بلغ أدنى مستوياته في هذه الحقبة، كما توقفت كليا عمليات حماية النظم الإيكولوجية، بما في ذلك الغابات، التي تمتص الغازات الدفيئة وتقلل من الإحتباس الحراري، وتراجعت عمليات التوعية بمخاطر التغير المناخي. فلا اهتمام بالغلاف الجوي النطاقات المناخية ولا رصد دقيق للأمطار ودرجات الحرارة والرياح وساعات سطوع الشمس، وترك الأمر للهواة الذين وجدت صفحاتهم اهتماما أكثر من المراصد الحكومية، فضلا عن غياب الإعلام الحكومي وعدم اهتمامه بقضايا التغير المناخي وتذبذباته في السودان وتأثيرات التكثيف والتخيف وجودة الهواء وتلوثه وتأثيرات التلوث وكيف يدار هذا التلوث.
• مع العلم أن هذه البلاد ذاخرة بالموارد والأراضي التي يمكن أن تحدث نقلة تنموية انطلاقا من الوعي البيئي ومن جانب آخر يمكن أأنتكون تلك النعم نقم تتسبب في كوارث بيئية كما شهدنا الاحتجاجات التي شهدتها مناطق التعدين في نهر النيل والشمالية وجنوب كردفان في مناطق الذهب والمناجم وحقول النفط، وكذلك تمثل الحظائرالقومية والمناطق المحمية أهم الثروات التي أهملت وتتعرض الآن لاعتداءات بيئية تشارك فيها جهات حكومية وكذلك الأمر ينطبق على الغابات وبالتحديد التي تقع في مناطق النزاع تم الاعتداء عليها بمناشير كهربائية واتخاذها مدخلا لثراء بعض الضباط وتمويل بعض الحركات المسلحة، وشهد خريف هذا العام تلوثا كارثيا في موارد المياه ينذر بكوارث صحية تؤثر على الإنسان والحيوان ولم ترسل الحكومة طواقمها الصحية والبيئية لغالبية المناطق المتأثرة واكتفت فقط بتبرعات مالية على بثت على وسائل الإعلام، وأخطر جوانب الإهمال البيئي شمل الأراضي الصالحة للزراعة والتي تشهد تدخلا حكوميا بتوزيع جزء كبير منها لشركات امتياز تعدين ومعالجة مخلفات كالذي حدث في ولاية نهر النيل والشمالية وجنوب كردفان ما يعني التفريط الحكومي في سلامة التربة وصحة المواطن.
• رغم توقيع السلام واستلام موقعوه زمام الأمور في ولايات النزاع إلا أن أكبر التحديات البيئية لا زال هو النزاع المسلح والقبلي الذي يتسبب في نزوح أعداد كبيرة من المواطنين الذين يؤثرون ويتأثرون بيئيا بصورة مباشرة، وكذلك مثلت عمليات العودة غير المدروسة لبعض المناطق خطرا بيئيا على المواطنين والمناطق التي تمت العودة لها لعدم تحمل الحكومة مسؤولياتها في توفير المواد الأولية للبناء أو تهيئة البنية التحتية لقرى ومدن العودة الطوعية ما أدى إما لتدهور حضري على حساب المدن أو تحضر ريفي على حساب البيئة، وهو ما انسحب بصورة مباشرة على الأراضي وحيازتها وسياسات استخدام الأراضي وتداخلت المجتمعات الزراعية والرعوية والرحل ما عزز من حتمية النزاع، واضربت مواسم الزراعة المطرية والآلية والمروية كل ذلك ولد ما نسميه النزاعات الموسمية المهددة للاستقرار البيئي والمدمرة لاستراتيجيات الحد من الفقر والمنفرة للتمويل والاستثمار.
• رغم أن الحكومة الانتقالية اتخذت سياسات بيئية جديدة وشرعت في استجلاب تمويل ومنح تتجاوز مليارات الدولارات فيما يخص البيئة والمياه النظيفة إلا أن كل ذلك ذهب أدراج الرياح بقدوم الأنقلاب فإما تم تحويل تلك المنح لدول أخرى أو تم تجميدها، وتزايد الإهمال الشديد لمنظومتنا المائية على نحو رئيسي في النيل، وإهمال السدود وصيانتها الأمر الذي أدى لانهيار بعضها في دارفور وتسبب أخرى في كوارث أغرقت ولاية كولاية الجزيرة أضرت بالبيئة والتعليم والرعي والزراعة وصحة المواطنين، وتوقفت مشروعات حصاد المياه الممولة بصورة كلية ما يعني التسبب في عدم استقرار آلاف الأسر وملايين القطعان من الماشية، كما تم الاعتداء على المجمعات المائية الجوفية وإنشاء مشاريع استثمارية مكنت جماعات رمادية من الاستحواز على المياه الجوفية دون دراسات حكومية معلنة، ومثلت المياه البحرية أيضا جزءا منسيا في ذاكرة الحكومة الانقلابية.
