حاكم عام السودان الجديد
مقال رأي بقلم: عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
● اللهث للبحث عن الاستقرار في السودان ليس لأن العالم يرغب في تحقيق طموحات وتطلعات الشعب السوداني وليس لإن قيمة السلم الأمن في المنطقة الإفريقية تعني الكثير، ولو كان ذلك كذلك لما سمحت دول الجوار العربي والإفريقي والإقليم والمحيط الدولي والأمم المتحدة باستمرار هذا الانقلاب العسكرى في السودان لمدة عام كامل راح ضحيته المئات من الشهداء والآلاف من النازحين والمصابين والهاربين، ولما سمحت تلك الأمم بالتضحية بكرامة الإنسان السوداني على مذابح معابد العسكر والسدنة، فتقدم دماء السودانيين قربانا للمصالح الاستراتيجية لبعض الدول ذات الأطماع المعلومة في السودان.
● ظل استقلال السودان منذ يناير ١٨٨٥م، وهزيمة الجنرال شارلس غردون وجيش الخديوية المصرية والاجهاز على حملة الإنقاذ الأنجلومصرية، غصة متوارثة في حلق الساسة ورجال الدولة في مصر، إذ أن ذلك الأمر قطع الطريق أمام تنصيب حاكم عام للسودان تحت الخديوية (التوفيقية) معمد من (الباب العالي) في اسطنبول، ويأتمر بأمر (جلاديستون)، فعندما اصطحب الجنرالان غردون باشا وجراهام الأمير عبد الشكور وحاشيته وجواريه وعبيده لتنصيبه حاكما عاما في السودان هرب منهما فور وصوله إلى أسوان وقفل إلى القاهرة.
● تكررت المحاولة عندما طلب غردون من ولسلي إرسال الزبير باشا الموضوع في الإقامة الجبرية بمصر ليكون حاكما عاما على السودان، واستمرت المحاولات حتى حملة استعادة السودان التي قادها كتشنر، واستجلب معه حاكما وطاقم حكومة أنجلومصرية يخدمها سودانيون ارتضوا الارتهان للأجنبي والخنوع للاستعمار وقتال بني جلدتهم والتأمر عليهم وممارسة الجوسسة لصالح تلك الدول.
● وعادت الكرة مرة أخرى حينما أعلن السودانيون الاستقلال في ١٩٥٥م من داخل البرلمان، وحينما قرر الإنجليز الجلاء، نشطت مصر في ترميز حاكم عام يخدم مصالحها بعد فشل محاولاتهم بترجيح كفة الاتحاد مع مصر، ولم تستتب الأمور بعد الاستقلال لسنوات حتى حاولت مصر الإجهاز على الحكومة الاستقلالية بالتآمر مع بعض الأحزاب السودانية، وهو ما قاد لتسليم الأميرلاي عبد الله خليل السلطة للجنرال إبراهيم عبود في ١٩٥٧م.
● وهكذا استمر الأمر في محاولات تنصيب حاكم عام سوداني مرتهن للقرار المصري، لأن مصر الناصرية دعمت الإنقلاب على الحكومة الديمقراطية في ١٩٦٩م، وشاركت طائراتها في ضرب المدنيين وإبادتهم في الجزيرة أبا، وألحقت الخراب بالنظام السياسي والإداري والمنظومة الاجتماعية وبدأت رحلة غرق السودان في الدين الخارجي.
● استعاد السودانيون بعد ١٦ سنة عجاف سلطتهم بانتفاضة رجب إبريل ١٩٨٥م وحققوا ممارسة ديمقراطية وكونوا حكومة وطنية انفتحت نحو العالم، وبدأت في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو وخفض التضخم، وكان مقررا أن تعقد مؤتمرا للسلام الشامل في سبتمبر ١٩٨٩م، قطع الطريق أمامه إنقلاب الجبهة الإسلامية في يونيو من نفس العام وأول من أيده الحكومة المصرية ومنحته الدعم الدبلوماسي وحشدت له التأييد وروجت له إعلاميا.
● مضت ثلاثة عقود مرة على الشعب السوداني ذاق فيها الأمرين وضحى فيها بمليوني نفس في جنوب السودان، و٣٠٠ ألف في غرب السودان وعشرات الآلاف في النيل الأزرق وكردفان وبقية أقاليمه، وهجر الوطن نزوحا ولجوءا واغترابا حوالي ٦ ملايين، إلا أن ذلك دفع السودانيين لنهوض كالعنقاء من الركام وهندسة ثورة جديدة في ٢٠١٩م، لم يفلح الباب العالي في تنصيب حاكم عام عليها، فأوعز جنرالات مصر لقرنائهم السودانيين بالإنقلاب على الثورة في أكتوبر ٢٠٢١م، قطعوا بذلك ما هو معلوم ومبين من مكتسبات اقتصادية وتنمية ودبلوماسية واستقرار سياسي وأمني كتبت عنه في مواضع أخرى.
● بعدها آوت القاهرة والباب العالي في اسطنبول كل منبوذي وطرداء الثورة السودانية، وبدأت رحلة الإعداد الخديوية العثمانية لاستعادة سواكن وطوكر وسنكات، تسابقها أشواق القاهرة في تنصيب الحاكم العام الذي أخر الحراك الجماهيري المستمر لمدة عام تنصيبه في الخرطوم، واختارت القاهرة أن تسبق الجميع بإرسال (إيلا) للسودان ولكن هذه المرة للشرق وليس للخرطوم.
