السبت، 29 أكتوبر 2022

دين الإخوان وقدسية وادي البرهان

دين الإخوان وقدسية وادي البرهان


• يريد البرهان أن يخلع الشعب السوداني نعاله في هذا الوادي الذي تجري فيه دماء الأبرياء، فيهرعوا إليه حفاة مجردين من شعاراتهم: (الحرية السلام العدالة)، ويكونوا داجنين خانعين راضين بما ارتكب من فظائع اقترفها هو وفلول النظام السابق وسدنة الإنقلاب، ويرى أن هذا الوادي النجس يستمد قدسيته من مشروع أيدولوجي إخواني معبأ بهتافات التنظيم والحركة المحلوليين، وملتزما ببيعتهم ومنتظما في سلك المنظومة الخالفة، واختار لذلك دغدغة المشاعر بالتمسك بقيم الدين وعدم التفريط فيها، مصورا بذلك قدسية متوهمة لهذا الوادي النجس.



• الأمر الذي يعلمه السودانيون جميعا أن أقصر الطرق التي ظلت تستخدمها الأنظمة الشمولية هو الأيدولوجيات يمينا ويسارا واستمالة عقول وقلوب السودانين هو التدين الشكلي، والابتزاز واستثارة الناس بدعاوي المساس بالمعتقدات، فيتشدد الناس في المظاهر ويتركوا الجواهر، ويشيدوا المساجد والمعابد ويتركوا المقاصد، ولجهل البرهان أو القائمين على تشييد المسجد الذي افتتحه في منطقة بئر حماد غربي أم درمان، أن تلك المنطقة من المناطق الحديثة جوار سجن الهدى، وبها تزايد مضطرد للكثافة السكانية وتحتاج إلى أبسط مقومات الحياة وخدمات تسد الجوعة وتؤمن الخوفة كما قال الفاروق رضوان الله عليه: (إن الله استخلفنا على عباده لنسد جوعهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها)، فهؤلاؤ ليسوا بحوجة إلى مسجد فقد جعل الله لهم الأرض مسجدا وطهورا، ولم يقدر البرهان حوجتهم للإطعام من جوع والأمان من خوف الجماعات المنفلتة والمتطرفة، حتى يعبدوا رب هذا الدين : (ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ) (قريش - 4).




• اتخذ البرهان من هذه المطية الدينية سبيلا جديدا للخداع على غرار الكذبة الأولى في 1989م، بخديعة (ألا لدنيا قد عملنا نحن للدين فداء)، وحاول ابتعاث الكهنوت الإخواني من القبور المبعثرة في وادي الإخوان، لينتفضوا ممهدين له الطريق أمام خديعة أخرى وليزينوا له سوء عمله، ويمهدوا له الطريق للاستمرار في الحكم ردا لجميل إرجاعهم وتمكينهم من مفاصل الحكم في البلاد وحفظ مصالحهم وحماية رموزهم داخل البلاد وتسهيل تهريبهم خارجها.



• وهو الآن يحاول أن يبيع كل ما لديه من خطط يقدمها له مستشاروه ومكتبه الإخواني وإمارته التنظيمية في القوات المسلحة، لإبقاء أبواب المعبد مفتوحة، سواء كان ذلك بـ (الدين) لمعشر الجاهلين به، أو بـ (العجين) للجوعى والمسغبين، ولو كلفه الأمر دفن المزيد من الجماجم في ذلك الوادي واسترخاص الآلاف من نفوس الآدمين، وترويع الآمنين.




• وفي سبيل ذلك لم يتورع في الاستعانة حتى بالجماعات المتطرفة والتيارات الدينية المختلفة، وفتح المجال للتناظر العنيف والتضاد الديني في أوضاع هشاشة اجتماعية وأمنية وظروف إقتصادية غاية في البؤس، محفزة للاستقطاب على أسس دينية، وقطع الطريق أمام التأسيس لمشروع وسطي جامع لأهل القبلة في السودان وممهد للتعايش مع أهل الأديان ومسهل للحوار مع الآخر الثقافي والحضاري.




• هذه الخطوات الثيوقراطية هي أساس التدرج الهرمي لسيادة الأفكار الدكتاتورية والمفرخ للنظم الشمولية التي تصب الزيت على النار وتلهب مشاعر البسطاء، لتصوير أن هناك تيارات رافضة للتدين، وتتصيد مواقف أفراد لوصم تيار كامل بأنه مغاير لوجدان الشعب السوداني وكل ذلك هدفه لجر الفرقاء إلى ملف صراع ليس محله الفترة الانتقالية وهو ملف الدين والدولة.



