مصر الأنجلوفونية الخديوية العثمانية والسودان
● احتل الألباني محمد على باشا السودان في ١٨٣١م، وفي ١٨٦٩م أخطر السفير البريطاني هنري بولار في استنبول خلفه محمد سعيد باشا بأن: (( بريطانيا لا ترغب في حكم مصر أو ممارسة اي نوع من الوصاية عليها .. إلى أن قال... إلا أننا لا يمكن أن نسمح لأي قوة أجنبية أخرى بأن تسيطر أو تفرض وصايتها على مصر)).
● وكان هاجس بريطانيا مشروع قناة السويس الذي يسيطر عليه الفرنسيين وهو ما لا تريد مصر تأخير تنفيذه لتجاوز الدين الذي بلغ حوالي ٥٠ مليون جنيه إلى أن وصل ١٠٠ مليون، الأمر الذي قاد عند افتتاحه بتكليف أهم حاضري الافتتاح صامويل بيكر وإرساله على رأس ١٧٠٠ رجل للدخول للسودان تحت ذريعة محاربة الرق حتى استقالته من المهمة في ١٨٧٣م وهي ذات الخديعة التي دخلت بها بريطانيا لاحقا وتمت الاستعانة بغردون الذي اعتقل الزبير باشا ووجه بملاحقة وقتل ابنه سليمان.
● والمؤكد من كل المذكرات التي نشرت وتنشر تباعا أن غردون ذات نفسه تم إيفاده مرة أخرى من غلاديستون عام ١٨٨٤م للسودان لتقييم الوضع وترتيب جلاء من في الخرطوم وقد كتب تلغرافا بأن الجلاء ممكن ولكن ضروري أن نترك خليفة، وكان ترتيبه أن يستخرج الزبير باشا من الإقامة الجبرية في مصر ليوليه حاكما عاما خلفا له في السودان، وهو ما لم يوافق عليه وليسلي وكان يجد رفضا كبيرا من الصحافة ومنظمة مناهضة الرق في بريطانيا.
● عزز من دخول بريطانيا للسودان هزائم عثمان دقنة التي ألحقها بحاميات الشرق وفتكه بجنودها المصريين وضباطها البريطانيين، وانتصارات الإمام المهدي في الأبيض وقدير وفشودة وبارا، كل ذلك جعل غردون يغير رأيه من الاجلاء إلى الاستيلاء.
● ظل جلادستون رئيس الوزراء البريطاني يرفض إرسال جنود لاحتلال السودان، حتى بعد تغراف غردون في فيراير ١٨٨٤م، وله تصريح شهير: إرسال قوات إلى السودان سيكون بمثابة حرب من غزاة على شعب يناضل لينال حريته ويكافح ليكون حرا)، وبرقية قال فيها: ( ليكن واضحا أن الحكومة البريطانية تكون ملعونة لو أنها سمحت لضابط سلاح مهندسين واحد ان يجر بريطانيا بأكملها الى حرب شاملة في السودان)، شاركه في ذلك جرانفيل وزير الخارجية الذي قال بأن غردون يمارس سياسته الخاصة في السودان، وخاطب مجلس اللوردات بأنه لا تترتب عليهم مسؤولية أخلاقية حال أقدم شخص طوعا لمهمة انتحارية على النقيض تماما من موقف الملكة فكتوريا التي كانت تقف في صف غردون وتوبخ جلادستون لتأخره، وخاطبته ( بحق شرف الأمة والحكومة يجب عدم التخلي عن غردون)، إلى أن استسلم غلادستون أخيرا ووجه بحملة الإنقاذ التي لم تصل إلى أن قطع رأس غردون.
● ليكون ذلك الرأس المقطوع سببا فيما بعد لحملة إعادة الفتح التي كانت ذريعتها إنقاذ الطليان في كسلا، وهيأ له كتشنر تخطيطا كبيرا عبر مدن لخط السكك الحديدية العسكرية التي شارك في تشييدها سودانيون، بتمويل مباشر من وزارة الحربية البريطانية وإشراف شخصي من اللورد كرومر، وبذلك تسلل الاستعمار إلى السودان مجددا رغم مناوشات الأمير ود بشارة لصدة، ورغم جحافل الأنصار في قرية عكاشة لأن فعل المكسيم والذخيرة( دمدم) فتكت بتلك الصدور.