• أول الإجراءات التمهيدية للانقلاب أحدث ضررا بيئيا بالغا ولكن كثيرين لم يكترثوا له أو يعلنوا عنه وهو إغلاق شرق السودان لفترة استطالت مدتها فقد هدد ذلك الموارد الساحلية وعرضها للإهمال والنسيان وتعرضت المحميات البحرية والسياحة الساحلية وعمليات الملاحة لاضطراب شديد فترة الإغلاق الأمر الذي سبب إجهادا مائيا لمدن الساحل وتسبب في تدهور عمليات الحصول على مياه الشرب النظيفة وقاد لهشاشة إضافية في الإقليم الشرقي وهو أكثر الأقاليم عرضة للتأثر بالتغيير المناخي إذ تراجع الإهتمام بمستجمعات المياه وتوظيف مياه الفيضان التي حدثت في طوكر وكسلا ونهر اتبرا هذا العام.
• كما نستطيع القول بأن النظام البيئي في السودان اختل كليا وتراجعت فرص ضبطه جراء إهمال البيئات الطبيعيية وإهمال التنوع الإحيائي وتهديد الغطاء الغابي وعدم اتخاذ أي تدابيرر حقيقية لحماية الغابات إذ تعيش الوحدات النظامية المختصة أوضاعا مذرية دون مهمات أو أجهزة أو معدات ويشكوا منسوبوها قلة المرتبات والحوافز التي نالتها بصورة أكبر وحدات مكافحة الشغب وشرطة العمليات، الأمر الذي أدى لأن ينخرط بعض منسوبي وحدات حماية الغابات والحياة البرية في أنشطة تدميرية ومهددة للبيئة خاصة في حظيرتي الدندر والردوم ونشطت بصورة مزعجة تجارة الحياة البرية في الأسواق المجاورة لتلك المحميات، بل حتى مدن أخرى يتم التوريد لها طيور برية وزواحف نادرة وجلود كائنات عرضة للإنقراض.
• أكبر الجرائم التي ارتكبها الإنقلاب بيئيا هو التلاعب في ملف المبيدات مع جماعات النفوذ وتجارة المبيدات التي أدخلت ما يمكن وصفه بدقة ملثات عضوية ثابتة لأن جميع شحنات المبيدات التي أدخلتها جماعات النظام البائد لم تخضع لفحص المواصفات والمقاييس ولم تمر حتى بإدارة المبيدات في الوزارات المختصة وكان للقصر الرئاسي الدور الأكبر في دخولها، يتسق هذا الملف تماما مع عدم اتخاذ سلطة الانقلاب لأي تدابير سياسية ضد مبيدات الآفات التي دخلت البلاد وبكميات كبيرة جدا امتنعت دول كثيرة من دخولها، وانتشرت بصورة كثيفة النفايات وسوء إدارتها وكذلك النفايات الصلبة ونشطت جماعات حكومية في الاتجار بالنفايات الالكترونية والتي تبيعها بعض الوحدات الحكومية وتنظم لها مزادات في قارعة الطريق، من هواتف نقالة وأجهزة إلكترونية مضرة، وغابت الإدارة والإرادة للتحكم في هذا الملف الذي يهدد مستقبل البلاد والمواطنين.
• ورغم ما ينشر من نسب وأرقام كبيرة عن حصائل صادر التعدي إلا أن الإهتمام البيئي بالتعدين العشوائي وسياسة التعدين والتركيبة الديمغرافية لقطاع التعدين شهد تراجعا كبيرا فانتشر خطر الزئبق وهناك تقارير ولائية تقول بارتفاع رسوبيته في مياه الشرب في بعض المناطق وكذلك النسب المزعجة لاستخدام مادة السيانيد حتى تلك الواردة في تقارير وزارة المعادن والشركة السودانية للمعان، كما ظل ملف المتفجرات أحد المؤثرات البيئية التي لا يشار إليها من قريب ولا بعيد لتورط وحدات حكومية في بيع متفجرات تتبع لأسلحة حكومية بكميات كبيرة لمناطق التعدين وكل ذلك يتم دون دراسة بيئية من جهات متخصصة.