• ما شهدناه من ممارسة باسم الدين في هذا الوادي الإخواني خلال الثلاثة عقود المنصرمة بعهديها الترابي والبشيري، هو ما يحاول البرهان استعادته بحذافيره، لتطبيق فظائع ناسوتيه وإصباغها بصبغة لاهوتيه، فقد أحال البرهان رئيسه البشير إلى السجن حبيسا ليدخل القصر رئيسا، ويعود ليمكن النظام المباد وهو يتحدث عن دين يقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي).



• وواصل البرهان في ذات ممارسات النظام المباد وأفلح في إعادة انتاجه وتجديد شبابه بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، ليكون بذلك خائنا للعهد، متعمدا الكذب ومتناسيا (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) (يوسف- 52)، ومزق الوثيقة التي أسست الفترة الانتقالية العلاقة التعاقدية بينه وبين شركاء الحكم، والدين الذي يتحدث عنه البرهان يقول: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء - 34)، واستحق بذلك أن يكون من الذين: (أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (البقرة - 100).




• هذه الحالة هي خطوات كذوبة لتخليق وضع ديني يساعد البرهان على الهروب والنجاة، وحرمان الشعب من ممارسة حقه الفطري والإلهي في الحرية وإرغامه على اتباع دين الإخوان، وتأسيس دولة ثيوقراطية جديدة، وهو ما يجب محاربته على طول الطريق لارتباط تلك التجربة الدينية بالبطش والحروب الأهلية والقتل والترويع والتعذيب.




• حاول البرهان غسل عار انحيازه للثورة وما سماه الإخوان خيانة ورد الجميل لهم بسفك دماء الأبرياء من أبناء وبنات الشعب السوداني وفي سبيل ذلك اتخذ سبيلا للتحالف النجس بينه وبين أوليك الذين: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ) (الأنعام: 112) سبيلا لنشر الترويع وانتهاك الحرمات وقتل الأنفس، وسفكت في عامه الإنقلابي الأول دماء ما يفوق الألف نفس وألفي ضحية وعشرات الآلاف من النازحين واللاجئين مخالفا بذلك نصا يردد إلى قيام الساعة: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (النساء:29).




• أما إذا استرسلنا في سرد فظائع إنقلاب البرهان فقط وقرأناها مع نصوص الدين المنزل لوجدنا أن المقصود ليس النصوص المتواترة المتبعة، وإنما هو ممارسات مبتدعة ولكنها ليست جديدة في عرف الطغاة كظاهرة الاعتقال السياسي والتعذيب والتصفيات للخصوم، وعمليات الفساد وحماية رموزه، شأنه في ذلك شأن كل الأنظمة المحيطة الشمولية والاستبدادية.



• هذا النقاش الذي فتحه البرهان وردده نائبه دقلو، هو تخوف من فزاعات ظل تجار الدين يلوحون بها في كل الحقب وكل العصور، وتمارس من مختلف الأديان، إلا أن الجماعات الإسلاموية في السودان، قد شاب مماراستها الدينية فجورا وجرائم ترقى لمخالفة شرع الله ونصوص دينه الحنيف، ومع ذلك ظل ملف المناورة الأول هو ملف الدين وعلاقته بالدولة وهذا ما نشهده من هتافات ممجوجة تصبغ الدين بالدم (فلترق كل الدماء)، وترفض قيم اللبرالية، والتي تتسق مع صحيح الدين كحرية الاعتقاد (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون - 6)، وحرية التعبير(وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف – 29)، وحرية الضمير والإعتراف بالآخر (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة - 8).



• ختاما: من المؤكد أن الممارسة الفعلية واليومية أثبتت أنه لا أحد يستطيع إحداث فصل واضح بين الدين والدولة، ولا بينه وبين الحياة العامة، بل حتى مسيرة الثورة ارتبطت بالعبادة الجماعية والتدين الواعي، واستصحب الثوار الشعائر الدينية في مواكبهم وتشييع شهداء الثورة، وعمدت الحرية والتغيير لخلق توازن أقليات للتمثيل في مجلس السيادة، ولم تنح الحكومة الإنتقالية إلى إلقاء الحقائب والوظائف الحكومية الدينية الموروثة في غيابة الجب، وإلغائها وزارة كالشؤون الدينية والأوقاف، كل هذا يؤكد أن علاقة الدين بالدولة في السودان النقاش فيها سابق لأوانه وأنها ملف برامجي يعمد به الشعب السوداني من يشاء ثيوقراطيا كان أو علمانيا، محافظا أو ليبراليا،  أو غيرهم، ولكنها ليست ملفات للمناورة السياسية كما يفعل البرهان في وادي الإخوان.

عروة الصادق

٢٩. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com