● من هذه الخليفة التاريخية الأنجلوفونية الخديوية العثمانية ومن تلك الهواجس المشابهة لقناة السويس وثروات البلاد ونزاعاتها الأهلية، ينبغي أن تنطلق كل القوى الوطنية التي تريد استقرار الحكم واستقلال السودان لا استغلاله من الآخرين، وقد ظلت مصر الخديوية أو الأنجلومصرية هي بوابة الدخول إلى السودان وهي التي كافأت خرطوم اللاءات التي أبرمت صلحها بانقلاب القوميين العرب في ١٩٦٩م، وكذا كان دأبها في ١٩٨٩م، إذ أنها أول الدول التي أبدت إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية في السودان، ومن بعدها عضت عليه الأنامل من الغيظ، لذلك علينا أن نتخذ موقفا من هؤلاء يحقق مصالح شعبنا ويمنع التدخلات الخبيثة وإحالتها لأخرى حميدة تحجب الشرر عن البلاد والعباد.
● لذلك تأتي زيارة قيادات الحزب لمصر لحضور اجتماعات دعت لها الإدارة المصرية في الربع الأول من العام الحالي على أن تكون في أغسطس المنصرم تم الاعتذار من الحزب نسبة لظروف الكوارث والأزمات التي مرت بها البلاد لتكون في أكتوبر الجاري، وشارك فيه قيادات الحزب من الرئاسة والأمانة العامة والمكتب السياسي على مستوى رؤساء الأجهزة فيما شارك من الهيئة د. عبد المحمود أبوه الأمين العام للهيئة، بالإضافة لمكتب الحزب بالقاهرة.
● الإدارة المصرية حينما دعت للأمر لم يكن هناك أي اتجاه نحو الحوار بين السودانيين حتى ناهيك عن الحديث عن تسوية، واعتذر الحزب لانشغاله الشديد بحراك الداخل وقتها وتتالت الأزمات، وقرر وقتئذ أن يكون اللقاء في أكتوبر ليتزامن مع أجواء الحديث عن التسوية، ولا يخفى على شخص رغبة مصر إيجاد موطيء قدم في كل شيء يخص الشأن السوداني، كما لا يخفى على أحد مواقف الحزب الداعمة لتواصل الشعبين المصري والسوداني مع الحرص التام على استقلالية القرار الوطني وأن تكون أي علاقة بين البلدين قائمة على المصلحة المشتركة.
● ولكن هناك من يحاول التشويش على حراك حزب الأمة القومي ويقيده ليقتصر عمله داخل الأزقة والحواري السياسية، فلولا تحرك الحزب وقيادته في عواصم الدول لما تم توقيع نداء السودان ولما التقى قادة العمل السياسي السوداني بالحركات المسلحة، وفي مصر جالية كبيرة جدا تعاني من أزمات وظروف تستوجب الوقوف معها وبحث سبل معالجة شؤونهم مع الإدارة المصرية خاصة أوضاع الأسر والتلاميذ والطلاب والمرضى، وحزب الأمة يتحرك من واقع مسؤوليات تاريخية اليوم نحو مصر وغدا نحو إثيوبيا وبعدها نحو شاد وجنوب السودان وليبيا وغيرها من دول الجوار لأننا قد نكون معارضين اليوم ولكننا حكام الغد ونريد لسوداننا أن تبنى علاقاته على المصالح والاحترام المتبادل.
● ختاما: ويبقى الواجب الوطني قراءة التاريخ واستلهام الدروس والعبر منه للمضي نحو المستقبل، فلن يتحقق استقرار سياسي في السودان وهناك من جيراننا من يضمر لنا العداء، ولن يسمح العالم المعطون في الدكتاتوريات حولنا من بزوغ ديمقراطية في السودان، فالمنطقة العربية والأفريقية تعج بأنظمة استبدادية وملك عضود من العسير عليه استيعاب ومضة السودان الديمقراطية التي تآمر بعضهم على وأدها عند كل ميلاد، وهاهو السودان ينتفض كما العنقاء من الرماد مجددا أقوى مما كان عليه، وهناك فرصة لأن يستفيد منه العالم إن أرادها فستتحقق المعادلة الكسبية لكل الأطراف وإن لم يردها فستنفجر أزمات العالم من السودان ويحرم العالم من فرصته الأخيرة لاستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر وتحقيق الأمن الغذائي وإيقاف النزاعات المسلحة والجماعات المتطرفة وإيقاف تدفق الهجرة غير النظامية.
عروة الصادق
١٧. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________
@orwaalsadig fb&tw
📧 orwaalsadig@gmail.com