• بمجرد سقوط الحكومة الانتقالية تم فتح المجال لإعفاءات جمركية لإدخال أجهزة وأدوات ومعدات ودراجات ومركبات خطرها البيئي عالي جدا وتخلصت منها عدد من الدول إما لتلويثها العالي أو لصرف الطاقة والوقود، الأمر الذي لم تعره الحكومة الانقلابية اهتماما ولم تلق له بالا، بل حتى المؤسسات الحكومية استوردت مولدات كهرباء كبيرة مخالفة للمواصفات والمقاييس ومضرة بالبيئة.
• معلوم أن العالم يتجه نحو الحد من ارتفاع درجات الكوكب نتيجة الاحتباس الحراري وانبعاث الغازات الدفيئة وقد قرر لذلك تمويلا كبيرا لمشاريع الحد من التأثيرات المناخية وتعويضا للدول الفقرة التي يعد السودان أحدها ، وكان مقدرا له أن يستفيد من التعوض والتمويل لزراعة حوالي 2000 كلم من الأشجار تمتد من حدود السودان غربا إلى أقصى الشرق.
• على الصعيد الوطني تم إيقاف كافة الخطط الوطنية التي التزمت بتمويل الأهداف المناخية، وتراجع بذلك التزام السودان الدولي للتعاون المناخي في الوقت الذي تستضيف فيه إفريقيا قمة المناخ بشرم الشيخ أكتوبر 2022م.
• تراجع الدور الحكومي وتعطيل التشريعات المتعلقة بالمناخ التي كان مقررا أن تصدرها وزراة العدل في الفترة الانتقالية أدى بدوره إلى إضعاف دور منظمات المجتمع المدني والهيئات والمنظمات غير الحكومية،وبدا ذلك جليا في ضعف مشاركة السودان الخارجية في أعمال قمة المناخ، فضلا عن توقف المؤتمرات المحلية والندوات التي تبين فداحة الأخطار المناخية وما يترتب عليها من أضرار، وقد توقف كليا عمليات تمويل الباحثين والأكاديمين والأنشطة البحثية في مجال التغيرات المناخية.
• وما نشاهده من استهانة بهذا الملف وتراجع عن أهداف المناخ عالميا والإخلال بأهداف اتفاقة الأمم المتحدة بشأن المناخ واتفاق باريس، يعني عدم التزامنا بالإجراءات المتعلقة بالمناخ، كما أن مسار التنمية المستدامة يستوجب وضع استراتيجيات طويلة المدى من ضمنها الخطة الوطنية الاستراتيجية التي عطل وضعها الإنقلاب، كما أن الأولويات الوطنية في مجال المناخ مضت بصورة ممتازة لتفهم رئيس الوزراء وطاقمه الوزاري للأمر ودعمه الوطني رقم قلته لتعزيز طموحنا المناخي، أما الاستراتيجيات القطاعية المناخية بعد أن تم التعريف للمؤسسات وتكييفهم ضمن الخطة الوطنية عاد الأمر لصورة أدت لإهمال نسف كل تلك الجهود، كما ضاعت على البلاد فرص استثمارية متعلقة بالمناخ لا سيما في مجالات الطاقة النظيفة التي كان مقررا لها أن تدر على البلاد مليارات الدولارات وتغتح الالاف من فرص العمل.
● سابعا: خدميا
• أكثر الملفات الخدمية تأثرا بانقلاب 25 أكتوبر 2021م ملفي الصحة والتعليم، أما الخدمات الأخرى فظلت في تراجع مطرد وإنهاك متعمد للمرافق والمؤسسات وإبعاد للكوادر المهنية إما بالطرد من الخدمة أو التضييق ليختار الآلاف منهم الهروب بخبراتهم خارج البلاد، أو أخذ إجازات بدون مرتبات تمتد لسنوات، وأكثر القطاعات تأثرا بتلك الهجرة الصحة والتعليم، وبخاصة مرحلة الأساس التي فقدت هذا العام حصيلة ما يقارب السبعمائة مدرسة تضررت بفعل سيول وفيضانات وأمطار هذا العام لم توفر الحكومة لها الصيانة الكافية وإعادة التأهيل أو حتى ترسل خيام وملحقات تعليمية لتكون فصول بديلة.