● ظلت القاهرة على الدوام تقدم مصالحها على مصالح شعبها الجار، ساندت عبود ليغرق لها أهل حلفا ويهجرهم لتنشيء السد العالي، ودعمت النميري لتنال نفوذا سياسيا في المنطقة وتقود السودان ليجر لها إفريقيا، ودعمت الإنقاذ لتسكت لها عن حلايب، وأوعزت للبرهان وزمرته بالإنقلاب على سلطتها ليقفذ احتياطيها من الذهب من ٧٠٠ و٩٠٠ كليوجرام في (٢٠١٧- ٢٠٢١) ليقفز إلى (٤٤) طن بعد سبعة أشهر من إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، وتقطع الطريق أمام تصدير حصاد مليون فدان من القطن، وموسم زراعي ناجح كان مقررا له أن يوفر للسودان ما يفوق ٣.٥ مليار دولار.
● ووضعت مصر عبر منتدبيها (الجندرمة الجدد) أسطولا جويا وقوات خاصة تحت مسميات مختلفة أشهرها مناورات حماة النيل التي انتهت ولم تعد قواتها إلى قواعدها في مصر واختارت من مطار مروي قاعدة مصرية خالصة، تهيئة لتنصيب الحاكم العام، ويريد الروس قطع الطريق أمام الجميع بإقامة القاعدة البحرية في بورتسودان جوار قاعدة أردوغان المحتملة في سواكن، فيما يحاول الأمريكان تقديم حاكم عام بصورة ناعمة وهادئة بإدخالهم عدد من العناصر منهم مرشح لرئيس منصب الوزراء للخرطوم في الأسبوع المنصرم.
● كل هذا دافعه أن مصر ليس لها نفوذ في الآلية الثلاثية التي بدأت الوساطة بين الفرقاء السودانيين، وكذلك لم تجد القاهرة اهتماما ممن كونوا الرباعية ولم يعيروها بالا، فاختارت خلط الأوراق بقرارات أملتها عليهم استشارات أمنية فاشلة أوردت البشير إلى سجن كوبر الاتحادي، وحتما ستصطدم محاولات التحكم في القرار السوداني بحائط الصد الشعبي الذي يتواصل مده ومعلوم أن من وسائله ليس حصار الخرطوم فقط بل حصار كل العواصم التي تحاول ابتزاز وامتصاص موارد الشعب السوداني واغتصاب إرادته.
● ختاما: سينصب الحاكم العام للسودان سواء كان من الباب العالي أو من القاهرة، ما لم تلغ الأطماع السياسية و الاقتصادية ونزغ النفوذ اللمستحكم في بعض الأفراد و الجماعات والأحزاب السياسية، وهنا يأتي دور الساسة الوطنيين الذين لا يتلقون توجيهاتهم من أي عاصمة من العواصم، ولم يتم تلطيخ أياديهم بدماء الشعب السوداني أو دخلت أياديهم أموال أجنبية قدرة.
• لنخرج جميعنا من سياسيات الإلهاء التي يمارسها بيادق وسدنة الإنقلاب من استقطابات حادة، ونزعات عنصرية بغيضة ودعاوي إنفصالية تدعمها أجهزة مخابرات تلك الدول، كما ينبغي التخلص من أي ارتباط برأسماليين هربوا ثروات البلاد ورهنوا قرارهم لتلك الدول يريدون لعب دور الوسيط التفاوضي والداعم للحراك الثوري.
• وحدة هذا الشعب في كل مراحله التاريخية هزمت الغزاة المستعمرين وأسقطت الطغاة المستبدبن، ومتى ما توحد الشعب حقق ذلك مرة تلو أخرى، وقطع الطريق أمام تنصيب حاكم عام تعمده دول أخرى وتعتمده أجهزة مخابراتها، لتقتاه إلى مستنقع حرب عالمية، أو يسهل لها تهريب ثروات البلاد لتنعم بها تلك الدول، او يرهن قرارها الدولي في أحلاف ومحاور تضر بمصلحة السودان وتتخذ من دماء جنوده قرابين حروب عبثية.
• سيظل هذا التسابق لتنصيب حاكم عام محموما وفي الأيام القادمة ستتدخل قطر بصورة أكثر وضوحا من ذي قبل إلا أنها ستكون ناعمة وتتخذ من العمل الدبلوماسي والقوة الإعلامية عوامل تحفيز ومقبولية للحاكم العام الجديد، فيما ستناور جماعات سلام جوبا بطرح مرشحيها لرئاسة الوزراء، ومحاولة استمالة المحيط الدولي أو قوى القرار لإقناعهم بجدواهم، وكلما اتجهت جهة لإرسال مبعوثيها سرا أو علنا للسودان سترسل مصر كروتها التي تحتفظ بها، فإذا أرسلت صلاح قوش سيرسل إخوان تركيا محمد عطا المولى، وفي تلك الأثناء سيستمر الجدول الثوري الأكتوبري المفصلي، وستنشط خطوات التحضير لإكمال الإنقلاب الإخواني قطعا للطريق أمام أي تسوية لا تستوعبهم أو تجهض إنقلاب البرهان.