• تسبب الإنقلاب اضطراب الأهداف والسياسات التربوية وأولوياتها لإخلاله بما تمت التوصية عليه من قبل الحكومة الانتقالية عند وضعها المؤشرات الاقتصادية والصحية والتعليمية في 2019م إلى 2021م، وبذلك اخلت السياسات التربوية وارتبكت الخطط والاستراتيجيات التي تم إعدادها لتطوير التعليم، وترهل هيكل نظام التعليم وارتبك التقويم الدراسي ووقفت عمليات التدريب المستمر داخل وخارج البلاد، كما تسبب الإنقلاب في تأخير انتظام السلم التعليمي الذي تم تعديله، وأدت عودة العناصر الممانعة لسياسة الحكومة الانتقالية لاستلام زمام الأمور في الوزارة إلى إبعاد الإدارات والهيئات التي عكفت على تعديل السلم التعليمي ووضع السياسات والخطط التعليمية في البلاد، وأدى ذلك إلى إيقاف تعاون كبير بين منظمات إقليمية ودولية كانت تمول التعليم في السودان في مراحله المختلف، وكذلك توقف عمليات التعاون في التعليم العالي التي ابتدأتها الحكومة الانتقالية وتم التراجع عن تقديم تقانات حديثة كانت ممنوعة عن السودان بفعل النظام الإخواني، سمحت بعض الدول لمنحها للسودان بعد خروجه من قوائم رعاية الإرهاب والحظر الدولي، إلا أنها عادت وجمدت التعاون بعد الإنقلاب.
• في المرحلة الابتدائية اضطربت سنوات القبول والاستبعاد من المدارس الابتدائية تبعا لفترات الإغلاق التي استطالت في العاصمة والولايات، كما أن قطع الطريق أمام عمليات تحديث السجل المدني والتعداد السكاني والإحصاء التي بدأتها الحكومة الانتقالية لم تمكن من رصد الأعداد الحقيقة للمؤهلين لدخول المدارس وليس هناك نسبة مئوية حقيقية للملتحقين بالمدارس هذا العام ليتثنى للدولة معرفة الأعداد المتسربة مقرءة بالإحصاء الحقيقي حتى تستعين بالدعم الإقليمي والدولي لتأهيل وتأسيس عدد جديد من المدارس.
• ولا يوجد حصر لعشرات الآلاف من الأطفال في سن المراحل الأساسية والإعدادية ممن هم خارج المدارس في ولايات السودان المختلف من البدو والرحل والذين تمثل الفتيات فيهم نسبة كبيرة تتراوح أعمارهن الفئية بين 13-14 سنة، وقد وضعت حكومة الفترة الانتقالية خطة لحصرهم بالتعاون مع اليونيسيف واليونيسكو لتدارك الأمر الذي لم تتابعه حكومة الإنقلاب.
• لا يوجد تضنيف حقيقي هذا العام لوضع التعليم بالنسبة للأطفال في سن المدارس والذين هم خارج المدارس بحسب الولايات والمدن والأقاليم، لكن الملاحظ زيادة معدلات عمالة الأطفال وانتشار ظاهرة الأطفال المتسربين في سن الدراسة وانتشارهم الكثيف بأعداد مطردة في الخرطوم ومدن السودان المختلفة والتحاق أعداد كبيرة من الأطفال بمعسكرات التجنيد للقوات النظامية وقوات الحركات المسلحة.
• ومثلت الإجرات الاقتصادية المترتبة على الإنقلاب عقبة كؤود أمام تحصل التلامذ على فرص تعليمية خارج الأطر الحكومة، إذ تضاعفت أسعار وتكاليف التعليم الخاص ما دفع عدد كبير من المدارس الخاصة لتغيير مرافقها وتقليل كفاءة المحتويات والبرامج التعليمية واللجوء إلى أدوات وإمكانيات وخبرات ذات أجور أقل، وانسحب ذات الأمر على تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة ومراكز تأهيلهم.
• أما التعليم العالي فليس بأقل سوء من من أوضاع التعليم الابتدائي والمتوسط والعام، فقد تضاعفت الرسوم الدراسية في الجامعات والمعاهد والكليات الحكومية بصورة كادت أن تجاري تلك الخاصة، ووصلت التكاليف الدراسية إلى أسعار فلكية وتمييزية قاتلة لأبناء المغتربين والمهاجرين حتى الذين لهم القدرة على دفعها فضلوا إرسال أبنائهم إلى الخارج لتلقي فرص تعليم أفضل وأكثر استقرارا ما ضيع فرص ارتباط كيثير من الأبناء والبنات بأسرهم وبلادهم، كما أن سياسات الأجور ودعم التعليم التي ينتهجها النظام الإنقلابي حفزت كثير من المؤسسات للإضطراب والإضراب ما فاقم درجة السخط وسط الطلاب وزاد من تراكم الدفعات في الجامعات ففي بعض الجامعات تجد أن المستوى الدراسي الواحد فيه ثلاثة دفعات متراكمة ما تعجز الطواقم العاملة والأساتذة والمرافق والقاعات والمعامل والورش والمكتبات عن استيعابهم.
• أما ملف الخدمات الطبيبة والصحية فهو ملف شائك ارتبط به الأحياء والأموات، تراجع كفاءة المستشفيات واكتظاظ المدن طلبا للعلاج لتراجع الخدمات الطبية في الولايات، وطفت إلى السطح بصورة مزعجة قضايا الأموات في المشارح السودانية والإهمال المتعمد الذي تشهده جثامين الأموات فلم تكن حادثة (ود عكر) السبب في الكشف عن آلاف الجثث المتكدسة وإنما فتحت حادثة (مدثر) الباب على مصراعيه لجثث متكدسة أيضا في مشرحة أمبدة، وهذا يعني أن المشارح السودانية بها كوارث تورط أطباء وزارة الصحة والطب العدلي في أمور ترقى للجرائم ضد الإنسانية.
• كما شهدت أسعارالأدوية تزايدا مضطردا ونشطت تجارة الدواء ومافيا الدواء حتى العقاقير غير المسجلة في وزارة الصحة صارت تباع في العلن وتورد عن طريق جماعات تهريب كبيرة وشبكات تجارة غير متخصصة طبيا وتتخذ من الأدية سبيلا للثراء، وتراجع الدعم الحكومي للعلاج حتى في المرافق الحكومية وشهدت مستشفيات السلاح الطبي والشرطة حوادث كثيرة واحتجاج نظاميين بعضهم من مصابي الاحتجاجات على عدم حصولهم على الرعاية الطبية الكافية وشرائهم لأبسط الاحتياجات الإسعافية والأدوية المنقذة للحياة.
• في ملف الكهرباء أوجز بأن الإنقلاب وأد ملف تطوير التوليد الطاقوي بكل جوانبه (كهرومائي – ديزل- شمسي – رياح .. الخ)، وقطع الطريق للتواصل مع شركات أجنبية مباشرة دون وسيط أو (كبري)، وأوقف التحديث الذي عكفت عليه وزارة الطاقة إبان الفترة الانتقالية، ولهذه الأسباب تشهد البلاد هذه الأيام نقص في التوليد وشح شديد في قطع الغيار وعدم انتظام عمليات الصيانة الكافية وكلها تحتاج إلي مبالغ مالية كبيرة وخبرات وتعاون مشترك، لكن الإنقلاب جمد ذلك التعاون وأوقف عمليات تمويل البنك الدولي التي تقدر بحوالي 700مليون دولار ومنح وقروض تنموية في مجالات الطاقة تتجاوز الملياري دولار كانت تستهدف مناطق النزوح والعودة الطوعية والمناطق التي لم تصلها خطوط الإمداد من المحطات التحويلية ومناطق التوليد الرئيسية.
• ولأن الكهرباء مرتبطة عضويا وهيكليا بالمياه تأثرت مياه الشرب في كثير من المدن بفترات الانقطاع الطويل للكهرباء وأدى ذلك لكوارث بيئية وصحية وتراجع في عمليات الانتاج في بعض المناطق الصناعية وتوقفت كثير من المنشئات الصغيرة التي تعتمد على الكهرباء ولارتفاع أسعار الديزل، جعلت تلك القطوعات مواصلة بعض المواطنين لحياتهم في المدن أمرا عسيرا وجحيم لا يطاق، وتأثرت قطاعات حيوية كالمستشفيات والمدارس والجامعات ودواووين الحكومة بقطع الإمداد الكهربائي الذي وصل في بعض الأحياء إلى 36 ساعة.
• والموقف السياسي من اثيوبيا وسد النهضة عطل اتفاقات امداد متبادل بقدر كبير من الكهرباء وبأسعار زهيدة مقارنة بالسعر العالمي وتمت الاستعاضة عنه بكمية قليلة من جمهورية مصر، لم تتجاوز المائة ميجا واط، حتى دخولها للخط الناقل للسودان متعثر لعدم تحمل البنية التحتية في السودان لمداخيل كهربائية عالية، وهو أمر فني قطع فيه وزراءالطاقة في الحكومة الانتقالية شوطا كبيرا لتحديث خطوط النقل والإمداد وشبكات التوزيع.
نواصل
orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig